ماذا وراء حملة الاعتقالات الجديدة في مصر؟.. الأمن يستهدف أهالي معارضين في الخارج

اعتقالات تطال أقارب معارضين وغضب من الغلاء.. هل تعود القبضة الأمنية في مصر؟ - جيتي
اعتقالات تطال أقارب معارضين وغضب من الغلاء.. هل تعود القبضة الأمنية في مصر؟ - جيتي
شارك الخبر
في الوقت الذي يعيش فيه المصريون حالة من الضيق مع أشد أشهر العام حرارة وتتفاقم فيه مشاعر الغضب لديهم مع ما يعانونه من ارتفاعات متتالية بأسعار الكهرباء والوقود والنقل والدواء وأغلب السلع والخدمات، تلاحق القبضة الأمنية الغليظة كل من يبدى غضبه من سياسات رئيس النظام عبدالفتاح السيسي، وحكومته.

وعبر صفحته بـ"فيسبوك"، تساءل المحامي الحقوقي السيد خلف: "هل موجة الاعتقالات عشوائية أم حملة مدروسة؟ ولماذا الآن؟"، ناقلا أسئلة وشهادات من متابعين وشهود عيان، خلال الأيام الأخيرة حول ما يصفه كثيرون بتصاعد لافت في وتيرة الحملات الأمنية، واتساع نطاقها في عدد من المحافظات والمناطق.

وأوضح أن "المشهد، وفقًا لما تتناقله شهادات متزايدة، لم يعد مقتصرًا على مداهمة المنازل أو تنفيذ حملات اعتقال، بل امتد إلى تكثيف الأكمنة في الشوارع، واستيقاف المواطنين والكشف على بطاقات هويتهم بصورة عشوائية، مع ملاحظة تركيز متكرر على أصحاب المظهر الإسلامي، سواء في الملبس أو الهيئة، دون تمييز بين رجل أو امرأة".

ولفت إلى أنه "في مشهد أكثر إثارة للقلق، تتحدث شهادات عن مداهمة منازل المعتقلين وتفتيشها، والاستيلاء على الهواتف المحمولة الخاصة بزوجاتهم وأبنائهم، ثم استدعاء بعض أفراد الأسرة من جانب الأجهزة الأمنية".

وبين خلف، أنه "تتردد، بصورة متزايدة، وقائع عن استدعاء أو توقيف أقارب بعض المعارضين المصريين المقيمين خارج البلاد، الأمر الذي يفتح بابًا واسعًا من التساؤلات حول حدود المسؤولية الفردية، وحول الأساس الذي تُبنى عليه مثل هذه الإجراءات، إن صحت هذه الوقائع".

وتساءل: "هل نحن أمام حملات أمنية عشوائية وموسعة، أم أن ما يحدث جزء من تحرك أمني مدروس له أهداف محددة؟، ولماذا يأتي هذا التصعيد في هذا التوقيت تحديدًا؟،هل يتعلق الأمر بملفات أمنية بعينها؟ أم أننا أمام موجة جديدة من التضييق تتجاوز الأشخاص المستهدفين لتطال أسرهم وذويهم، وربما تمتد إلى دوائر أوسع من المجتمع؟".



عقاب بالوكالة

وتتابعت الأنباء حول وجود حملة مداهمات واسعة نتج عنها اعتقالات في صفوف بعض أسر المصريين المعارضين من الخارج، في محاولة للضغط عليهم واسكاتهم ووقف أنشطتهم في معارضة النظام المصري، وفق تأكيد بعض النشطاء التي طالت ذويهم الحملة عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وتأكد اعتقال المصرية البريطانية إيمان الشاذلي، شقيقة الناشطة منى الشاذلي، خلال زيارة لها إلى مصر، وذلك بعد اعتقال شقيقيها عيد وحسن الشاذلي، وابن عمها صابر الشاذلي في أيار/مايو الماضي، فيما تطالب عائلتها الحكومة البريطانية بالتدخل والكشف عن مكان احتجازها.


