ألف يوم من الإبادة بلا جاذبية أخلاقية

نزار السهلي
"ألف يوم من حرب الإبادة المستمرة في غزة، واتساع العدوان وسقوط كل خيارات الوهم الفلسطيني والعربي"- الأناضول
"ألف يوم من حرب الإبادة المستمرة في غزة، واتساع العدوان وسقوط كل خيارات الوهم الفلسطيني والعربي"- الأناضول
شارك الخبر
كل الطموحات العربية لا قيمة لها، ما دامت الأنظمة متفرجة على انهيار منظومة قيمها الأخلاقية والسياسية، بعد ألف يوم من جرائم الحرب والإبادة الجماعية في غزة؛ تفاصيلها المرعبة الصادمة للعقل البشري لم تبدل في منظومة القيم السياسية العربية شيئاً، أمام منظومة إرهاب صهيوني يتسع يوما بعد آخر، بسقوط فرضية أن خطر العدوان والتوسع الإسرائيلي وسياساته في المنطقة سيؤدي لمزيد من حاجة عربية للتعاون والتماسك ووحدة المواقف، غير أن الدرس السيئ الذي قدمته مواقف وسياسات عربية رسمية من تلك الجرائم ومن الاحتلال، يستدعي ما رفع من شعار بعد السابع من أكتوبر 2023، بأن غزة كاشفة لكل شيء.

تسليم عربي مطلق بتبرير ذريعة الاحتلال بالرد على "عملية طوفان الأقصى" بجرائم الإبادة، وفق جواب من بدأ يتحمل المسؤولية، ثم إسقاط خيار التماسك والتضامن مع ضحايا العدوان، والتراجع عن دعم القضية الفلسطينية، ومواجهة أخطار التوسع والهيمنة الصهيونية على المنطقة العربية، والانتقال من خيار التفتت الداخلي عربياً إلى خيار التحالف مع المشروع الصهيوني، بربط تحديات عربية مع إسرائيل على حساب القضية الفلسطينية، وبتجريم خيارات الفعل النضالي الفلسطيني ووضعه في خانة "الإرهاب" والعمل العربي على ترويض الذات والشعوب، وإشغال النفس بحبال المكائد وإشعال الحرب العسكرية والإعلامية بين "الأخوة الأعداء".

لم يبق في يد العرب نقاط قوة يعتد بها، بعد ألف يوم من العدوان وجرائم حرب وإبادة جماعية لم تتوقف حتى الساعة، مع جنوح صهيوني أكثر نحو فاشية لا تخفي طموحاتها التلمودية التوراتية لكل فلسطين ولبنان وسوريا والعراق والسعودية ومصر

لم يبق في يد العرب نقاط قوة يعتد بها، بعد ألف يوم من العدوان وجرائم حرب وإبادة جماعية لم تتوقف حتى الساعة، مع جنوح صهيوني أكثر نحو فاشية لا تخفي طموحاتها التلمودية التوراتية لكل فلسطين ولبنان وسوريا والعراق والسعودية ومصر.

ألف يوم ينتصر فيه الإرهاب الصهيوني على عجز عربي متهتك، جعل من بن غفير ونتنياهو وسموتريتش ودانييلا فايس، وعصابات المستعمرين وقادتهم يوغلون في الدم الفلسطيني، ببث مباشر من حقول الزيتون المسروق ومن حواري مدن وقرى تتعرض لإرهاب وحرق وقتل يومي، ومن زنازين أسرى يتعرضون للتنكيل ولقوانين الإعدام.

فحتى سلاح المقاطعة لإسرائيل تبخر من الاستراتيجية العربية، واستبدل بتوفير سياحة لجنود وضباط شاركوا بجرائم حرب في غزة، وأن يستجموا في فنادق عربية بعد ارتكاب الجرائم، والتذرع بمسؤولية الضحايا عن فعلهم "الشنيع" بالضجر من الاحتلال وعدوانه وحصاره، وإرهابه وسياساته وخططه، بأن الضحية تستحق العقاب على كل خيار، لا يكون فيه الخنوع والاستسلام للمحتل قاسما مشتركاً مع استراتيجية عربية فلسطينية.

بعد ألف يوم من حرب الإبادة المستمرة في غزة، واتساع العدوان وسقوط كل خيارات الوهم الفلسطيني والعربي، وبعد ما أحرزت إسرائيل من إنجازات تخطت إبادة الحياة في غزة، وشملت كل الضفة والقدس وجنوب لبنان وسوريا، والتي تزيل كلها علامة السؤال الكبيرة التي كانت تحوم حول مستقبل القضية الفلسطينية والسلام في المنطقة، وكيفية التصدي لمخاطر صهيونية تتجاوز الجغرافيا الفلسطينية، التي أصبحت من منظور صهيوني تحت الضم وطرد سكانها واستيطانها وبقائها إلى الأبد تحت السيطرة الصهيونية، من هضبة الجولان وغزة والضفة والقدس إلى الجنوب السوري واللبناني، باعتبارها ثوابت تحقيق شعار "إسرائيل الكبرى"، بتشديد فاشية صهيونية وعنصرية، ومزيد من الجرائم وتطبيق نظام الفصل العنصري. كل ذلك استدعى مواقف بعيدة عن شوارع عربية لم تهدأ منذ ألف يوم في القارات الخمس، للتعبير عن التضامن مع عدالة القضية الفلسطينية، بخلاف هدوء مفروض بالقمع على شوارع عربية، يمنع فيها التعبير عن الغضب من جرائم الاحتلال وسياساته

