لم يعد الاستقطاب الإيديولوجي في
الجزائر
حول قضايا الهوية واللغة نقاشا فكريا يقود إلى أي شيء، بل تحول إلى حرب خنادق
عبثية. خندقان متخندقان، نخبتان مزعومتان، تتصارعان على تاريخ لم تقرأه بعمق، وعلى
مستقبل لا تملك له مشروعاً. صراعٌ حول العروبة والأمازيغية، حول الدين وتفسيراته،
حول الفرنسية والإنجليزية، والمفارقة ـ قد يكون هذا صادما للبعض ـ يدار بنفس أدوات
المستعمر الفرنسي القديم، وبنفس عقليته!
آخر حلقات هذا العبث، ما روجت له صحافية
معروفة بالاصطفاف الإيديولوجي، حين زعمت أن الجنرال ديغول نفسه هو من كان وراء
قرار التعريب في الجزائر. تحريف انتهازي فجّ لما قاله المناضل "الوطني
العروبي" الراحل عبد الحميد مهري، أحد قادة الثورة التحريرية ضد الاستعمار
الفرنسي. مهري، عضو الحكومة الجزائرية المؤقتة، التي كانت تفاوض حكومة ديغول
المنهزمة الهاربة من الجزائر يتحول في هذا التخندق الأيديولوجي الملفق إلى شاهد
زور على أن "التعريب مؤامرة ديغولية"!
هذا الادعاء ليس مجرد خطأ تاريخي، بل هو
نموذج مثالي لآلية عمل الاستقطاب الإيديولوجي الخطير في الجزائر.
من المستفيد الأول؟
لا يمكن فهم هذا الانقسام دون فهم المستفيد
الأول منه: النظام العسكري ـ السياسي الجزائري، الذي بنى شرعيته منذ الاستقلال على
خطاب مزدوج. في الداخل، خطاب تعريبي عروبي إسلامي شعبوي، يُعبأ به الشارع والمدرسة
والمسجد، ويُخوَّن به كل من يطالب بالديمقراطية أو يطرح سؤال الهوية الأمازيغية.
وفي الخارج، وفي دهاليز الدولة العميقة، نظام فرانكفوني بامتياز، يتودد لباريس
ليحجز لأبناء مسؤوليه العسكريين والسياسيين مقاعد في الثانوية الفرنسية في
الجزائر، ويرسلونهم للدراسة في فرنسا، ويعالجون في فرنسا بأموال الشعب ويهرّبون
أمواله المنهوبة إليها.
النظام هو من أنتج المدرسة المزدوجة اللسان والفكر، هو من قمع الأمازيغية عقوداً ثم تاجر بها دستوريا دون تجسيد حقيقي، وهو من ترك الإسلام، ساحةً مفتوحة للتلاعب، يقوم بها هو نفسه إلى جانب تفسيرات متطرفة مستوردة ساهم في تشجيعها وتغذيتها، بينها تيار "طاعة ولي الأمر"!
النظام هو من أنتج المدرسة المزدوجة اللسان
والفكر، هو من قمع الأمازيغية عقوداً ثم تاجر بها دستوريا دون تجسيد حقيقي، وهو من
ترك الإسلام، ساحةً مفتوحة للتلاعب، يقوم بها هو نفسه إلى جانب تفسيرات متطرفة
مستوردة ساهم في تشجيعها وتغذيتها، بينها تيار "طاعة ولي الأمر"!
هو يريد جزائر منقسمة ومؤدلجة: عربي ضد
أمازيغي، علماني ضد إسلامي، الفرنسية ضد الإنجليزية. فالانقسام يمنع توحد
الجزائريين حول مطالبهم الحقيقية: دولة القانون، العدالة الاجتماعية، والحريات.
المشكلة ليست في النقاش حول الهوية واللغة
والدين. هذه قضايا مشروعة ومهمة في أي مجتمع. المشكلة تبدأ عندما تتحول إلى حرب
هويات دائمة، وإلى مادة جاهزة لتعبئة وتجييش الجماهير وتقسيمها، بينما تتراجع
الأسئلة الحقيقية: لماذا تتعثر المدرسة؟ لماذا يهاجر الشباب؟ لماذا لا تنتج
الجامعة المعرفة؟ لماذا لا تزال الإدارة عاجزة؟ ولماذا يتحول الاختلاف الطبيعي بين
الجزائريين إلى صراع وجودي؟
هنا تبرز مسؤولية السلطة، ولكن أيضاً
مسؤولية النخب التي يفترض أن تكون أكثر وعياً من الوقوع في هذا الفخ.
