حين تتكلم تركيا تتغير الخرائط

محمد مصطفى شاهين
"تركيا تحاول أن تقدم نفسها بوصفها قوة تحمي توازن الشرق الأوسط وترفض أي ترتيبات تُفرض بالقوة العسكرية"- الأناضول
"تركيا تحاول أن تقدم نفسها بوصفها قوة تحمي توازن الشرق الأوسط وترفض أي ترتيبات تُفرض بالقوة العسكرية"- الأناضول
شارك الخبر
في لحظات التحول الكبرى لا تقاس الكلمات بوقعها الإعلامي فقط بل بما تكشفه من تحولات في العقيدة السياسية ومراجعات موازين القوى، وما صدر عن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في خطابه أمام الكتلة البرلمانية لحزب العدالة والتنمية لا تمكن قراءته باعتباره مجرد موقف عابر في سياق السجال التركي الإسرائيلي، بل باعتباره إعلاناً عن مرحلة جديدة في تعريف أنقرة لمفهوم الأمن القومي التركي وحدوده السياسية والجيوسياسية.

لقد أرادت تركيا عبر هذه الرسائل أن تقول إن الشرق الأوسط يدخل مرحلة إعادة تشكل، وأن الفراغات التي خلقتها الحروب والانقسامات لم تعد ساحات مفتوحة أمام مشاريع الهيمنة الإقليمية، فأنقرة التي تنظر إلى نفسها باعتبارها دولة مركزية في توازنات الشرق والغرب لم تعد تقبل أن تكون مجرد مراقب للأحداث التي تجري في جوارها الجغرافي والتاريخي.

تتصاعد المخاوف في كثير من العواصم الإقليمية من أن تتحول الأزمات المتلاحقة إلى مدخل لفرض خرائط سياسية وأمنية جديدة تشبه في نتائجها ما صنعته اتفاقيات التقسيم القديمة، وإن اختلفت الأدوات والوسائل

في اللغة السياسية العميقة للدول الكبرى لا تعني الحدود دائماً الخطوط المرسومة على الخرائط، بل تعني أيضاً دوائر التأثير ومجالات الأمن والمصالح الحيوية، ومن هذا المنطلق جاء حديث أردوغان عن أن أمن تركيا لا ينفصل عن استقرار حلب ودمشق وبيروت والقدس. وهي رسالة تحمل في طياتها تصوراً استراتيجياً يعتبر أن انهيار المشرق العربي أو وقوعه بالكامل تحت نفوذ قوى معادية سيشكل تهديداً مباشراً للموقع التركي ومكانته الإقليمية.

ومنذ نهاية الحرب الباردة شهدت المنطقة محاولات متعددة لإعادة رسم موازين القوى، بدءاً من غزو العراق مروراً بالفوضى التي أعقبت الثورات العربية وصولاً إلى الحروب المفتوحة في غزة ولبنان وسوريا. وفي هذا السياق تتصاعد المخاوف في كثير من العواصم الإقليمية من أن تتحول الأزمات المتلاحقة إلى مدخل لفرض خرائط سياسية وأمنية جديدة تشبه في نتائجها ما صنعته اتفاقيات التقسيم القديمة، وإن اختلفت الأدوات والوسائل.

الرد التركي على ما تصفه أنقرة بالأطماع التوسعية الإسرائيلية يأتي أيضاً في إطار صراع السرديات الكبرى في المنطقة، فتركيا تحاول أن تقدم نفسها بوصفها قوة تحمي توازن الشرق الأوسط وترفض أي ترتيبات تُفرض بالقوة العسكرية. وفي المقابل يرى قادة إسرائيل وعلى رأسهم بنيامين نتنياهو أن السياسة التركية تمثل تحدياً لمعادلات الردع الإسرائيلية ولمساحة الحركة التي تحاول تل أبيب الحفاظ عليها في الإقليم.

غير أن قراءة المشهد بمنطق القوة وحدها قد تكون قاصرة لأن العلاقات التركية الإسرائيلية محكومة بشبكة معقدة من التناقضات، فهناك خلاف سياسي حاد حول القضية الفلسطينية وحروب غزة وهناك في الوقت ذاته حسابات اقتصادية وأمنية ودولية تجعل احتمالات المواجهة المباشرة بين الدولتين مرتبطة بحسابات دقيقة تتجاوز الخطاب السياسي المعلن.

إن ما يلفت الانتباه في الخطاب التركي الأخير هو أنه لا يتحدث فقط عن مواجهة أزمة آنية، بل يقدم رواية تاريخية ترى أن المنطقة ما زالت تعيش آثار قرن كامل من الصراعات التي بدأت مع انهيار الدولة العثمانية وما تبعه من اتفاقات دولية أعادت تشكيل المشرق العربي. ومن هنا تأتي الإشارات المتكررة إلى اتفاقية سايكس بيكو ووعد بلفور ومعاهدة سيفر باعتبارها رموزاً تاريخية لذاكرة سياسية تركية ترى أن مشاريع التقسيم لم تنته بأشكالها القديمة، بل قد تعود بصيغ جديدة.

هل تقود هذه العقيدة التركية الجديدة إلى توازن يمنع الانفجار الكبير أم أن المنطقة تقف بالفعل على أعتاب صراع جديد يعيد رسم خرائط النفوذ والقوة من جديد؟

وفي هذا الإطار جاءت تصريحات دولت بهتشلي لتكشف أن الموقف لا يقتصر على حزب العدالة والتنمية، بل يعكس توافقاً واسعاً داخل التيار القومي التركي حول ضرورة حماية المجال الاستراتيجي للدولة ومنع أي تغيرات جيوسياسية تعتبرها أنقرة خطراً على أمنها القومي.

لكن السياسة كما كان يصفها كبار المؤرخين ليست ميدان العواطف وحدها بل هي فن حساب موازين القوى وإدارة الممكن، وتركيا رغم خطابها المرتفع تدرك أن الدخول في مواجهة عسكرية مفتوحة مع إسرائيل يعني الاصطدام بتشابكات إقليمية ودولية تشمل الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي والملفات الاقتصادية والأمنية المعقدة.

لذلك فإن القيمة الحقيقية للتصريحات التركية قد لا تكون في إعلان حرب قريبة بقدر ما تكمن في بناء معادلة ردع سياسية جديدة تحاول أن ترسم خطوطاً حمراء أمام أي تغيرات إقليمية تراها أنقرة مهددة لمصالحها أو لاستقرار جوارها المباشر.

إن تركيا في هذه المرحلة تقدم نفسها باعتبارها دولة عائدة إلى مركز المسرح التاريخي لا باعتبارها وريثة لماضٍ تبحث عن استعادته، بل باعتبارها قوة تسعى إلى صناعة موقع جديد في النظام الإقليمي المتغير، وبين خطاب أنقرة وقلق تل أبيب وحسابات واشنطن تتشكل فصول مرحلة قد تكون من أخطر مراحل الشرق الأوسط منذ عقود.

ويبقى السؤال الأكبر: هل تقود هذه العقيدة التركية الجديدة إلى توازن يمنع الانفجار الكبير أم أن المنطقة تقف بالفعل على أعتاب صراع جديد يعيد رسم خرائط النفوذ والقوة من جديد؟ فالتاريخ يعلمنا أن الأمم التي تمتلك الإرادة والرؤية والموقع الجغرافي لا يمكن تجاهل دورها طويلاً وتركيا اليوم تحاول أن تكتب فصلها الجديد في كتاب الشرق الأوسط المضطرب.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)