لا أخال أحدا
من قراء التاريخ يجهل قصة أبُو لَيْلَى اَلْمُهَلْهِلُ عَدِيُّ بْنُ رَبِيْعَةَ بْنِ
اَلْحَارِثِ اَلتَّغْلِبِيُّ اَلْجُشَمِيُّ، المعروف بالزير سالم، ذلك الرجل الذي عاش
قبل الإسلام، وقاد حرباً استمرت أربعين عاما ثاراً لأخيه كُليب الذي قتله (جساس ابن
مرة) ابن عمهما، رداً على قتل كليب (سراب) ناقة خالته (البسوس) التي لم تكن العلاقة
بينها وبين كليب على ما يرام.
كان المهلهلُ
شاعر وفارس من أبطال العرب في الجاهِليَّة، مِن أهل نجد، قضى جزءاً كبيراً من حياته
لاهياً بين الخمر والنساء، ولم يكترث لأكثر من ذلك كثيراً، حتى أنه بعدما نصّب أخاه
كليب نفسه ملكاً لم يتعامل مع الواقع الجديد بجدية، واستمر في اللهو ومجالسة النساء،
وحينما وصله نبأ قتل كليب على يد جساس غدراً لم يصدق؛ لأن القاتل (جساس) من وجهة نظر
الزير أصغر من أن يقتل المقتول (كُليب) لكنه، ونتيجة صدمة الحدث قرر اعتزال حياة النساء
والخمور وأن يثأر لأخيه، وبدأ يعد العدة ويحشد الحشود.
بدأت العرب
التوسط لحل الخلاف، فطرحوا تسليم القاتل، أو دفع الدية، رفض الزير كل ذلك وسار باتجاه
تحقيق هدف واحد، قتل كل قبيلة بكر عن بكرة أبيها؛ لأنه لم يتخيل أن رأس كليب يساوي
رأساً واحدا (جساس)، بل كان كليب بالنسبة للزير كل شيء، حتى أنه حينما علم بمقتل كليب
قال بلسان المستغرب والمستهجن: كليب مات كله؟
علمنا ورأينا أنه بموت الزير سالم وضعت الحرب أوزارها، وهنا يبرز السؤال: هل يمكن أن تنتهي الحرب نتيجة تحوّل داخلي في النخبة الإسرائيلية يحمّل نتنياهو مسؤولية استمرارها، كما انتهت حروب كثيرة عبر انشقاقات داخلية أكثر من انتهائها بالحسم العسكري؟
ما سبق كان
عن
الزير سالم، وإن كانت الآراء مختلفة حول تلك الفترة والحادثة والتفاصيل، أما
نتنياهو
فهو معروف عند الجميع، فيكفي أن تُطالع نشرات الأخبار والصحف ومواقع التواصل لتتعرف
عليه، فقد شهدت فلسطين في عهده، ولا سيما
غزة، خلال ما يقارب ألف يوم، مستويات من القتل
والدمار يصعب على العقل استيعابها.
لكن السؤال:
ما وجه العلاقة بينهما رغم مرور أكثر من 1500 عام على مقتل الزير؟
انتهيت قبل
عدة أيام من متابعة مسلسل الزير سالم، لم تكن المتابعة للتسلية وقضاء الوقت، بقدر ما
كانت فكرة منهجية اعتمدتها لدراسة جوانب الحياة المختلفة في المجتمعات القديمة عن طريق
عدة مصادر منها المسلسلات التاريخية الهادفة؛ لأن ذلك يدخل في صميم علم الاجتماع السياسي،
فوجدت تشابها بين شخصية الزير سالم ونتنياهو، ويمكن القول بأن أوجه التشابه هي:
1- أن كليهما
قللا من قيمة خصمهما، فالزير اعترف أنه لم يقدر قوة جساس بالمستوى المطلوب، حيث تعامل
معه باعتباره جهة آمنة غير قادرة، وكذا فعل نتنياهو فقد تعامل مع غزة على أنها لا تستطيع،
وكلاهما كان به من الغرور الشيء الكبير.
