قد يعتقد البعض أن ابتعادي عن الكتابة في
السياسة ودهاليز المشهد الليبي يعني أنني لا أفقه فيها، أو أنني لست ملمّاً
بتفاصيلها، ولا أمتلك الفصاحة أو الذكاء السياسي اللازمين للخوض فيها. لكن السؤال
هنا: هل ما نعيشه في
ليبيا يمكن أن يُسمّى سياسة أصلاً؟ السياسة، كما نعرفها، هي
تنافس بين برامج وأحزاب، واختلاف حول طرق إدارة الدولة، وانتخابات تمنح الناس حق
الاختيار والمحاسبة والتغيير.
وقد يقول لك بعضهم إنك عاطفي، وإن السياسة
لا مكان فيها للعاطفة. ولكن هل هذا صحيح؟ السياسة ليست حسابات مصالح مجردة، لأنها
في النهاية تتعلق بالإنسان وحقوقه وكرامته ومستقبله. صحيح أن العاطفة وحدها لا
تكفي لصناعة موقف سياسي رشيد، لكنها ليست نقيضاً للعقل، ولا عيباً ينبغي التخلص
منه. فالعقل يرشد الموقف، والمبادئ تضبطه، والأخلاق تمنعه من التحول إلى مجرد
مساومة على كل شيء.
وشريعتنا الإسلامية لا تفصل الموقف العام
عن الأخلاق؛ يقول الله تعالى: "وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا
فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ"، ويقول أيضاً: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ". وهذا يعني ألّا نميل إلى
الظلم أو نبرره، وألّا نضع مصالحنا مع الظالمين، وأن يكون موقفنا إلى جانب الصدق
والعدل.
لذلك سأكون عاطفياً بالمعنى الإنساني،
وأخلاقياً في موقفي السياسي؛ لأن السياسة التي تُجرَّد من المبادئ والأخلاق تتحول
مع الوقت إلى سباق على النفوذ والمصالح. وإذا كان المطلوب للمشاركة فيها أن أفقد
إحساسي بالعدل، أو أصمت عن الظلم، أو أبرر الفساد، فلا معنى عندئذٍ للمشاركة فيها
أصلاً.
أما في ليبيا، فنحن أمام أجسام سياسية
تجاوز عمر بعضها عقداً كاملاً، ودخل بعض أعضائها إليها وهم في سن الشباب، ثم بقوا
فيها حتى بلغوا الكهولة.
لسنا أمام تداول للسلطة، ولا أمام صراع
طبيعي بين حكومة ومعارضة، أو بين رئيس حاكم ومرشح يسعى إلى خلافته. نحن أمام
الوجوه نفسها وهي تنتقل من موقع إلى آخر، وتعيد إنتاج ذاتها من خلال المحاصصة
والتوافقات وتقاسم النفوذ. مجلس نواب انتُخب سنة 2014 ما يزال حاضراً
بعد اثني عشر عاماً، ومجلس أعلى للدولة لا يغادر
المشهد، ومراحل انتقالية تتناسل من مراحل انتقالية أخرى، حتى أصبح المؤقت هو الشيء
الوحيد الدائم في البلاد.
ومعظم القوى المتصدرة للمشهد تستقوي
بالخارج، وتحاول فرض رؤيتها مستندة إلى دعم دول إقليمية وقوى دولية نافذة، من
الولايات المتحدة إلى روسيا وغيرها. وهكذا أصبحت ليبيا ساحة تتقاطع فيها مصالح
الآخرين، بينما يدفع الليبيون الثمن.
حتى الوجوه الموجودة اليوم في صدارة
السلطة لم تصل إليها عبر اقتراع شعبي مباشر. ففي شباط/فبراير 2021، اختار أعضاء
ملتقى الحوار السياسي في جنيف سلطة تنفيذية مؤقتة ضمت المجلس الرئاسي وحكومة
الوحدة الوطنية، كانت مهمتها الأساسية قيادة البلاد إلى
انتخابات مقررة في كانون
الأول/ديسمبر من العام نفسه. لم تُجرَ الانتخابات، لكن السلطة المؤقتة بقيت،
وتحولت مرة أخرى إلى أمر واقع.
كم ليبياً يعرف كيف اختير أعضاء ملتقى
الحوار؟ ومن رشحهم؟ وأي فئات أو مناطق أو قوى كانوا يمثلون؟ وكيف يتحول تصويت
محدود داخل قاعة مغلقة إلى سلطة تحكم ملايين الليبيين لسنوات؟
وفي شرق البلاد، تشكّلت حكومة خرجت من رحم
القائمة التي خسرت تصويت جنيف، ثم فُرضت على الليبيين في المناطق الخاضعة لما
يُعرف بـ"القيادة العامة". حكومة لم ينتخبها المواطنون، ولا يعلم الرأي
العام وفق أي معايير شُكّلت، ولا كيف اختير وزراؤها أو فُتحت أبواب الترشح
لحقائبها، ولا أمام من يخضع أعضاؤها للمحاسبة والمساءلة.