وتحت عنوان: "العقاب بالوكالة"، قالت منظمة "هيومن رايتس إيجيبت"، إن اعتقال إيمان الشاذلي عقب مداهمة منزل عائلتها 16 آب/أغسطس الجاري، يعد "تصعيدا جديدا لاستهداف عائلات المعارضين المصريين بالخارج"، و"يمثل نمطًا من العقاب بالوكالة، تتحول فيه العائلات إلى وسيلة للضغط والانتقام بسبب نشاط ذويهم أو مواقفهم السياسية والحقوقية في الخارج".

اظهار أخبار متعلقة



وفي واقعة اعتقال ثانية، ورغم أنه من مؤيدي أحداث (30 حزيران/يونيو 2013)، جرى اعتقال الموظف بوزارة العدل أحمد عبدالهادي، شقيق المعارض من الخارج عمرو عبدالهادي، 16 آب/أغسطس 2026، بعد مداهمة بيت والدته ثم بيته وتحطيمهما وسرقة متعلقات منهما، لتقرر النيابة حبسه 15 يوما بتهم "الانضمام إلى جماعة إرهابية"، و"ارتكاب جريمة من جرائم تمويل الإرهاب"، وفق المحامي الحقوقي خالد علي.



وفي رد فعله، قال مركز "الشهاب لحقوق الإنسان": "جاءت تصريحات قوات الأمن لوالدة المحتجز بعد استدعائها وتركها قيد الاحتجاز لمدة 5 ساعات، صريحة ومباشرة بضرورة توجيه رسالة لوقف نشاط ابنها السياسي، مما يؤكد أن عملية الاعتقال تُعد رداً انتقامياً ومحاولة للضغط على الناشط عبر اتخاذ ذويه كرهائن".

ووجه حقوقيون انتقادات لسياسة اتخاذ أفراد العائلة رهائن واستهدافهم للضغط على المعارضين أو الناشطين، مؤكدين أنها تُعد انتهاكاً صارخاً لحقوق الإنسان، وتشكل جريمة عقاب جماعي تجرمها المواثيق والأعراف الدولية.

وتمت مداهمة بيوت أسر عدد من المعارضين المصريين من الخارج، وتفتيشها وتخريبها وسرقة بعض المتعلقات، في مشهد متكرر اشتكى منه البعض عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مؤكدين أنها محاولات انتقامية لمنع وصول أصواتهم للمصريين.

هشاشة وشعور بالضعف

وفي قراءتها لهذا المشهد وتوقيت تلك الحملة قالت الحقوقية المصرية هبة حسن: "في الواقع مثل تلك الحملات تتكرر كل فترة بشكل واسع ضد المعارضين بالخارج وهو ما أثبته عدد من التقارير الحقوقية ضمن محاولات النظام إسكات كل الأصوات المعارضة له".

مدير "التنسيقية المصرية للحقوق والحريات" وصفت في حديثها لـ"عربي21"، هذا السلوك بأنه "يعبر عن عقيدة النظام الأمنية، وهي ما أثبته منذ استيلائه على السلطة في 2013، وإصراره أن يحكم المجتمع بالخوف".

واستدركت: "لكنه يثبت في نفس الوقت هشاشة النظام وشعوره بالضعف حتى أمام معارضين تركوا له البلد ولم يعودوا يمتلكون إلا صوتهم ورأيهم ليشاركوه؛ لكن حتى هذا الرأي يعتبره النظام تهديدا".

وأكدت حسن، أن "هذا هو حال الأنظمة القمعية التي لم تأتي بإرادة شعوبها -وإن ادعت أنها جاءت استجابة له كما تتدعي منذ 13 عاما- وبالذات في الأوقات المشابهة لهذه الأيام وذكرى أكبر مجزرة حصلت في التاريخ المصري الحديث مجزرة رابعة العدوية 14 آب/أغسطس 2013".

