من فكرة إلى عقيدة.. لماذا يتعصب الناس لـ"أصحاب اليقين"؟

عماد المدولي
"تحمل تسمية "الطيبات" نفسها قوة نفسية وأخلاقية"- جيتي
"تحمل تسمية "الطيبات" نفسها قوة نفسية وأخلاقية"- جيتي
شارك الخبر
يتبادر لنا سؤال مُلح.. لماذا يتبع الناس أشخاصاً بعينهم، ثم يتعصبون لآرائهم إلى درجة رفض كل نقد يوجه إليهم؟ الأمر لا يتعلق دائماً بقوة الفكرة أو بصحة أدلتها، الإنسان لا يبحث عن الحقيقة وحدها، إنما يبحث أيضاً عن الطمأنينة، خصوصاً عندما يواجه المرض أو الخوف أو مستقبلاً لا يستطيع السيطرة عليه. لذا يبدو الشخص الذي يقدم إجابات قاطعة أكثر إقناعاً من العلم الذي يتحدث بلغة الاحتمالات.

العلم يقول ربما، والأدلة غير كافية، وقد تتغير النتائج. أما صاحب الشخصية الكاريزمية فيقول هذه هي الحقيقة، وهذا هو سبب المرض، وهذا هو العلاج الذي أخفوه عنكم.نقطة انتهى..!

هنا تبدأ المسافة بين الفكرة والعقيدة في التلاشي. بعض الشخصيات تعتبر أفكارها رسالة كبرى، ويظهر في خطابها اندفاع شديد، ويقين مفرط، وإحساس بالاستثناء، مع تقسيم العالم بين من اكتشفوا الحقيقة ومن لا يزالون مخدوعين.

وقد يتطور لدى بعض أصحاب الأفكار شعور بأنهم لا يقدمون اجتهاداً عادياً، بل يحملون رسالة استثنائية لإنقاذ الناس، وربما يضفون عليها معنى دينياً أو ربانياً. ولا يعني ذلك تشخيص أي من ذكروا في هذه المقالة بهذه الحالة، وإنما تحليل نمط خطابي يتكرر حول الشخصيات الكاريزمية.

يتطور لدى بعض أصحاب الأفكار شعور بأنهم لا يقدمون اجتهاداً عادياً، بل يحملون رسالة استثنائية لإنقاذ الناس، وربما يضفون عليها معنى دينياً أو ربانياً. ولا يعني ذلك تشخيص أي من ذكروا في هذه المقالة بهذه الحالة، وإنما تحليل نمط خطابي يتكرر حول الشخصيات الكاريزمية

صاحب هذه الشخصية حين يعترض عليه المختصون، لا يرى في اعتراضهم فرصة للمراجعة، بل دليلاً على أنه يهدد مصالحهم. وكلما تعرض للنقد، ازداد اقتناعاً بأنه يسير في الطريق الصحيح؛ فالحقيقة، في نظره، لا تُحارَب إلا لأنها خطيرة على المستفيدين من الجهل.

القائد هنا لا يصنع هذه الصورة وحده، فجمهوره يشارك أيضاً في صناعتها، هو يخبرهم بأنهم من القلة التي عرفت الحقيقة، وهم يخبرونه بأنه المخلّص الذي انتظره الناس.

في القرن الثامن عشر، ظهر الطبيب الألماني "فرانز مسمر" بنظرية سماها "المغناطيسية الحيوانية". اعتقد بوجود قوة خفية داخل الكائنات، وأنه يستطيع استخدامها لعلاج الأمراض. كان المرضى يدخلون خلال جلساته في حالات إغماء وتشنج، ثم يعلن بعضهم تحسنه. وأصبح حضور مسمر وطقوسه جزءاً من العلاج نفسه.

في عام 1784، شكّل الملك لويس السادس عشر لجنة ضمت بنجامين فرانكلين وأنطوان لافوازييه، واختبرت الممارسات المستندة إلى نظرية مسمر، وانتهت إلى عدم وجود دليل على القوة المزعومة.

