"سم انتخابي".. لماذا انقلبت ميلوني على ترامب؟

ترامب يتحول من ورقة رابحة لحلفائه في أوروبا إلى عبء انتخابي- (البيت الأبيض)
ترامب يتحول من ورقة رابحة لحلفائه في أوروبا إلى عبء انتخابي- (البيت الأبيض)
شارك الخبر
تحولت العلاقة التي لطالما وصفت بأنها الأقرب بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني إلى مواجهة علنية حادة، في تطور يكشف حجم الضغوط السياسية التي تواجهها الزعيمة الإيطالية مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، ويعكس في الوقت نفسه تراجع جاذبية ترامب داخل أوروبا، حتى بين حلفائه التقليديين. فبعد سنوات من الحرص على تجنب أي انتقاد مباشر للرئيس الأمريكي، تخلت ميلوني عن حذرها الدبلوماسي وردت بقوة على سلسلة تصريحات اعتبرتها مهينة، لتدخل العلاقة بين الطرفين مرحلة غير مسبوقة من التوتر السياسي والشخصي.

بدأت الأزمة عندما قال ترامب لصحفي إيطالي إن ميلوني "توسلت" إليه من أجل التقاط صورة معه خلال قمة مجموعة السبع الأخيرة في فرنسا. وأثارت التصريحات غضب رئيسة الوزراء الإيطالية، التي ردت عبر وسائل التواصل الاجتماعي مؤكدة أن رواية ترامب بشأن ما جرى في القمة كانت "مختلقة بالكامل".

ونقلت صحيفة "فايننشال تايمز"، اليوم الأحد، عن أستاذ العلوم السياسية في جامعة لويس بروما، جيوفاني أورسينا، قوله إن تصريحات ترامب تجاوزت حدود الخلاف السياسي التقليدي، وأضاف: "هذا الهجوم كان شخصيا، لأنه أوحى بغياب الكرامة". وتابع: "ميلوني لا تنظر إلى الأمر باعتباره خلافا شخصيا بسيطا... إنها مسألة شرف، والشرف بالنسبة للقومي هو قضية سياسية"، مشيرا إلى أن الأمر بدا بالنسبة لها وكأن ترامب أساء إلى العلم الإيطالي بطريقة ما.

اظهار أخبار متعلقة



وبحسب الصحيفة، يأتي رد ميلوني في توقيت حساس تستعد فيه لخوض معركة إعادة انتخابها، وسط تزايد القناعة داخل الأوساط السياسية الأوروبية بأن الارتباط الوثيق بترامب لم يعد مكسبا انتخابيا كما كان في السابق. ونقلت عن  السفير الإيطالي السابق لدى حلف شمال الأطلسي، ستيفانو ستيفانيني: "ترامب أصبح ساما انتخابيا في أوروبا، حتى داخل اليمين"، مضيفا أن التموضع في معسكر مناهض لترامب قد يمنحها بعض المكاسب الانتخابية.

ورغم أن السياسة الخارجية نادرا ما تكون العامل الحاسم في الانتخابات الإيطالية، إلا أن المواجهة الحالية، بحسب الصحيفة، قد تمنح ميلوني فرصة لتقديم نفسها كزعيمة تدافع عن المصالح الوطنية في مواجهة ضغوط خارجية. ويقول أورسينا إن صورة الزعيمة القادمة من دولة أقل قوة والتي تقف في وجه المتنمر تشكل رواية سياسية ممتازة بالنسبة لميلوني.

من التحالف الوثيق إلى القطيعة


وتكتسب الأزمة الحالية أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة العلاقة التي جمعت الطرفين خلال السنوات الماضية. فميلوني كانت الزعيمة الأوروبية الوحيدة التي شاركت في حفل تنصيب ترامب لولايته الثانية، كما أغدق عليها الرئيس الأميركي الإشادات، واصفا إياها بأنها امرأة رائعة وواحدة من القادة الحقيقيين في العالم.

وامتد التقارب إلى الدائرة المقربة من ترامب، إذ كتب نجله دونالد ترامب الابن مقدمة النسخة الإنجليزية من السيرة الذاتية لميلوني، فيما كتب نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس مقدمة كتابها الآخر "رؤية جورجيا". لكن هذا التقارب، وفق الصحيفة، لم يترجم إلى مكاسب ملموسة للإيطاليين، بل تعرضت الصادرات الإيطالية لضغوط نتيجة الرسوم الجمركية الأميركية المفروضة على الاتحاد الأوروبي.