واليوم، بدل أن نقترب من انتخابات يختار
فيها الليبيون من يحكمهم، تتردد من جديد مقترحات وصيغ من قبيل «4+4»، إلى جانب تحركات أميركية يقودها مسعد بولس لإعادة
توزيع السلطة بين القوى القائمة. ومهما كانت الصيغة النهائية لهذه التحركات، فإن
الخشية هي أن تنتج حكومة جديدة من خلال التفاوض بين أصحاب النفوذ، لا من خلال
صناديق الاقتراع.
سنجد أنفسنا عندئذٍ أمام مرحلة انتقالية
أخرى لا يعلم أحد متى تنتهي، مع بقاء مجلس النواب في مكانه، والمجلس الأعلى للدولة
في مكانه، وبقاء مراكز القوة العسكرية والسياسية محتفظة بنفوذها. ستتغير أسماء
الحكومة، لكن الأطراف الكبرى ستظل جالسة إلى المائدة نفسها، تتقاسم المواقع وتعيد
ترتيب الحصص.
ما يهم هذه الأطراف، في نهاية المطاف، هو
استمرارها في السلطة. أما وضع ليبيا وسمعتها ومستقبل أبنائها، وما يعانيه المواطن
من أزمات متكررة في الكهرباء والمياه والسيولة والوقود والصحة والنقل، فيأتي في
مرتبة متأخرة. وهي أزمات كان بعضها كفيلاً بإسقاط حكومات في دول أخرى، بينما يمر
عندنا بلا محاسبة حقيقية.
وحتى ما يُقدَّم تحت عنوان الإعمار، على
أهميته، لا يكفي وحده لبناء دولة. فالدولة لا تُبنى بالطرق والجسور والواجهات فقط،
إنما ببناء المؤسسات والقانون والشفافية والعدالة. وإذا غابت هذه الأسس، تحول
الإعمار إلى قشرة خارجية لامعة تخفي وراءها دولة هشة ومواطناً لا تزال أبسط حقوقه
معلقة.
ويبلغ العبث ذروته عندما يتمكن شاغلو
المناصب من المنافسة على مواقع أعلى، وهم مطمئنون إلى أن خسارتهم لن تُخرجهم من
المشهد. رأينا عقيلة صالح يترشح داخل ملتقى جنيف لرئاسة المجلس الرئاسي، ثم يبقى
بعد خسارته رئيساً لمجلس النواب. ورأينا خليفة حفتر يعلن تعليق مهامه العسكرية
مؤقتاً عند ترشحه لانتخابات 2021، ثم يعود إلى موقعه بعد تعذر إجرائها أو في حال
خسارته.
أي منافسة هذه التي يدخلها صاحب السلطة
وهو يحتفظ بمنصبه شبكة أمان؟ وكيف يمكن الحديث عن تكافؤ الفرص، بينما ينافس بعض
المترشحين من داخل مواقع النفوذ، ثم يعودون إليها إذا أخفقوا؟
نعم، قد يقول قائل إن الصراع على السلطة
نوع من السياسة، وهذا صحيح بالمعنى المجرد للكلمة، لكن السياسة التي أقصدها هي
إدارة الشأن العام وفق قواعد ومسؤولية ومحاسبة، لا استخدام الدولة غنيمةً،
والمؤسسات حصصاً، والسلاح وسيلةً لفرض الأمر الواقع.
وما يُبكي ويدمي القلب أن ترى بعض من
يصفون أنفسهم بالنشطاء السياسيين يتنقلون بين المواقع والمعسكرات، ويتعاملون مع
هذا العبث باعتباره عملاً سياسياً طبيعياً. يشاهدون الفساد والطمع والنهب،
ومحاولات فرض شخص أو عائلة أو مشروع بعينه على البلاد، ثم يصمتون أو يتحولون إلى
مبررين له.
يحدث ذلك في بلد قدّم أبناؤه تضحيات جسيمة
من أجل إسقاط نظام مستبد حكم أكثر من 42 عاماً، فإذا ببعض من رفعوا شعارات الثورة يترحمون
اليوم على ذلك النظام، أو يدعون إلى إقامة نظام جديد يشبهه في جوهره، وإن اختلفت
الأسماء والرايات.
إلى أي وضع وصلنا؟ وعن أي سياسة سنتحدث؟
عن تقاسم السلطة، أم عن النهب والقتل والإعدامات وتبديد الأموال؟ أم عن تحويل قوت
الليبيين وخدماتهم الأساسية، في لحظات الصراع، إلى أوراق ضغط تُستخدم لفرض
الاتفاقات وانتزاع التنازلات؟
لذلك، عندما تريد الحديث عمّا يحدث في هذا
البلد، فصِفه بما تراه مناسباً.. صراعاً على النفوذ، أو محاصصة، أو استحواذاً، أو
عبثاً بمصير الدولة، لكن رجاءً لا تقل إنك تتحدث عن السياسة. فما يحدث في بلدي ليس
سياسة، بل كارثة بما تعنيه الكلمة من معنى.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.