كم من الوقت يحتاجه
الفلسطينيون للوصول لهدفٍ ما؛ كأن
يجري توافق على حوارٍ هو يجري بالفعل في كل دورة زمنية، أو التوصل إلى صيغة اتفاق
تنهي
الانقسام، وهي كثيرة أيضاً، أو إجراء
انتخابات تشريعية ورئاسية، وأن يتحقق
فعلاً الإصلاح الشامل في مؤسسات السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير وغيرها من
الاستحقاقات الضرورية، التي تساعدهم على الصمود فوق أرضهم، ومواجهة تحديات صهيونية
كثيرة وخطيرة؟ فتأجيل الانتخابات التشريعية التي كان مزمعا عقدُها في تشرين الثاني/نوفمبر
المقبل، إلى أيلول/سبتمبر 2027، ينطوي على دلالات أكثر خطورة، لأنها من النوع الذي
يؤدي كما في عقود تعطيل إجرائها، إلى إلغاء الميزة التي كان يتسلح بها الجسم
السياسي الفلسطيني ومجتمعه، بقدرته على تحدي صعاب
الاحتلال ومحاولته سلب الشعب
الفلسطيني قدرات التعبير عن نفسه وقضيته عبر صناديق الاقتراع الديمقراطية، وفرز
وانتخاب ممثليه وقياداته وتطوير عمل مؤسساته.
تم تأجيل العنصر الفاعل في جعل الجسم الفلسطيني فاقداً
لتمثيله السياسي، تحت حجج وذرائع لن تنتهي بعد عام، ولا بعد عقدٍ من الآن، فمعضلات
وجود الاحتلال منذ ثلاثة عقود، مع ظروف وتعقيدات الواقع الفلسطيني، تطورت نحو
انحدار مخيف، والتحذيرات التي كان يطلقها الفلسطينيون عن العدوان الإسرائيلي وخططه
وسياساته الاستعمارية عليهم، أصبحت أمراً واقعاً، ولم ينفع معها شلل الذات
وتكبيلها، وتعطيل تصليب الذات وإصلاح البيت الداخلي، بحيث باتت كل العناوين
الرئيسية والضرورية لذلك مؤجلة.
إعادة النظر الشاملة وجردة الحساب الفلسطينية المطلوبة، وإنهاء الانقسام، واستعادة دور منظمة التحرير وإصلاحها، وإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية، كل ذلك مؤجل أو مُعطل، ولم يخدم في نهاية المطاف سوى تكريس العجز الذاتي
فإعادة النظر الشاملة وجردة الحساب الفلسطينية المطلوبة،
وإنهاء الانقسام، واستعادة دور منظمة التحرير وإصلاحها، وإجراء الانتخابات
الرئاسية والتشريعية، كل ذلك مؤجل أو مُعطل، ولم يخدم في نهاية المطاف سوى تكريس
العجز الذاتي وإبقاء الخلل الفادح الذي حل على رؤوس الشعب الفلسطيني، من أوسلو إلى
الانقسام، وصولاً لجرائم الإبادة وعدوان التطهير العرقي في غزة والضفة والقدس، فيما
مواجهتها باستعراضات مظهرية على حساب قواعد وشروط سياسية وطنية بإدارة الظهر
للصعاب، ضاعفها وأضعف القضية معها.
التعامل مع الاستحقاقات الوطنية بترف الوقت، مع استمرار
العدوان اليومي، والبطش والجرائم الإسرائيلية، مع الضغوط المكثفة على السلطة
الفلسطينية، وعلى الشعب الفلسطيني وقضيته وحقوقه، هو تعامل خاسر كما دلت وقائع
فلسطينية قاسية تهب عليها رياح اليأس والإحباط. جاء في تبرير قرار تأجيل
الانتخابات الفلسطينية حسب وكالة وفا: القرار يهدف إلى إتاحة الفرصة لحوار وطني فلسطيني شامل يعزز الوحدة الوطنية ووحدة الأرض والنظام السياسي، ويعالج التحديات التي تواجه العملية الانتخابية، بما يضمن مشاركة جميع أبناء الشعب الفلسطيني في القدس والضفة الغربية وغزة وصون حقوقهم السياسية والدستورية.
والسؤال الذي يفرض نفسه: كم عدد الفرص المتاحة لحوارات فلسطينية شاملة حملت نفس العنوان والهدف؟ حوارات في القاهرة وعمان وغزة والضفة ومكة ودمشق وبكين، واتفاقات حملت أسماء الأماكن التي عُقدت فيها آمال كثيرة للخروج من عنق الزجاجة! هل في المرات الماضية لم ينتبه المشاركين لأهمية تعزيز الوحدة الوطنية والجغرافية، ولأهمية التحديات وصون الحقوق السياسية والدستورية؟
إنها لسذاجة الاعتقاد بأن الوقت لم يحن بعد لإجراء توافق فلسطيني- فلسطيني، قادر على إنهاء أسس التفتت والتشظي لحركة تحرر وطني فلسطيني، كما أنه من السذاجة التقليل من مخاطر ومترتبات ما يجري من تأجيل كل ما من شأنه تدعيم الهياكل الفلسطينية المشكّلة للبيت الفلسطيني الداخلي، الذي يعرف كل من فيه أن المشروع المعادي لهم في المشروع الصهيوني، يحقق إنجازات كبرى على مدار محطات تشرذمهم، رغم تضحياتهم الكبرى ومقاومتهم البطولية لهذا المشروع، إلا أن حوامل مشروعهم الوطني أخفقت في تحقيق واحد من أهم أهدافها؛ في الحفاظ على وحدة وطنية، وعلى استراتيجية كفاحية توضع موضع التطبيق.