فالنظام يعرف جيداً أن المجتمع المنقسم على
أسئلة الهوية أسهل إدارة من مجتمع متحد حول أسئلة الحقوق والعدالة والحوكمة
والمحاسبة. ولذلك يصبح شعار «فرّق تسد» أكثر فاعلية حين لا يُفرض الانقسام من فوق
فقط، بل تتكفل النخب نفسها بإعادة إنتاجه، كل واحدة منها داخل قبيلتها
الأيديولوجية.
تقليد المستعمر الفرنسي في تطرفه!
المفارقة أن هذا النوع من
الجدل يعيد
الجزائر، بطريقة غريبة، إلى الاستقطابات التي طبعت تاريخ المستعمر الفرنسي نفسه.
وهنا يمكن استحضار مقولة " المعلوب
مولع بتقليد الغالب"، وما كتبه فرانز فانون وألبير ميمي عن "العلاقة
المعقدة بين المستعمِر والمستعمَر،" وعن الآثار النفسية والثقافية التي
يتركها الاستعمار حتى بعد رحيله. فالمفارقة أن التحرر من الاستعمار لا يعني
بالضرورة التحرر من بعض آلياته الذهنية.
يبدو مدهشا فعلا أن النخب في الجزائر تختلف
حول فرنسا، لكن كثيراً ما تختلف بالطريقة التي علمتها بها فرنسا أن تختلف!
هذا الاستقطاب العنيف حول الدين والهوية
واللغة في الجزائر لا يبدو إلا نسخة باهتة من صراع فرنسي. ففرنسا لم تعرف تاريخاً
من التسامح، بل تاريخاً من الاستقطاب الدموي منذ الثورة الفرنسية 1789. صراع
الكنيسة والجمهورية، الملكيين والجمهوريين، اليمين واليسار، وصولاً إلى اختراعها
الخاص: "اللائكية" Laïcité المتطرفة،
العدائية تجاه الدين في المجال العام.
اللائكية الفرنسية ليست هي العلمانية
بالضرورة. فالعلمانية الأنغلوسكسونية كما في بريطانيا أو أمريكا، تفصل الدين عن
الدولة لكنها تحترم الدين في المجتمع، ودول أخرى غربية تقدم نماذج أكثر مرونة في
العلاقة بين الدين والدولة والمجال العام.. أما اللائكية الفرنسية فهي عقيدة شبه
دينية "أصولية" مضادة للدين، تريد اقتلاعه من الحياة العامة.
وهناك للأسف قطاع من النخبة الفرانكفونية في
الجزائر استورد هذا التطرف الفرنسي بحذافيره، يدافع عن الفرنسية بملكية أكثر من
الملك، وكأنها لغة مقدسة، ويتبنى لائكية عدائية لا يطبقها على نفسه وعائلته، ويريد
تطبيقها على المجتمع!
اللائكية الفرنسية ليست هي العلمانية بالضرورة. فالعلمانية الأنغلوسكسونية كما في بريطانيا أو أمريكا، تفصل الدين عن الدولة لكنها تحترم الدين في المجتمع، ودول أخرى غربية تقدم نماذج أكثر مرونة في العلاقة بين الدين والدولة والمجال العام.. أما اللائكية الفرنسية فهي عقيدة شبه دينية "أصولية" مضادة للدين، تريد اقتلاعه من الحياة العامة.
واللافت أن بعض النخب الجزائرية تتعامل مع
هذه الصراعات وكأنها قدر محتوم، فتستنسخ أحياناً أكثر نماذجها تطرفاً، بدلاً من
بناء نموذج جزائري خاص ينطلق من تاريخ المجتمع وتعقيداته.
هناك، من جهة، تخندق فرانكوفوني متطرف
يتعامل مع الفرنسية كما لو أنها هوية طبقية وامتياز اجتماعي أكثر منها مجرد لغة.
