اتهم روان وليامز، الرئيس السابق لأساقفة
كانتربري، زعيم حزب "ريفورم يو كيه" نايجل فاراج باستخدام
الخطاب
المسيحي، بحسب تعبيره، من أجل "توجيه المشاعر المعادية للمسلمين" في
بريطانيا، محذراً في الوقت نفسه من تنامي النزعة القومية المسيحية وربطها بقضايا
الهجرة والإسلام والبحث السياسي عن "كبش فداء".
وقال وليامز، الذي شغل منصب رئيس أساقفة
كانتربري عشر سنوات حتى عام 2012، في مقابلة مع مجلة New
Humanist، إنه يشتبه في أن فاراج وآخرين يسعون إلى
استثمار فكرة أن بريطانيا "مجتمع مسيحي" لتوفير غطاء أو سند لخطاب مناهض
للمسلمين.
وأضاف أن القلق من الهجرة ومن الإسلام يمثل،
إلى جانب عوامل أخرى، أحد دوافع صعود القومية المسيحية في بريطانيا.
فاراج والمسيحية كجزء من الخطاب السياسي
يأتي موقف وليامز، وفق
تقرير"للغارديان"، في سياق تزايد حضور اللغة الدينية في خطاب فاراج السياسي.
فقد كتب زعيم "ريفورم" في عيد الفصح أن "القيم المسيحية التي بُني
عليها بلدنا" تستحق الاعتزاز.
كما أثار فاراج جدلاً عام 2024 عندما تحدث
عن وجود أعداد متزايدة من الشباب الذين، بحسب قوله، لا يتبنون "القيم
البريطانية" بل "يكرهون" كثيراً مما تمثله البلاد، قبل أن يؤكد أنه
كان يقصد المسلمين.
وفي مارس/آذار من العام الجاري، انتقد فاراج
فعالية إفطار جماعي في ميدان ترافالغار بلندن، واعتبرها محاولة لـ"التغلب على
أسلوب حياتنا وترهيبه والسيطرة عليه"، وفق ما أورده التقرير الأصلي.
ويرى وليامز أن توظيف الرموز المسيحية في
السياسة البريطانية لا ينفصل عن تحول أوسع في الخطاب القومي المحافظ. وقال إن
العولمة السياسية أدت إلى انتقال رسائل من تجمعات مسيحية محافظة دولية تدعو
الحركات القومية إلى إدخال قدر من "اللاهوت" في خطابها السياسي.
وأضاف أن النزعة القومية المسيحية قد تكون
مدفوعة، في جانب منها، بـ"البحث البسيط جداً عن شخص يُلقى عليه اللوم".
انتقادات لخطاب فاراج الديني
وأكدت "الغارديان" أن وليامز لا
يقدم، في تصريحاته، دليلاً مباشراً على أن فاراج يتبنى المسيحية لمجرد إثارة
العداء للمسلمين، بل يطرح الأمر باعتباره تفسيراً سياسياً لخطاب زعيم "ريفورم".
لذلك فإن توصيفه ينبغي التعامل معه باعتباره رأي رجل دين وشخصية عامة بارزة، وليس
حقيقة مثبتة بشأن دوافع فاراج الشخصية.
ويأتي هذا الجدل بالتوازي مع ازدياد حضور
الشخصيات ذات الخلفية اللاهوتية المحافظة داخل "ريفورم يو كيه". ففي
أكتوبر/تشرين الأول 2025، عيّن الحزب الأكاديمي بجامعة كامبريدج جيمس أور مستشاراً
أول لفاراج. وكان أور قد وُصف داخل الحزب بأنه أكاديمي ولاهوتي ومفكر بارز، كما
أشارت تقارير إلى علاقاته الوثيقة بأوساط محافظة في الولايات المتحدة وبنائب
الرئيس الأميركي جي دي فانس.
وفي فبراير/شباط 2026، أصبح أور رئيساً
للسياسات في «ريفورم»، بعد فترة قصيرة مستشاراً لفاراج، ما عزز موقعه داخل الدائرة
القيادية للحزب.
وليامز يطرح "أسئلة محرجة" على
تومي روبنسون
لم يقتصر انتقاد وليامز على فاراج. فقد وجّه
أيضاً تساؤلات إلى الناشط اليميني المتطرف تومي روبنسون، واسمه الحقيقي ستيفن
ياكسلي ـ لينون، الذي أعلن في السنوات الأخيرة اعتناقه المسيحية بعد حديثه عن
دراسة الكتاب المقدس أثناء وجوده في السجن.
وقال وليامز إنه لا يريد التشكيك تلقائياً
في ادعاءات روبنسون الدينية، مضيفاً أنه سيكون سعيداً إذا كان الرجل يحاول بالفعل
أن يعيش حياة مسيحية، لكنه يريد أن يطرح عليه «أسئلة محرجة» بشأن مدى توافق هذا
الادعاء مع خطاب عام قال إنه مصمم لإنتاج العداء والعنف.
وقد ظهر روبنسون في مناسبات ذات طابع مسيحي،
بينها حفل ترانيم في لندن في ديسمبر/كانون الأول الماضي حمل شعار إعادة "المسيح
إلى عيد الميلاد". كما شهدت مسيرته السياسية الأخيرة مشاركة أشخاص يحملون
صلباناً خشبية ويرددون شعار "المسيح هو الملك".
انتقاد لاذع لفاراج شخصياً
وفي أكثر تصريحاته حدة، شكك وليامز في مدى
انشغال فاراج بالجانب اللاهوتي من المسيحية، قائلاً إنه لا يعتقد أن زعيم "ريفورم"
يقضي لياليه منشغلاً بـ "روحه" أو بالأسئلة اللاهوتية العميقة.
وتشير هذه التصريحات، وفق "الغارديان"،
إلى أن الخلاف لا يدور فقط حول مدى مشروعية استخدام الرموز المسيحية في السياسة،
وإنما حول سؤال أعمق: هل تتحول الهوية المسيحية في الخطاب القومي الجديد إلى أداة
سياسية لتعريف "من ينتمي" إلى بريطانيا ومن يُقدَّم بوصفه تهديداً لها؟
وتأتي تصريحات وليامز في وقت بدأت فيه
المسيحية المحافظة تلعب دوراً أكثر وضوحاً في السياسة البريطانية، ولا سيما داخل "ريفورم
يو كيه". وقد رصدت تحليلات سياسية هذا التحول، مع الإشارة إلى أن النموذج
البريطاني لا يزال مختلفاً عن الولايات المتحدة، رغم تنامي الروابط الفكرية
والسياسية بين المحافظين الدينيين في البلدين.
ورأت "الغارديان" أن تصريحات روان
وليامز تضع استخدام الهوية المسيحية في الخطاب القومي البريطاني في قلب سجال سياسي
متصاعد. فبالنسبة إلى منتقدي فاراج، تكمن المشكلة في احتمال تحويل المسيحية من
مرجعية دينية إلى علامة هوية سياسية تُستخدم في مواجهة المسلمين والمهاجرين. أما
بالنسبة إلى "ريفورم"، فإن استدعاء القيم المسيحية يمكن قراءته بوصفه
دفاعاً عن تقاليد وهوية بريطانية يرى الحزب أنها تتعرض للتآكل. ويظل السؤال
المركزي: هل يمثل هذا التحول عودة للدين إلى المجال السياسي البريطاني، أم إعادة
توظيف للرموز الدينية في صراع الهوية والهجرة؟
اظهار أخبار متعلقة