2- أن كليهما
وحين تعرضا لما تعرضا، تعاملا معه على أنه صدمة ليست سهلة الاستيعاب، فلا بد أن تكون
رد الفعل غير قابلة للاستيعاب من الطرف الآخر، فتعاملا مع الطرف الآخر بكل قسوة، وكلاهما
سعى لإيصال من طعن كرامتهما لدرجة الشعور بالندم وفق ما يعرف "نظرية ندم الضحية"،
حيث إيصال الفاعل الخصم أن يندم على ما فعل.
3- أن كليهما
رفضا الوساطات التي تحقن الدماء، وتعاملا مع الموقف على أنه ثأر شخصي، فتصرفا بعقلية
الرجل الذي يجب أن يُطاع دون أن يُناقش، فمن كان يناقشهما، مصيره العزل أو القتل، رغم
أن الزير سالم رجل قبيلة بينما نتنياهو رجل دولة.
4- أن كليهما
رفضا الانتقام من الفاعل بشكلٍ مباشرٍ وسريع، فسارا وفق نظرية "تعميم العداوة"،
وهي حسب علم النفس ميل الشخص لتعميم تجربة سلبية أو عدائية مع فرد أو مجموعة معينة
على أشخاص آخرين أو فئة كاملة من الناس، فكل من كان من قبيلة القاتل فهو مهدور الدم.
الزير لم يكتف برأس شخص، بل طالب برأس القبيلة، وكذا نتنياهو، لم يكتف بقتل المقاومين
الذين شاركوا في 7 أكتوبر 2023، بل قتل كل من يمت لهم بعلاقة، وتعمد قتلهم وهم وسط
أهاليهم لزيادة القتلى.
4- كلاهما
عاش وفق نظرية "التشوه المعرفي" التي يرى فيها العقل الواقع على غير حقيقته،
فأوهم نفسه أنه قادر على فعل كل ما يريد لتحقيق ما يريد، وأن لديه نقاط قوة وإنجازات،
وإن فشل فالفشل تجربة للتعلم.
5- كلاهما
تعامل مع القتل والتدمير على أنه المعادل الموضوعي لتحقيق نتائج لصالحه، وإرهاب الآخرين.
6- كلاهما لم يبق معهما في حروبهما إلا القليل، حتى
أكثر الحلفاء الذين بدأوا معهما الحرب لم يكملوها معها حتى "الجرو"، ابن
كليب الذي قتل خاله جساس ثأراً لأبيه، رفض الاستمرار في الحرب مع عمه الزير؛ لأنه تعامل
مع قتل جساس على أنه نهاية الحرب، ولا داعي لبقاء حرب دمرت البلاد والعباد، وكذا نتنياهو
فالكثير ممن بدأوا معه الحرب لم يكملوها؛ لأنهم اقتنعوا بعدم جدوى استمراها.
7- كلاهما يظن أنه يعمل لصالح قبيلته، لكن هذا الظن
قد خاب، حيث حدث انقسام في آراء قبيلة تغلب بين من يريد الاستمرار، ومن يرفض استمرار
الحرب ويرى إفساح المجال للحياة؛ لأن الحرب دمرت كل شيء، وهذا موجود في دولة
إسرائيل
التي فيها انقسامات كبيرة حول جدوى وعدم جدوى استمرار الحرب.
8- وكما تقول
بعض المصادر، فإن حياة الزير سالم انتهت على يد عبدين رافقاه في رحلته الأخيرة، طمعا
فيما كان معه، فهل سيفعل أحد من الإسرائيليين ذلك في نتنياهو رغبة في انهاء الحرب؟
تلك هي كانت
المتشابهات بين الزير سالم ونتنياهو، مع التأكيد على أن المفارقة ليست في التشابه فقط،
بل في أن دولة حديثة قد تعود إلى منطق الثأر القبلي رغم امتلاكها مؤسسات وقوانين.
ولقد علمنا
ورأينا أنه بموت الزير سالم وضعت الحرب أوزارها، وهنا يبرز السؤال: هل يمكن أن تنتهي
الحرب نتيجة تحوّل داخلي في النخبة الإسرائيلية يحمّل نتنياهو مسؤولية استمرارها، كما
انتهت حروب كثيرة عبر انشقاقات داخلية أكثر من انتهائها بالحسم العسكري؟
من يعش يرو
البقية.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.