بعض أصحابه لا يدافعون عنها لأنها أداة معرفة وتواصل فحسب، بل لأن تراجعها يعني،
بالنسبة إليهم، تراجع منظومة اجتماعية وإدارية وثقافية استفادت طويلاً من سيطرة
الفرنسية على قطاعات واسعة من الإدارة والتعليم ومراكز القرار.
التطرف المقابل.. شعبوية بلا مشروع
في مقابل تطرف هذا التيار الفرانكفوني يقف
تيار آخر لا يقل عبثية وتطرفاً. تيار
عروبي-إسلاموي عدمي، استفاد من جهته من التعريب في
التعليم وفي القضاء مثلا أو في
أذرع السلطة السياسية والحزبية، ويريد إلغاء الفرنسية غداً صباحاً واستبدالها
بالإنجليزية بقرار إداري، وكأن
اللغات تُستبدل كقطع الغيار. شعارٌ شعبوي يدرك
أصحابه أنه مستحيل التطبيق بين عشية وضحاها في بلد إدارته واقتصاده وطبه وجامعته
ما زالت تعمل بالفرنسية لعقود.
والأدهى من ذلك، أن بعض رموز هذا التيار
الذين يملؤون المنصات صراخاً ضد الفرنسية، يدرّسون أبناءهم في مدارس فرنسية خاصة،
أو يرسلونهم إلى فرنسا وكندا. يركبون موجة كراهية فرنسا المشروعة لدى الشارع بسبب
الذاكرة الاستعمارية، فقط لاستمالة جماهير تمت أدلجتها وقولبتها لعقود من قبل نفس
النظام الذي يهاجمونه ظاهرياً. كلا التيارين يتاجر. أحدهما يتاجر بفرنسا، والآخر
يتاجر بكراهيتها.
ما العمل؟
قضية الهوية والإيديولوجيا في الجزائر لا
تُحل بالإلغاء. الجزائر عربية وأمازيغية وإسلامية وإفريقية ومتوسطية، وعالمية في
آن واحد. هذا هو ثراؤها، وليس ضعفها. والإسلام ليس ملكاً لتيار سياسي، ولا
"اللائكية" المتطرفة حلٌ سحري لمشاكل الجزائر.
الفرنسية ليست قدراً مقدساً ولا رجساً من عمل الشيطان. هي إرث استعماري واقع، وغنيمة لغوية مؤقتة يجب التعامل معها ببراغماتية والانفتاح المدروس على الإنجليزية كلغة علم، دون الوقوع في شعبوية القرارات الفوقية التي دمرت المدرسة الجزائرية سابقاً باسم التعريب المتسرع.
الفرنسية ليست قدراً مقدساً ولا رجساً من
عمل الشيطان. هي إرث استعماري واقع، وغنيمة لغوية مؤقتة يجب التعامل معها
ببراغماتية والانفتاح المدروس على الإنجليزية كلغة علم، دون الوقوع في شعبوية
القرارات الفوقية التي دمرت المدرسة الجزائرية سابقاً باسم التعريب المتسرع.
ما نحتاجه هو نخبة جديدة لا تبحث عن اعتراف
باريس ولا عن تصفيق الجماهير المؤدلجة، التي زادتها وسائل التواصل الاجتماعي
استقطابا، بل نخبة تفكر بمنطق جزائري خالص: كيف نبني دولة حديثة متصالحة مع نفسها،
وتضع الكفاءة فوق الولاء الأيديولوجي؟
قبل ذلك وبعده إن كان هناك شيء مستعجل تحتاج
الجزائر لاستبداله هو النظام الحاكم، الذي يرفع أحياناً، كما هو الحال هذه الأيام،
خطاباً شديد اللهجة ضد فرنسا والفرنسية، ويروج لا ستبدالها بالإنجليزية، ويقدم
نفسه بوصفه حامياً للسيادة اللغوية والوطنية، في المقابل لا يتردد رئيس واجهته
المدنية الحالي في استخدام الفرنسية بشكل مفروط في خطاباته وحواراته التلفزيونية
في "الجزائر الجديدة والمنتصرة"، كما يسميها!
*كاتب جزائري مقيم في
لندن
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.