لم يكن المرضى يكذبون بالضرورة عندما قالوا إنهم شعروا بالتحسن، لكن صدق التجربة الشخصية لا يعني صحة التفسير الذي قدمه "مسمر".وهذا ما يحدث كثيراً مع الأنظمة الغذائية، فقد يتبع شخص نظاماً ما ويتحسن فعلاً، لأنه خفّض نوع ما من الطعام أو فقد بعض الوزن أو أصبح أكثر انتظاماً، لكن تجربته لا تثبت جميع ادعاءات صاحب النظام، ولا تعني أن الحمية تصلح لكل إنسان ولكل مرض.

نأتي إلى واقعة أخرى، في القرن التاسع عشر، تنبأ الواعظ الأمريكي ويليام ميلر بعودة المسيح سنة 1844. آمن به الآلاف، واستعد بعضهم للموعد وتخلى عن ممتلكاته.مر اليوم الموعود من دون وقوع الحدث، فيما عُرف لاحقاً باسم "الخيبة الكبرى". ومع ذلك، لم يتخلَّ جميع الأتباع عن اعتقادهم، بل أعاد بعضهم تفسير النبوءة، وقالوا إن حدثاً سماوياً غير مرئي وقع، أو إن الخطأ كان في فهم طبيعة الحدث لا في النبوءة نفسها!

هنا نسأل: لماذا لم يعترفوا ببساطة بأنهم أخطأوا؟ لأن الإنسان كلما دفع ثمناً نفسياً واجتماعياً كبيراً من أجل فكرة، أصبح التخلي عنها أصعب. فالاعتراف بالخطأ قد يعني أنه أهدر سنوات، ودافع عن شخص، وهاجم معارضيه، وربما أقنع أسرته وأصدقاءه باتباعه، لذلك قد يغير تفسير الوقائع بدلاً من تغيير اعتقاده.

وعندما يفشل نظام غذائي، تظهر التفسيرات نفسها.. المريض لم يطبقه حرفياً، أو بدأ متأخراً، أو خالف إحدى القواعد، أو أن الأدوية أفسدت النتيجة. وهكذا يبقى النظام صحيحاً دائماً، بينما يتحمل المريض وحده مسؤولية فشله.

في الاتحاد السوفييتي، ظهر عالم الزراعة "تروفيم ليسينكو" الذي رفض علم الوراثة المندلي ونظرية الكروموسومات، وأنكر الدور المعروف للجينات في انتقال الصفات. أفكاره انتصرت دون أن تمتلك أدلة قوية، انتصرت لأنها انسجمت مع الأيديولوجيا السوفييتية وحصلت على دعم ستالين. وبالتالي تحول الخلاف العلمي إلى اختبار للولاء، وتعرض علماء وراثة للإقصاء والاضطهاد، بينما اكتسبت أفكاره سلطتها من السياسة لا من المختبر.

وتتكرر هذه الآلية اليوم بصورة مختلفة، حين يصبح من ينتقد نظاماً غذائياً متهماً بالدفاع عن شركات الأدوية، أو بمحاربة العلاج الطبيعي، أو بالحسد والعداء لصاحب الفكرة. وبذلك تنتقل المناقشة من السؤال عن الدليل إلى السؤال عن النيات، ويتحول الرأي إلى هوية، والنقد إلى خيانة.

في عصر وسائل التواصل، بات صاحب الرسالة لا يحتاج إلى حزب أو مؤسسة، يكفيه هاتف، وصورة لافتة، وقصة بسيطة يستطيع الجمهور فهمها بسرعة.

ظهر الأمريكي "برايان جونسون"، المعروف بلقب "ملك الكبدة"، بجسد عضلي ضخم، وروّج لما سماه "حياة الأسلاف"، القائمة على تناول الكبد والأعضاء الحيوانية النيئة، والتعرض للشمس والبرد، وممارسة تدريبات شديدة.كان جسده هو البرهان الأساسي على صحة كلامه، فالمتابع يرى النتيجة أمامه، ثم يسمع تفسيرها، فيربط بينهما مباشرة. وفي الوقت نفسه، كان الرجل يبيع مكملات غذائية مرتبطة بالنظام الذي يروج له.

لكن في عام 2022، كُشف استخدامه المنشطات وهرمونات تحسين الأداء بعد أن كان ينكر ذلك، ثم اعترف بأنه ضلل جمهوره، وتبيّن أن الجسد الذي استُخدم دليلاً على نجاح النظام هو نتاج عوامل أساسية أخفاها عن المتابعين. ومع ذلك، استمر بعضهم في الدفاع عنه، وذهب آخرون إلى أن اعترافه دليلاً على شجاعته.