وعبرت مدير "التنسيقية المصرية للحقوق والحريات"، عن أسفها من أن "مثل هذه الحملات سواء للضغط على المعارضين بالخارج أو تجنيد الشعب تجاه بعضه -بتجنيد المخبرين أو حملات مواقع التواصل الاجتماعي المفتعلة- يكون لها عدة أهداف".

ذكرت منها "إعادة بث الرعب حتى لا يفكر أحد بالتململ نتيجة لتردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وقمع الحريات، وكتم أي صوت يفكر بالظهور، وأهداف صغيرة أخرى لدى أذرع النظام الصغيرة من ضباط وغيرهم لإثبات وجودهم والاستفادة ماديا في ظل أزمة لم ينجو حتى رجال النظام منها".

اظهار أخبار متعلقة



عودة المواطنين الشرفاء

وفي السياق، اشتدت حملة التحريض عبر مواقع التواصل الاجتماعي والتي يقودها ما يُعرف بـ"اللجان الإليكترونية" الموالية للنظام أو ما كان يُطلق عليهم بشكل ساخر سابقا "المواطنون الشرفاء" لاعتقال كل من يكتب منتقدا سياسات الدولة، بعمل إشارة إلى وزارة الداخلية، ليتم متابعة الصفحة وتوقيف صاحبها.

وهو ما أشارت إليه، الناشطة الحقوقية عايدة سيف الدولة، ملمحة إلى أن البعض يتطوع ليكونوا مخبرين لوزارة الداخلية مجانا وبمقابل، مبينة أن ذلك الوضع يذكرها بأجواء 2013 و2014، عندما طالب الإعلام الرسمي المواطنين الشرفاء بالإبلاغ عن من ينتمي لجماعة الإخوان المسلمين، فأبلغ البعض عن أبنائه وجيرانه، الأمر الذي وصفته الصحفية إكرام يوسف، بأنه "لقمة مغمسة بالذل".



وفي سياق سياسة البلاغات من مؤيدين للنظام بحق مواطنين باتهامات دعم الإرهاب أو الترويج له أو الانتماء إلى تنظيم إرهابي، اعتقلت السلطات المصرية، طه توفيق صاحب متجر ملابس "جوبا"، بعد تقديم 5 محامين فيه بلاغا يتهمه بالترويج "لشعارات تشكل إساءة لشكل الهوية المصرية المدنية وتمييزا على أساس ديني وتحمل أفكارا عنيفة"، رغم أنها تحمل عبارات تاريخية تتعلق بفترة الغزوات الإسلامية.

مقابل الترقية

كما أطلق نشطاء تحذيرات من احتمال حدوث اعتقالات بصفوف النشطاء والمعارضين في الداخل بعد صدور نشرة ترقيات وزارة الداخلية الشهر الماضي ومع تولي عدد من الضباط مناصب جديدة لإثبات جدارتهم بالموقع الجديد.

الأمر الذي حذر منه المؤرخ والناشط المهتم بالملف الحقوقي محمد إلهامي، متحدثا عن "بدء موجة اعتقالات جديدة، يحاول بها الضابط الجديد إثبات جديته ونشاطه"، قائلا عبر "فيسبوك": ما أتعس أن تكون مصلحة إنسان وترقيه في تدمير حياة الناس وتعذيبهم وترك زوجاتهم كالأرامل وأطفالهم كاليتامي وأمهاتهم كالثكالي".


وأكد طبيب مصري، لـ"عربي21"، أن "هناك عمليات وشاية واسعة تجري في أوساط العمل"، موضحا أنه "منذ فترة بدأ كثيرون يتحدثون دون خوف وبلا حدود خاصة عن الغلاء وضيق الأحوال منتقدين رأس النظام، وعاود البعض الكتابة عبر مواقع التواصل الاجتماعي بقوة".

وأوضح أنه تلقى اتصالا من قريب يعمل في الأمن الوطني يحذره من أنه يجري متابعة صفحته وصفحات أغلب زملاء العمل، وهناك من ينقل عنه وعنهم بعض ما يقولون في غرف العمليات وأوقات الاستراحة، محذرا إياه من اعتقال قريب، وناصحا إياه بتغيير مواقفه عبر مواقع التواصل.

