السلطة في عيون الأحزاب

مصطفى أبو السعود
"أغلب الدول العربية لم تجر انتخابات نزيهة ومستمرة منذ نصف قرن"- CC0
"أغلب الدول العربية لم تجر انتخابات نزيهة ومستمرة منذ نصف قرن"- CC0
شارك الخبر
لو تتبعنا برامج الأحزاب السياسية سنجد أن مما فيها العمل على تغيير الواقع من خلال تولي السلطة، لما في ذلك من أثر كبير في تحقيق أهدافها، وهذا يمكن اعتباره من باب التنافس الإيجابي بين الأحزاب كما هو التنافس بين البشر، فمن طبيعة الإنسان الدخول في تنافس مع أخيه الإنسان، وهذا أمر مشروع طالما أن التنافس هو لإثبات حق أو نفي باطل، ويكون مُنطلقاً من هدفٍ مشروعٍ وتصحبه وسيلة مشروعة، وهكذا التنافس بين الأحزاب طالما أنه يسير في سياق ما هو متعارف عليه في المجتمع.

فالحزب السياسي وفق علم الاجتماع السياسي كما عرفه المفكر العربي المعاصر برهان غليون (1945-)؛ مؤسسة ضرورية لتمثيل المصالح الاجتماعية وتنظيم المشاركة السياسية ومنع احتكار السلطة من قبل فئة واحدة. والسلطة كما عرفها المفكر الألماني هانز مورغنثاو (1904-1980) هي علاقة نفسية بين من يمارسون السلطة، ومن تمارس عليهم السلطة، وهي تعطي للحاكمين حق مراقبة أفعال المحكومين، من خلال التأثيرات التي تباشرها على عقول وأفكار المحكومين.

نلاحظ من التعريفين السابقين للحزب وللسلطة أن من وظائف الحزب الأساسية، هي إدارة الدولة حين يحكمها، ومنع الحزب الحاكم من احتكار السلطة، وأن من وظائف الدولة هي المراقبة والتأثير، وخدمة المواطنين في كافة المجالات. وهنا مربط الفرس وطرح السؤال المهم: هل يمكن اعتبار السلطة عند الحزب غاية أم وسيلة؟

الإجابة عن هذا السؤال تتطلب الغوص في ماهية الأحزاب. تختلف الإجابة باختلاف الزمان والمكان، ففي الدول التي تعيش حالة استقرار يمكن القول بأن الحزب ينظر للسلطة على أنها وسيلة؛ لأن الأحزاب المعارضة والحزب الحاكم يحتكمان للقانون الرسمي للدولة، وأنهما كليهما يعملان تحت مظلته وخدمة له وللمواطن. والدليل على ذلك أن دولا غربية تجري انتخابات بشكل مستمر وسلس، وهذا الفهم لطبيعة السلطة والأحزاب والعلاقة بينهما لم يأت من فراغ، بل بعد معارك طاحنة دارت رحاها في أوروبا في عصور خلت، ظهرت على إثرها نظريات سياسية وفلسفية طالبت بأن يكون للجميع الحق في الحصول على السلطة وفق القانون من خلال نظم وانتخابات تسير أمام أعين القانون وبرضاه، فيصفق الجمهور للحزب الفائز ويبتسم الخاسر ويتبادلان المواقع.

أما في دول التي تعاني من هشاشة في الاستقرار ومنها دول عربية، فللأسف الحال يختلف، فكثير من أحزاب المعارضة تنظر للسلطة على أنها غاية، فتراها تسعى لها بكل قوة، وهذا ليس تجنيا، فقلما يصل الحزب المعارض للسلطة من خلال الانتخابات، وكثيرها وصل للسلطة من خلال الانقلابات.

ولو أردنا التأكيد على ما نقول بأن أغلب أحزاب المعارضة في الدول ضعيفة الاستقرار تعتبر الوصول للسلطة غاية وليس وسيلة، فيمكن القول إنه ما أن يصل الحزب المعارض للسلطة حتى يشرع بتغيير كثير مما كان قبله من معالم، ويبدأ ببناء معالم جديدة خاصة به، فلا يكمل ما كان سابقاً من إنجازات كما باقي الدول، بل ربما يهدم. ثم إن أغلب الدول العربية لم تجر انتخابات نزيهة ومستمرة منذ نصف قرن، خاصة الدول ذات النظام الوراثي الذي يستمد شرعيته من الملكية الوراثية، كما أن السلطة تمنع مبدأ تعدد الأحزاب، بل وتشيطنها في عقول الجماهير حتى لا تسحب هذه الأحزاب البساط من تحت أقدام النظام.

وكي لا نكون قساة في الحكم فإن تغير الكثير من الأحزاب المعارضة حين تصل للحكم يكون بحكم تغير مسؤولياتها وواجباتها المطلوبة منها تجاه المجتمع، فالسلطة هي مختبر نوايا الحزب حين يمسك مقاليد الحكم. كما أن المشكلة ليست في فلسفة الحزب المعارض، بل قد تكون في بنية النظام داخل المجتمع بكل تفاصيله.

إجمالاً، يمكن القول بأن العلاقة بين السلطة والحزب الحاكم يجب أن تتعدى علاقة الشك والريبة، فلا ينظر كل طرف للآخر على أنه العدو الذي يتربص وينتظر ويسعى لإسقاطه عن سدة الحكم حتى يدير العباد والبلاد بما يشاء من نظم وقوانين، وينسى ما كان يدعو له من تداول سليم للسلطة قبل وصوله لها.

فهل سنرى التنافس المحمود ذات يوم ذلك في علاقة الأحزاب بالنظام الحاكم في العالم العربي؟

من يعش يرو البقية..


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)