بكل الأحوال، سرد المواقف غير العربية، الغاضبة من الاحتلال وسياساته الاستعمارية، كثيرة، لقادة دول ولشخصيات مؤثرة سياسية وأكاديمية ورياضية وفنية وشعبية، ولها تأثير كبير على صورة الاحتلال المحمي بازدواجية المعايير والنفاق الغربي، لكن اختفاء مظاهر الغضب الشعبي العربي تجاه جرائم الاحتلال، مع تسريبات كثيرة عن جهد عربي بُذل لتحذير إسرائيل من واقعة السابع من أكتوبر 2023، وقدرة نتنياهو على عقد قمة عربية إسرائيلية في عاصمة عربية، والتنسيق معها بما يخص أمن الاحتلال ووجوده، مع فشل عربي التوافق على حماية ضحايا الإبادة، واستقبال سفاحهم؛ كل ذلك يعني في نهاية المطاف أن ما يجمع النظام العربي مع المستعمرة أكبر وأوسع من الادعاءات اللفظية عن فلسطين، وتفسر كيف هزمت المواقف العربية خلال أعوام الإبادة الماضية، وكيف توسع الاحتلال واستمر وازدهر خلال ثمانية عقود.

كم هو بائس ومفجع أن تُكسر العزلة الصهيونية من أبواب عربية، ومن أجواء وأرض عربية، ومن أجهزة إنذار وفروع أمن مستنفرة لدرء أي خطر عنها

من الواضح، أن ضخامة الغنيمة الصهيونية التي يسيل لها لعاب قادة الفاشية الصهيونية، ليست محصورة بالإنجازات المحققة على الأرض بالاستيطان والتهويد وخطط التهجير وبقية الجرائم، التي أصبحت جسور عبور تفك عزلة المحتل عن محيطه "المنفتح" على ترتيبات وتحالف تجاوز مقولة التطبيع المجاني، بمنح إسرائيل امتيازا عربيا مضاعفا، عبر مهمة الوكيل الأمني والاقتصادي، لينظم علاقاتها بالمحيط ويشعل أجهزة إنذاره المبكر لحماية المستعمر، والإجهاز على الضحية.

لو دققنا بأمانة بمواقف وأسئلة غير عربية، توجه لسياسات إسرائيل الاستعمارية ولنتنياهو وسموتريتش وبن غفير، نجد خلفها جاذبية أخلاقية في مطالبها وتأثيرها، من الاحتجاج على سياسات الأبارتايد إلى مواقف المقاطعة، وتحرك المجتمعات والشوارع، وإبراز عدالة القضية الفلسطينية والضغط على الحكومات، مقابل التدقيق بكل هذا النقيض عربيا، فنجد منطقا غريبا بتوليفة عجيبة وسخيفة في قلب الحقائق والهروب من الأخلاق والسياسة والضمير والمواقف.

فكم هو بائس ومفجع أن تُكسر العزلة الصهيونية من أبواب عربية، ومن أجواء وأرض عربية، ومن أجهزة إنذار وفروع أمن مستنفرة لدرء أي خطر عنها. حقائق مدهشة تبرر التآمر وخلط أنصاف الحقائق، وتقول إن التحالف العربي مع المشروع الصهيوني مفتاح الفرج، وسبب لاستمرار الحكم، ولأن كل ذلك يتم في الأعالي بعيداً عن الشوارع والمجتمعات العربية وتحلق بعيدا عن بديهيات الواقع والتاريخ، يظن المانح العربي -طمأنينة للمستعمر بعد تحذيره- أن معجزات كثيرة ستتحقق له، وستهبط أعجوبة سموتريتش وبن غفير ونتنياهو مع أعاجيب وأساطير توراتية بالسلام والرخاء فوق رأسه، بينما المعجزة تتكشف عن مسخ توراتي يصف العرب كلهم (الأغيار) بأوصاف الفناء والموت والعبودية، حتى لو علق الجرس الإسرائيلي في عواصم عربية، وتعبرنت بعض الألسنة والأجهزة، ونجحت في سرقة لباس الحقيقة، فسيبقى صوت جهاز إنذار الشوارع والمجتمعات حاضراً، وستبقى جمرات الصراع متأججة ومتوجهة، وإن كساها الرماد والوهن لبعض من الوقت والتاريخ.

x.com/nizar_sahli


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)