يمكن فهم الجدل حول "نظام الطيبات" الذي ارتبط بالطبيب المصري المتخصص أساساً في التخدير والرعاية المركزة ضياء العوضي ضمن هذا السياق، من دون مساواته بهذه الشخصيات، أو اتهامه بالخداع أو تشخيصه نفسياً من بعيد.

قدم العوضي خطاباً قوياً وحاسماً، وقسّم الأطعمة إلى "طيبات" وأخرى وصفها بالخبيثة أو السامة، وربط الغذاء بعدد كبير من الأمراض. ولم يتحدث دائماً بلغة الطبيب المتحفظ، بل بلغة شخص يرى أنه اكتشف حقيقة كبرى غابت عن غيره.

وتحمل تسمية "الطيبات" نفسها قوة نفسية وأخلاقية، فالمسألة لا تعود اختياراً بين طعام أكثر أو أقل فائدة، بل بين الطيب والخبيث، وبين العودة إلى الفطرة والاستسلام للطعام الحديث.

وأضاف إلى ذلك الاعتقاد أن شركات الغذاء والدواء تخفي الحقيقة، وهو ما حول صاحب النظام في وعي بعض أتباعه من طبيب يقدم اجتهاداً إلى رجل يحمل رسالة لإنقاذ البشرية.

النية الصالحة لا تجعل كل فكرة صحيحة؛ ربما يكون الإنسان صادقاً ومخلصاً، ويكون مخطئاً في بعض استنتاجاته في الوقت نفسه. والفرق كبير بين التشكيك في أخلاق الشخص ومراجعة ما يقوله

وإذا شعر صاحب الفكرة بأن له دوراً ربانياً، ورأى أتباعه فيه الرجل الذي اختير لكشف الحقيقة، يصبح نقده صعباً. فالنقد هنا ليس مناقشة طبية فحسب، إنما إساءة إلى رجل أراد الخير للناس، وربما اعتراضاً على الرسالة التي يحملها.

النية الصالحة لا تجعل كل فكرة صحيحة؛ ربما يكون الإنسان صادقاً ومخلصاً، ويكون مخطئاً في بعض استنتاجاته في الوقت نفسه. والفرق كبير بين التشكيك في أخلاق الشخص ومراجعة ما يقوله.

هنا يتعصب الناس لأن اليقين البسيط أكثر راحة من الحقيقة المعقدة، ولأن قصة مريض يقول "اتبعت النظام فشُفيت" أكثر تأثيراً من دراسة مليئة بالأرقام والتحفظات. كما يمنحهم الانتماء إلى الجماعة شعوراً بالأمان، ويجعلهم يعتقدون أنهم امتلكوا معرفة خفية لا يعرفها الآخرون. وبعد أن يدافع الإنسان طويلاً عن فكرة، يصبح الاعتراف بخطئها تهديداً لصورته عن نفسه.

بالتأكيد ليست المشكلة في أن يخالف شخص ما الطب السائد؛ فالمؤسسات الطبية والعلمية أخطأت كثيراً، وبعض الأفكار الصحيحة بدأت بمخالفة المألوف. لكن المشكلة حقا هي عندما يستبدل الناس سلطة المؤسسة بسلطة شخص واحد، ويمنحونه حصانة من السؤال.فالمصلح الحقيقي دائما يطلب أختبار أفكاره وتصحيحها إذا كانت مخطئة، أما صاحب اليقين المغلق، فيعتبر كل اعتراض دليلاً على جهل المعترض أو فساده أو اشتراكه في المؤامرة.

على العموم، فإن "المخلّص" لا يصنع نفسه وحده؛ هو يحتاج إلى جمهور خائف يبحث عن الخلاص، جمهور متعطش لإجابة نهائية وسط عالم مرتبك.

وفي النهاية، يمكننا احترام صاحب الفكرة من دون تقديسه، والاستفادة من بعض آرائه من دون قبولها كلها، وتغيير مواقفنا من دون أن نشعر بأننا خسرنا أنفسنا.فالحقيقة لا تحتاج إلى مخلّص، ولا تخشى الاختبار، ولا تطلب من الإنسان أن يغلق عقله كي يثبت إخلاصه لها.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)