حين تصبح الدبلوماسية مرآة لرواية الاحتلال

محمد مصطفى شاهين
"محاولة تقديم ما يسمى مجلس السلام أو اللجنة الوطنية باعتبارهما المدخل الوحيد لمستقبل غزة تثير أسئلة سياسية عميقة حول طبيعة الشرعية الفلسطينية"- جيتي
"محاولة تقديم ما يسمى مجلس السلام أو اللجنة الوطنية باعتبارهما المدخل الوحيد لمستقبل غزة تثير أسئلة سياسية عميقة حول طبيعة الشرعية الفلسطينية"- جيتي
شارك الخبر
ليست المشكلة في خطاب نيكولاي ملادينوف أنه قدم رؤية سياسية مختلفة لما يجري في غزة، بل إن جوهر الإشكال يكمن في أنه أعاد إنتاج الرواية الإسرائيلية داخل قاعة دولية يفترض أنها تبحث عن العدالة لا عن تثبيت موازين القوة. فحين تتحول لغة الوسيط إلى لغة الطرف الأقوى وحين تصبح أولويات الضحية مؤجلة إلى ما بعد تنفيذ اشتراطات المحتل، فإننا لا نكون أمام وساطة سياسية بل أمام إعادة هندسة للصراع وفق معايير القوة لا وفق قواعد القانون الدولي.

لقد بدا الخطاب وكأنه يتحدث عن قطاع غزة مجردا من التاريخ ومن الحصار ومن الإبادة ومن الاحتلال. لم يأت على ذكر عشرات آلاف الشهداء ولا مئات آلاف الجرحى ولا المدن التي أزيلت من الخرائط ولا العائلات التي محيت من السجل المدني، وكأن المأساة الإنسانية مجرد هامش في نص سياسي طويل، بينما تحولت قضية السلاح إلى المتن الوحيد الذي يستحق النقاش.

إن أخطر ما في هذا الخطاب أنه يعكس انتقال جزء من المجتمع الدولي من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة إعادة صياغة الواقع الفلسطيني بما يتوافق مع الرؤية الأمنية الإسرائيلية

إن أخطر ما في هذا الخطاب أنه يعكس انتقال جزء من المجتمع الدولي من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة إعادة صياغة الواقع الفلسطيني بما يتوافق مع الرؤية الأمنية الإسرائيلية. فالحديث عن سلطة واحدة وقانون واحد وسلاح واحد يبدو في ظاهره شعارا سياديا، لكنه في سياق الاحتلال يتحول إلى أداة لتجريد الشعب الواقع تحت الاحتلال من عناصر قوته، بينما يبقى جيش الاحتلال محتفظا بكل أدوات القتل والهيمنة دون مساءلة أو التزام مماثل.

إن القانون الدولي لا يساوي بين المحتل والشعب الواقع تحت الاحتلال، وحق الشعوب في مقاومة الاحتلال ليس امتيازا سياسيا تمنحه المؤتمرات الدولية بل حق أصيل كرسته المواثيق الدولية وقرارات الأمم المتحدة. ولذلك فإن اختزال الأزمة كلها في تفكيك البنية العسكرية الفلسطينية مع تجاهل البنية العسكرية للاحتلال يمثل انقلابا سياسيا وأخلاقيا على جوهر العدالة الدولية.

واللافت أن الخطاب تحدث مطولا عن وقف إطلاق النار وكأنه حقق الاستقرار، بينما يتجاهل حقيقة دامغة يعرفها كل فلسطيني وهي أن القتل لم يتوقف، فمنذ إعلان الهدنة سقط أكثر من 1200 شهيد برصاص وغارات الاحتلال في انتهاك متواصل لكل التفاهمات. وهذا وحده يكشف أن الهدنة لم تكن نهاية للعدوان بل انتقالا إلى نمط آخر من القتل المنظم والضغط العسكري والسياسي، ولذلك فإن الحديث عن نجاح الهدنة دون الإشارة إلى هذه الجرائم ليس توصيفا للواقع بل إعادة صياغة له بما يخدم الرواية الإسرائيلية.