وهنا، تخضع عملية الإصلاح المفترضة عبر إجراء الانتخابات لمعيار "صحيح" استجابة لمطالب الشارع الفلسطيني، التي تشمل أيضاً توفير استجابة سريعة لإنجاز مخرجات ما تم التوافق عليه في السابق، فليس من المعقول أن تكون وحدة المصير المشترك والمصالح وإنهاء الانقسام وإصلاح مؤسسات المنظمة، وغيرها من البنود التي تمت مناقشتها خلال عقدين، هي بحاجة لمزيد من الحوار للخروج بصيغة ما تؤدي لإجراء انتخابات.
توحيد الفهم السياسي بين أطراف قوى حركة تحرر وطني، على قضايا أساسية تدعم صمود الشعب الفلسطيني، وتصون حقوقه، وتبتكر آليات عمل ملموسة ومباشرة بعيدة عن الشعارات، لكنها تخدمها بما يوفر الثقة لبناء فلسطيني متين تفرضه متطلبات واقع العدوان والاستيطان وخطط التهجير، وفي منعطف تاريخي وخطير وهام لا ينكره أي طرف منها، وفي مرحلة مصيرية مكشوف فيها جوهر السلوك الفاشي لحكومة صهيونية مظهرها وباطنها محو الوجود الفلسطيني.. لا يتطلب كل ذلك فلسطينياً وعربياً كثرة الجدل والحوار العقيم والاستغراق في عجز تأجيل الضروريات والبديهيات، من أجل تأكيدها وإثباتها، أو تغييرها وتعديلها.
هناك مصلحة إسرائيلية بعدم حصول مصالحة وانتخابات وتوافق فلسطيني على أي من العناوين التي يكرر الفلسطينيون المطالبة بتحقيقها، لكن سيكون من التجني على الحقيقة والتاريخ معاً، القول إن كل الأزمة التي تعاني منها السلطة والمنظمة والفصائل والمجتمع الفلسطيني تولدت فقط برغبة وضغط إسرائيلي
فالخلل الذاتي الفلسطيني موجود على الدوام، ولم يكن عاملاً ثانوياً، ولم يكن تأثيره هامشياً، كما لم كان استثمار عوامل القوة الذاتية يسير في الاتجاه الصحيح، وهي أزمة قديمة تعود إليها حركة التحرر الوطني الفلسطيني أمام كل مفصل بثوب جديد، وهي موجودة قبل أوسلو وبعده وتوسعت مع الانقسام وتغول العدوان، وتفاقمت إلى حد الفضيحة مع جرائم الإبادة، وأمام عجزٍ مبعثر يشهد وحدة مواقف أخلاقية وسياسية وقانونية في عالم التضامن الدولي مع قضية عادلة.
وفيما نحن نبحث عن وحدة مواقف لإصلاح الذات ننشغل بأيهما أولاً، الحوار الوطني، أم الإصلاح والوحدة وإنهاء الانقسام أم إجراء الانتخابات؟ مع أن كل عنوان أصبح نزوعاً هروبياً، لأن علاج أي عنوان يعني علاج الكل، بدل منهج فالج لا تعالج كل مرة باتفاق إنهاء الانقسام وبدء حوار فلسطيني- فلسطيني، وتارة بإجراء الانتخابات وتعطيلها وبقاء منظمة التحرير ومؤسساتها رهينة فشل الإصلاح الذي يستحق أولوية في حوار وتشريح لا يؤجل.
نعم هناك مصلحة إسرائيلية بعدم حصول مصالحة وانتخابات وتوافق فلسطيني على أي من العناوين التي يكرر الفلسطينيون المطالبة بتحقيقها، لكن سيكون من التجني على الحقيقة والتاريخ معاً، القول إن كل الأزمة التي تعاني منها السلطة والمنظمة والفصائل والمجتمع الفلسطيني تولدت فقط برغبة وضغط إسرائيلي، دون أخذ مبدأ الانصياع المستمر لتلك الضغوط، كذلك من الظلم الاتكاء على أسباب تعطيل إصلاح المعضلات الفلسطينية على عامل الاحتلال فقط، فالحوار الفلسطيني يمكن عقده، والمصالحة أيضا والانتخابات وغيرها من خطوات الإصلاح، إذا توفرت الإرادة الوطنية والقناعة السياسية بأوان الشفاء من فالج العجز والإمساك بفرصة الإصلاح الحقيقي والشامل.
x.com/nizar_sahli
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.