اظهار أخبار متعلقة



تجنيد السائس والسائق وأصحاب المحلات

وفي ذات السياق، وفي مفارقة مثيرة للجدل كشف متحدث لـ"عربي21"، عن أدوار السايس الذي يقوم بركن سيارات المواطنين في الشوارع بدور الوشاية الأمنية بعد تجنيده من قبل الأمن.

الباحث الذي فضل عدم ذكر اسمه، أكد أن "السائس حصل على حماية الأمن العام مقابل أن يقوم بدور المرشد على المواطنين، وذلك وفق صفقة يتم عقدها بين رئيس مباحث المنطقة وبعض العاملين في مهنة السائس".

وأوضح أن "الضابط يحتاج شبكة عيون في الشارع ويستخدم السائس لهذا الغرض، رغم علمه بقيام السائس بجرائم الاتجار في الممنوعات (مخدرات- سلاح- عملة- دعارة- نصب- سمسرة)، بل إن أية محاضر من مواطنين ضد السايس يقوم بحفظها كبوليصة ضمان تجعل السائس رهنا لأوامره، ما يعني نظام رهن قانوني بالمعنى الحرفي".

ويشكو سائق لـ"عربي21"، من محاولات أفراد في الأمن الوطني والأمن العام تجنيده وغيره من السائقين لإمدادهم بأية معلومات، موضحا أن مشاجرة أوقعته تحت أيديهم، ولكنه تعلل بأنه لا يقرأ ولا يكتب ولا يجيد التعامل مع الهواتف الحديثة.

في الآونة الأخيرة، جرى الكشف عن جرائم اعتداء على مسجونين جنائيين، وصلت حد القتل تعذيبا لرفض التعاون مع الأمن والعمل كمرشد لهم.

ويشير أحد المتابعين عبر مواقع التواصل الاجتماعي، إلى "تعرض ابن خالته للتعذيب الذي أفضى للموت في قسم شرطة بولاق الدكرور بمحافظة الجيزة قبل 5 أيام"، موضحا أنه "حلاق يعول إخوته الثلاثة"، مبينا أنهم "أرادوا منه العمل معهم كمرشد على جيرانه وزبائنه لكنه رفض"، مبينا أن "أسرته تسلمت جثمانه من مستشفى أم المصريين بالجيزة، جثة هامدة مليئة بالكدمات والجروح وكسر بالعمود الفقري، نتيجة تعذيب وحشي".

غضب بالشارع

ووفق رصد "عربي21"، في الشوارع ووسائل المواصلات وعبر مواقع التواصل الاجتماعي يطالب مصريون، بإنهاء حكم رئيس النظام عبدالفتاح السيسي، لتفاقم أزماتهم المعيشية، مع استمرار سياسات تقليص دعم الفقراء ورفع أسعار الوقود والكهرباء والدواء والنقل والمواصلات والاتصالات والرسوم والضرائب والخبز غير المدعم، وانخفاض الرواتب واستمرار تراجع القيمة الشرائية للجنيه.

ذلك، وإلى جانب الملف الحقوقي وغياب الحريات واعتقال أكثر من 60 ألف مصري منذ العام 2013، ينتقد مصريون بناء مشروعات غير ذات جدوى بأموال قروض ومعونات خارجية دفعت اقتصاد البلاد إلى أزمة ديون خارجية تتعدى 164 مليار دولار ، تأكل خدمتها بين أقساط وفوائد موازنة المصريين التي تعاني عجزا سنويا وتعتمد على الاقتراض مجددا لترقيعها، إلى جانب سياسة التفريط في الأصول والأراضي الاستراتيجية.

ومن آن إلى آخر، تتجدد بعض دعاوى نشطاء للمصريين تطالبهم بالنزول للشارع والتظاهر والاحتجاج والإضراب العام بلا عنف وبلا تخريب لإسقاط النظام الحالي.


التعليقات (0)