اظهار أخبار متعلقة



وأشارت "فايننشال تايمز" إلى أن العلاقة دخلت مرحلة أكثر تعقيدا بعد الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران وما تبعه من اضطرابات اقتصادية وارتفاع في أسعار الطاقة أثرت بشكل مباشر على الاقتصاد الإيطالي. ورغم أن ميلوني تجنبت انتقاد العملية العسكرية بشكل مباشر، مكتفية بإبلاغ البرلمان أنها لا تمتلك جميع المعلومات التي استند إليها قرار ترامب بالذهاب إلى الحرب، فإن روما اتخذت موقفا عمليا تمثل في رفض السماح للطائرات الأميركية المشاركة في العمليات باستخدام القواعد الجوية الإيطالية أو التزود بالوقود منها.

وأدى هذا الموقف إلى زيادة التوتر مع البيت الأبيض، خصوصا بعدما شن ترامب هجوما على البابا ليو الرابع عشر، المعروف بانتقاداته للحرب على إيران. وردت ميلوني آنذاك بوصف هجوم ترامب على البابا بأنه غير مقبول، قبل أن يتهمها الرئيس الأميركي لاحقا بأنها تفتقر إلى الشجاعة بسبب رفضها دعم العمليات العسكرية الأميركية.

دعم داخلي واسع


ورغم أن ميلوني حاولت، وفق الصحيفة، تجنب الصدام العلني مع ترامب وإعادة العلاقات إلى مسارها الطبيعي خلال قمة مجموعة السبع، فإن تصريحات الرئيس الأمريكي الأخيرة دفعت قطاعات واسعة من الطيف السياسي الإيطالي إلى الاصطفاف خلفها. وقال لوتشيو مالان، رئيس الكتلة البرلمانية لحزب "إخوة إيطاليا" الذي تتزعمه ميلوني: كان هجوما غير مبرر من الرئيس ترامب عليها، وكان عليها أن ترد، مضيفا: "أعتقد أن معظم الإيطاليين يؤيدون الدفاع عن الكرامة الوطنية".

أما لورينزو بريغلياسكو، مؤسس مؤسسة "يوتريند" المتخصصة في استطلاعات الرأي، فيرى أن ميلوني استغلت الفرصة بمهارة للابتعاد عن ترامب، الذي أصبح الكريبتونيت (أي سما انتخابيا ونقطة ضعف سياسية) على مستوى الرأي العام والشعبية. لكنه يضيف أن ما جرى لا يمثل انتصارا سياسيا كاملا لميلوني، موضحا أن الأمر يبدو وكأن ترامب هو من تبرأ منها، وليس العكس، مشيرا إلى أنها استمرت في الاقتراب منه حتى بعد أن أدرك كثيرون أن أجندته لم تعد منسجمة مع المصالح الإيطالية والأوروبية.

اظهار أخبار متعلقة



وأوضحت الصحيفة أن الأزمة الحالية تفرض على الحكومة الإيطالية إعادة النظر في جزء مهم من مقاربتها الخارجية. فخلال السنوات الماضية اعتمدت روما على العلاقة الخاصة مع البيت الأبيض لتعزيز نفوذها داخل الاتحاد الأوروبي وتحسين قدرتها على المناورة في مواجهة بروكسل. لكن التوتر المتصاعد مع ترامب يضع هذه الاستراتيجية أمام اختبار صعب، ويجبر الدبلوماسية الإيطالية على البحث عن توازن جديد بين الشراكة مع الولايات المتحدة والحفاظ على المصالح الأوروبية.

ويقول ستيفانيني: سياسة ميلوني الدولية أصبحت في حالة فوضى، مضيفا: "عليها الآن إعادة التفكير فيها، لكن عليها أن تكون حذرة كي لا تبدو متقلبة في مواقفها". وبينما تحاول روما احتواء تداعيات الأزمة ومنع مزيد من التصعيد مع واشنطن، يبدو أن أحد أكثر التحالفات متانة بين اليمين الأوروبي والإدارة الأميركية يمر اليوم بأصعب اختباراته منذ وصول ميلوني إلى السلطة.
التعليقات (0)