الانتخابات الفلسطينية.. الكنز المفقود

مصطفى أبو السعود
في مطلع شهر يوليو2026 أصدر رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس قراراً بإجراء الانتخابات التشريعية يوم 28 تشرين الثاني 2026،.. غيتي
في مطلع شهر يوليو2026 أصدر رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس قراراً بإجراء الانتخابات التشريعية يوم 28 تشرين الثاني 2026،.. غيتي
شارك الخبر
لم تكن فكرة الانتخابات وليدة العصر الحالي، بل هي فكرةٌ تضرب جذورها في عمق المجتمعات القديمة، حيث ولدت من رحمٍ تلاقحت فيها آراء المفكرين والفلاسفة مع الرغبات الشعبية بالتحسين، لما لها من قدرةٍ على خلق حالة من الاستقرار السياسي، وإبراز كفاءاتٍ جيدةٍ وجديدةٍ من أبناء الشعب للتعبير عن آراء باقي الشعب وخدمته، ويبقى المُنتَخَب تحت عين المُنتخِب، إن أصاب صفقوا له، وإلا فمصيره أن يخرج حين يأتي وقت الخروج من ذات الطريقة التي دخل منها "صندوق الانتخابات".

وقد خضعت فكرة الانتخابات من حيث الآليات ومن يحق له الانتخاب وشروط المترشح والمرشح لنقاشات فكرية وفلسفية، فالمفكرون اتفقوا على ضرورة مشاركة الجميع في الترشح والترشيح إلا القليل.

"إلا القليل" الواردة في الفقرة السابقة هي فئات من المجتمع استثناها بعض المفكرون والفلاسفة في اليونان القديمة والرومان والعصور الوسطى، مثل العبيد والمرأة والأطفال فلا يحق لها الترشح والترشيح؛ لأنهم وفقاً لهم فاقدي الأهلية، واستمر الاستثناء لزمنٍ طويل.

ومع تطور الفكر السياسي اتجهت النظم السياسية الديمقراطية نحو توسيع قاعدة المشاركة السياسية للجميع بما فيها الانتخابات وفقاً القانون، حيث تجيز فلسفة الانتخابات السماح لأبناء الشعب بالترشح والترشيح، طالما أن المترشح والمرشح خاليان من أي عوائقٍ صحية أو جنائية أو عقلية، بغض النظر عن مدى اتفاقهما أو اختلافهما مع النظام السياسي.

إن حالة اللا استقرار التي تعيشها فلسطين لا يعني أن الحل الوحيد في الانتخابات، طالما أن النوايا ليست بريئة، وطالما استمر النظر للانتخابات كوسيلة سلبية أكثر منها إيجابية، من حيث استثناء فئات معينة رغم تمتعها بما يؤهلها للمشاركة وفق المعايير الدولية. من يعش يرو البقية.
لكن هل كل الأنظمة تسمح لمن يختلف معها سياسياً بالمشاركة في الانتخابات دون أن تصنع موانع؟ وهل ترضى بنتائج الانتخابات إن كانت نتائجها لصالح المعارضة؟

لو تجولنا في الساحة العربية سنجد تعطشاً في نفس المواطن العربي للانتخابات التي يراها مخرجاً من كل ضيقٍ سياسيٍ وما ترتب عليه، فهي لا تحدث بطريقة مستمرة، وإن حدثت فهي تكون مشروطة بشروطٍ تحد من قدرة المعارضة على تحقيق الفوز، والنتائج في الأغلب معروفة حيث تولد في أروقة النظام الحاكم، فالفئات التي يتم منعها، تتمتع بكامل الأهلية العقلية والفكرية والنفسية والصحية، لكنهم يختلفون مع النظام السياسي الحاكم.

في مطلع شهر يوليو2026 أصدر رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس قراراً بإجراء الانتخابات التشريعية يوم 28 تشرين الثاني 2026، ظناً منه أنه المخرج الوحيد لحالة الجمود السياسي الذي تعيشه الساحة الفلسطينية، من حيث المبدأ، فالانتخابات أمرٌ مهم، لكن وضع شروط مسبقة على المترشح وهي الاعتراف بما اعترفت به منظمة التحرير وهو الاتفاقيات الموقعة مع إسرائيل، يثير أسئلة حول مدى حياد العملية الانتخابية وتكافؤ الفرص بين المتنافسين، وتخلق ظروف تجهض فكرة اجراء الانتخابات؛ لأن ذلك يُقيد المرشحين وينفي جدواها.

ثم إنه بالنظر للوضع الفلسطيني العام، ثمة أسئلة يطرحها المواطن، هل كانت الدعوة للانتخابات دعوة نابعة من رغبة حقيقية في انهاء الانقسام أم تعميقه؟ أم لإحراج الأطراف الأخرى؟ وكيف يمكن إجراءها في غزة في ظل حرب الإبادة والتهويد في الضفة؟ وهل ستجري في القدس؟ وماذا ستغير من الواقع المر الذي تعيشه فلسطين؟ 

الإجابة على تلك الأسئلة تتطلب النظر لما يحدث بفلسطين عموماً، والعودة لعام 2021 حين تم الحديث عن إجراء الانتخابات، وبدأ الجميع" يشد حيله" للفوز بها، لكن تم إلغاؤها بذريعة أن الاحتلال لم يسمح بإجرائها في القدس"، وانتهى جدل الانتخابات، فهل سيحدث في 2026 ما حدث في 2021 من حيث الإلغاء في اللحظات الأخيرة بحجة ان الوضع في فلسطين"مكركب" وان إسرائيل غير راضية؟

أخيراً، إن حالة اللا استقرار التي تعيشها فلسطين لا يعني أن الحل الوحيد في الانتخابات، طالما أن النوايا ليست بريئة، وطالما استمر النظر للانتخابات كوسيلة سلبية أكثر منها إيجابية، من حيث استثناء فئات معينة رغم تمتعها بما يؤهلها للمشاركة وفق المعايير الدولية. من يعش يرو البقية.

*باحث في علم الاجتماع السياسي


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)