منذ أيام قليلة، خرج شخصان، في توقيتين
مختلفين، يعلن كل منهما نفسه رئيسًا جديدًا للحكومة الليبية. أحدهما أعلن ذلك من
جنيف، والآخر ظهر في تسجيل مصور من داخل
ليبيا، وكلاهما تحدث عن إنقاذ البلاد،
وتلبية مطالب الشعب، وإنهاء سنوات الانقسام والأزمات.
وقبل ذلك، تتواصل التحركات السياسية التي
تقودها البعثة الأممية في ليبيا من جهة، والمستشار الأمريكي مسعد بولس من جهة
أخرى، وسط حديث عن ترتيبات سياسية وإمكانية الدفع نحو تشكيل حكومة جديدة، في وقت
تعيش فيه البلاد أصلًا حالة انقسام بين حكومتين، حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس،
المعترف بها دوليًا، وحكومة أخرى في شرق البلاد تمارس كثيرًا من صلاحيات الدولة،
رغم عدم حصولها على الاعتراف الدولي.
ليبيا اليوم ليست دولة مستقرة تتنافس فيها الأحزاب على برامج اقتصادية أو اجتماعية، هي دولة تعيش سلسلة طويلة من الأزمات المتراكمة. أزمة مالية تضغط على الاقتصاد، وأزمات مزمنة في الكهرباء والمياه والخدمات الأساسية، وانقسام مؤسساتي امتد لسنوات، وانتشار واسع للسلاح خارج مؤسسات الدولة، ونفوذ لقوى عسكرية تفرض نفسها على المشهد السياسي والأمني.
لكن القضية بالنسبة لي ليست في عدد
الحكومات، فقد اعتادت ليبيا خلال السنوات الماضية على إنتاج الأجسام السياسية أكثر
من إنتاج الحلول. السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه هو.. لماذا يريد كل هؤلاء حكم
ليبيا؟ ما الذي يجعل شخصًا عاقلًا يسعى إلى رئاسة
حكومة في بلد تبدو أزماته أكبر من قدرة أي حكومة على معالجتها؟
ليبيا اليوم ليست دولة مستقرة تتنافس فيها
الأحزاب على برامج اقتصادية أو اجتماعية، هي دولة تعيش سلسلة طويلة من الأزمات
المتراكمة.
أزمة مالية تضغط على الاقتصاد، وأزمات مزمنة في الكهرباء والمياه
والخدمات الأساسية، وانقسام مؤسساتي امتد لسنوات، وانتشار واسع للسلاح خارج مؤسسات
الدولة، ونفوذ لقوى عسكرية تفرض نفسها على المشهد السياسي والأمني.
حتى المؤسسات السيادية، في ظل هذه الدولة
المترهلة، لم تعد تعاني فقط من الانقسامات، بل باتت تواجه خطرًا آخر، متمثلًا في
الهجمات الإلكترونية والاختراقات.
ويشعر كثير من الليبيين بأن القرار الوطني
أصبح شديد التأثر بالتدخلات الخارجية، وأن القوى الدولية والإقليمية باتت لاعبًا
رئيسيًا في رسم المسارات السياسية، سواء عبر المبادرات أو الوساطات أو الضغوط. وفي
كثير من الأحيان، يبدو وكأن مستقبل ليبيا يُناقش في العواصم الأجنبية أكثر مما
يُناقش داخل المؤسسات الليبية نفسها.
وسط هذا الواقع، يفترض أن يكون منصب رئيس
الحكومة عبئًا ثقيلًا، لا جائزةً يتسابق إليها الجميع.
ومع ذلك، لا يتوقف السباق.
وجوه قديمة تعود إلى الواجهة، وشخصيات جديدة
تعلن نفسها، ومبادرات لا تنتهي، وتحالفات تتغير باستمرار، بينما يتمسك كل طرف بأنه
الأحق بقيادة المرحلة.
وهنا يبرز السؤال الأكثر إثارة للاهتمام..
إذا كانت السلطة في ليبيا بهذا القدر من التعقيد، فما الذي يجعلها هدفًا لكل هذا
التنافس؟ هل لأن المنصب يمنح نفوذًا سياسيًا؟ أم لأنه يفتح باب السيطرة على
الموارد المالية للدولة؟ أم لأن السلطة، حتى وإن كانت محدودة الصلاحيات ومحاطة
بقيود داخلية وخارجية، ما تزال تمنح صاحبها شبكة واسعة من الامتيازات والنفوذ
والقدرة على التأثير؟
قد تختلف الإجابات، لكن المؤكد أن حجم
التنافس لا يتناسب مع حجم القدرة الفعلية على إدارة البلاد أو حل أزماتها.
وأثناء متابعتي لهذا المشهد، استحضرت فترةً
من أكثر الفترات اضطرابًا في تاريخ ليبيا، وهي السنوات الأخيرة من حكم الأسرة
القره مانلية بين عامي 1832 و1835.
كانت إيالة طرابلس آنذاك تعيش أزمة خانقة.
الديون تتراكم، والنفوذ الأجنبي يتزايد، والقناصل الأوروبيون أصبحوا أصحاب تأثير
واسع في شؤون الدولة، بينما كانت الأسرة الحاكمة تخوض صراعًا مريرًا على السرايا.
عندما تصبح الدولة ضعيفة، وتتشابك فيها المصالح الداخلية مع التدخلات الخارجية، قد تتحول السلطة إلى هدف بحد ذاته، حتى وإن كانت الدولة التي يتنافس الجميع عليها تعاني من أزمات عميقة.
كان الجميع يريد الحكم، رغم أن الدولة نفسها
كانت تضعف يومًا بعد يوم. وانشغل أبناء العمومة بالصراع على السلطة، بينما كانت مقومات الدولة
تتآكل تدريجيًا، حتى انتهى الأمر بانتحار أحد المتنافسين، وأُرسل الآخر أسيرًا إلى
الأستانة، وعادت البلاد إلى الحكم العثماني المباشر، بعدما فقدت الأسرة القره
مانلية قدرتها على الاستمرار.
لا يعني ذلك أن التاريخ يعيد نفسه، فلكل
مرحلة ظروفها المختلفة، لكن التاريخ كثيرًا ما يعيد طرح الأسئلة ذاتها.
فعندما تصبح الدولة ضعيفة، وتتشابك فيها
المصالح الداخلية مع التدخلات الخارجية، قد تتحول السلطة إلى هدف بحد ذاته، حتى
وإن كانت الدولة التي يتنافس الجميع عليها تعاني من أزمات عميقة.
ولهذا، ربما يكون السؤال الذي ينبغي أن يشغل
الليبيين اليوم ليس من سيحكم ليبيا؟، وإنما كيف يمكن بناء دولة تكون فيها السلطة وسيلةً لإدارة المؤسسات؟
برأيي، فإن أزمة ليبيا الحقيقية ليست في قلة
رجال الدولة، وإنما في كثرة الطامحين والشغوفين بالوصول إلى السلطة. وإلى حين حصولنا على إجابة
وافية حول هذا التنافس المحموم، فإن التاريخ يخبرنا أن الصراع على السلطة في دولة
ضعيفة لا يصنع دولة قوية، بل قد يعجّل بانهيار ما تبقى منها.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.