أما الحديث عن تحسن الوضع الإنساني فهو بدوره يتناقض مع الوقائع اليومية. فما تزال غزة تعيش أكبر كارثة إنسانية في تاريخها الحديث؛ ملايين الأطنان من الركام تغطي المدن، مئات آلاف الأسر بلا مأوى كريم، المياه ملوثة، شبكات الصرف الصحي مدمرة، المستشفيات تعمل بأقل من الحد الأدنى، المدارس تحولت إلى أنقاض أو مراكز نزوح، الناس يعيشون منذ ما يقارب ثلاثة أعوام بين الخيام والجوع والمرض وفقدان الأمان.. هذه ليست مرحلة تعاف مبكر كما يحاول البعض تصويرها، بل استمرار لحالة الانهيار الشامل التي صنعها الاحتلال.

إن الأولوية الوطنية والإنسانية اليوم ليست إنتاج هياكل سياسية انتقالية ولا إنشاء مجالس جديدة تتحدث باسم غزة تحت إشراف دولي، الأولوية الحقيقية هي وقف العدوان بشكل كامل وإنهاء سياسة القتل اليومي ورفع الحصار وفتح المعابر وإدخال مواد الإعمار دون قيود، وتأمين إيواء كريم لكل أسرة فلسطينية فقدت منزلها. فلا معنى لأي حديث عن إعادة الإعمار بينما الطائرات لا تزال تحلق والدبابات لا تزال تتوغل والرصاص لا يزال يحصد أرواح المدنيين.

كما أن محاولة تقديم ما يسمى مجلس السلام أو اللجنة الوطنية باعتبارهما المدخل الوحيد لمستقبل غزة تثير أسئلة سياسية عميقة حول طبيعة الشرعية الفلسطينية ومن يملك حق تقرير مستقبل القطاع، فالقضية الفلسطينية ليست ملفا إداريا يخضع لإعادة الهيكلة بقرار دولي، بل قضية تحرر وطني يحدد مسارها الشعب الفلسطيني عبر مؤسساته الوطنية الجامعة؛ لا عبر ترتيبات تفرض تحت ضغط الحرب والاحتلال.

لا يمكن لأي مشروع أن يحقق الاستقرار إذا كان قائما على إقصاء أحد مكونات الواقع الفلسطيني أو على فرض معادلات أمنية تلبي احتياجات الاحتلال أكثر مما تلبي تطلعات الشعب

لقد أثبت التاريخ أن كل المشاريع التي حاولت تجاوز الإرادة الفلسطينية انتهت إلى الفشل؛ فمن كامب ديفيد إلى أوسلو وصولا إلى المبادرات الأمنية المتعاقبة بقي العامل الحاسم هو قدرة الشعب الفلسطيني على حماية حقوقه الوطنية ورفض أي صيغة تنتقص من هذه الحقوق. ولا يمكن لأي مشروع أن يحقق الاستقرار إذا كان قائما على إقصاء أحد مكونات الواقع الفلسطيني أو على فرض معادلات أمنية تلبي احتياجات الاحتلال أكثر مما تلبي تطلعات الشعب.

إن المطلوب من المجتمع الدولي ليس إنتاج خرائط طريق جديدة تركز على نزع السلاح وتتجاهل أصل الصراع، المطلوب هو العودة إلى القاعدة القانونية والسياسية التي تنص على إنهاء الاحتلال باعتباره أصل الأزمة. فلا يمكن بناء سلام فوق أنقاض العدالة، ولا يمكن فرض الاستقرار عبر تكريس اختلال موازين القوة.

غزة لا تحتاج إلى خطابات تتحدث باسمها وهي غارقة في الدم والركام، غزة تحتاج إلى موقف دولي يمتلك الشجاعة الأخلاقية ليقول إن الاحتلال هو أصل المأساة، وإن حماية المدنيين ليست منحة سياسية بل التزام قانوني، وإن إعادة الإعمار تبدأ بإيقاف آلة الحرب لا بإعادة ترتيب المشهد السياسي وفق الشروط الإسرائيلية.

سيبقى الشعب الفلسطيني يطالب بحقه في الحرية والكرامة والدولة المستقلة، وسيبقى أي مشروع يتجاهل هذه الحقيقة مجرد محاولة لإدارة الأزمة لا لحلها. فالتاريخ يعلمنا أن الشعوب قد تصبر على الألم لكنها لا تتنازل عن حقها، وأن الأوطان لا تبنى بإملاءات المنتصر بل بإرادة أصحابها.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل