أكثر من ألف يوم
مضت على
الحرب في
غزة، لكنها لم تكن مجرد أيام تُقاس بالتقويم، بل سنوات ثقيلة من
الدم والدموع والخراب، أعادت طرح أسئلة قديمة لم تجد إجاباتها حتى اليوم. آلاف
الشهداء والجرحى، مدن تحولت إلى أنقاض، وطفولة ضائعة، وأجيال كاملة تعيش بين
النزوح والجوع والخوف وحرمان من التعليم، بينما لا يزال العالم يدور في الحلقة
ذاتها؛ يدير الأزمات بدلاً من أن يعالج جذورها.
لقد أثبتت هذه
الحرب أن القوة العسكرية، مهما بلغت، لا تستطيع أن تحسم صراعاً أو تنتج سلاماً
دائماً، وأن تجاهل جوهر القضية الفلسطينية لا يؤدي إلا إلى تأجيل انفجار جديد.
إن فهم الأحداث
الكبرى في التاريخ لا يتحقق بعزلها عن سياقاتها السياسية والتاريخية، بل يقتضي
العودة إلى الأسباب والتراكمات التي أفضت إليها. فالحروب والثورات والانتفاضات
والعمليات العسكرية لا تنشأ عادةً من فراغ، وإنما تكون نتيجة مسارات طويلة من
الأزمات والصراعات والتفاعلات السياسية. ومن هذا المنطلق، فإن قراءة ما جرى في
السابع من أكتوبر تستلزم النظر إلى الظروف التي سبقته، بوصفها جزءاً أساسياً من
تفسير الحدث وفهم أبعاده. وفي الحالة الفلسطينية، جاءت عملية طوفان الأقصى في ظل
سنوات طويلة من غياب أي أفق سياسي، واستمرار
الاحتلال، وتوسع الاستيطان في الضفة
الغربية، والحصار المفروض على قطاع غزة، وتعثر المبادرات الرامية إلى الوصول إلى
تسوية عادلة، وهي عوامل أسهمت في تكوين البيئة التي انفجر فيها الصراع بهذا الشكل.
حرب تجاوزت حدود
القانون
وقف إطلاق النار لا يكتسب معناه الحقيقي بمجرد الإعلان عنه، وإنما بالالتزام الكامل ببنوده، ووقف جميع الأعمال العسكرية، وحماية المدنيين، وضمان عودة النازحين، وتهيئة الظروف لإدخال المساعدات وإعادة الإعمار
منذ بداية الحرب،
تعرضت "
إسرائيل" لانتقادات واسعة من منظمات الأمم المتحدة ومنظمات حقوق
الإنسان، التي وثقت سقوط أعداد كبيرة من المدنيين، وتدمير أحياء سكنية كاملة،
واستهداف مرافق مدنية ومراكز صحية وتعليمية، إضافة إلى القيود المفروضة على دخول
الغذاء والمياه والوقود والدواء وتعمّد تجويع السكان.
القانون الدولي
الإنساني يفرض على جميع أطراف النزاعات المسلحة الالتزام بمبادئ التمييز بين
المدنيين والمقاتلين، والتناسب في استخدام القوة، واتخاذ الاحتياطات اللازمة
لحماية السكان المدنيين. ومع استمرار ارتفاع أعداد الضحايا المدنيين وحجم الدمار
غير المسبوق في غزة، تصاعدت الدعوات الدولية إلى التحقيق في الانتهاكات المحتملة
ومحاسبة المسؤولين عنها، بما ينسجم مع قواعد القانون الدولي وآليات العدالة
الدولية.
وقف إطلاق النار..
والحرب التي لم تتوقف
لم يكن الإعلان
عن وقف إطلاق النار بالنسبة لسكان غزة نهايةً للحرب، بل استمراراً لها بأشكال
مختلفة. فما زالت الاعتداءات والانتهاكات تتكرر بصورة شبه يومية، مخلفةً شهداء
وجرحى، بينما يواصل الاحتلال فرض واقع ميداني جديد من خلال السيطرة على مساحات
واسعة من قطاع غزة وتوسيع المناطق العازلة، بما يحرم آلاف الفلسطينيين من العودة
إلى أراضيهم ومنازلهم.
إن وقف إطلاق
النار لا يكتسب معناه الحقيقي بمجرد الإعلان عنه، وإنما بالالتزام الكامل ببنوده،
ووقف جميع الأعمال العسكرية، وحماية المدنيين، وضمان عودة النازحين، وتهيئة الظروف
لإدخال المساعدات وإعادة الإعمار. أما في ظل استمرار الاستهدافات وفرض وقائع جديدة
على الأرض، فإن الحرب تبقى قائمة، وإن تغيرت أدواتها وأساليبها.
معاناة لا تنتهي
لم تقتصر آثار
الحرب على الدمار العسكري، بل امتدت إلى كل تفاصيل الحياة اليومية. فما زال غالبية
سكان غزة يعيشون في مراكز إيواء مؤقتة أو في العراء بعد تدمير منازلهم، بينما يواجهون
صعوبات كبيرة في الحصول على الغذاء والمياه النظيفة والرعاية الصحية والخدمات
الأساسية.
إلى متى سيظل العالم يؤجل الحل الذي يعرفه الجميع؟ فكل يوم يمر دون معالجة عادلة للقضية الفلسطينية لا يعني سوى إضافة يوم جديد إلى معاناة شعب بأكمله، وإلى دورة جديدة من العنف لن يكون أحد بمنأى عن آثارها
كما أن بطء إدخال
المساعدات الإنسانية، وتأخر إعادة الإعمار، وعدم توفير مساكن مؤقتة، جعل الأزمة
الإنسانية تتفاقم بصورة غير مسبوقة، وأبقى مئات الآلاف من الأسر في ظروف لا تتوافق
مع الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية.
ولا يمكن الحديث
عن مرحلة ما بعد الحرب بينما لا يزال الإنسان الفلسطيني يبحث يومياً عن مأوى، وعن
لقمة خبز، وعن دواء، وعن مدرسة لأطفاله، وعن أمل في مستقبل أكثر استقراراً.
السلام يبدأ من
العدالة
لقد أثبتت العقود
الماضية أن الحلول العسكرية لم تنهِ الصراع، كما أن إدارة الأزمة دون معالجة
أسبابها لم تنتج سلاماً دائماً. ولذلك فإن الطريق الحقيقي نحو الاستقرار يبدأ
بمعالجة أصل القضية، وليس الاكتفاء بالتعامل مع نتائجها.
إن منح الشعب
الفلسطيني حقوقه التي أقرتها قرارات الأمم المتحدة، وفي مقدمتها حق تقرير المصير،
وإنهاء الاحتلال وفق المرجعيات الدولية، يمثل المدخل الأكثر واقعية لتحقيق سلام
مستدام يضمن الأمن والكرامة لجميع شعوب المنطقة. فالأمن لا يتحقق بإدامة الحرب،
ولا بالحصار، ولا بالقوة وحدها، وإنما ببناء سلام يقوم على العدالة واحترام
القانون الدولي والاعتراف بحقوق الإنسان.
بعد أكثر من ألف
يوم، لم يعد السؤال كم استمرت الحرب، بل إلى متى سيظل العالم يؤجل الحل الذي يعرفه
الجميع؟ فكل يوم يمر دون معالجة عادلة للقضية الفلسطينية لا يعني سوى إضافة يوم
جديد إلى معاناة شعب بأكمله، وإلى دورة جديدة من العنف لن يكون أحد بمنأى عن
آثارها.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.