نتنياهو والهدنة.. بين التكتيك السياسي وإطالة أمد الحرب

محمد مصطفى شاهين
"نتنياهو يقود ائتلافا يمينيا يعتمد على قوى سياسية ترفض إنهاء الحرب دون تحقيق ما تسميه الحسم الكامل"- جيتي
"نتنياهو يقود ائتلافا يمينيا يعتمد على قوى سياسية ترفض إنهاء الحرب دون تحقيق ما تسميه الحسم الكامل"- جيتي
شارك الخبر
منذ الإعلان عن مسارات التهدئة والاتفاقات المرحلية الخاصة بقطاع غزة بدا واضحا أن بنيامين نتنياهو لا يتعامل مع الهدنة باعتبارها محطة لإنهاء الحرب بقدر ما ينظر إليها كأداة لإدارة الصراع وإعادة تشكيل شروطه، فالرجل الذي يواجه أزمات داخلية متراكمة وتحديات سياسية وقضائية معقدة يدرك أن وقف الحرب بصورة نهائية قد يفتح أبواب المساءلة السياسية والشعبية في الداخل الإسرائيلي، لذلك تحولت المفاوضات بالنسبة له إلى مساحة للمناورة أكثر منها طريقا نحو التسوية.

خلال الأشهر الماضية تكررت ظاهرة تعديل الشروط أو إضافة مطالب جديدة في كل مرحلة من مراحل التفاوض، فبعد التوافق على مبادئ أساسية للهدنة عاد نتنياهو ليربط التقدم في الاتفاق بقضايا مثل نزع سلاح المقاومة ومستقبل إدارة القطاع وترتيبات الأمن طويلة المدى، وهي ملفات يعلم الجميع أنها قضايا معقدة لا يمكن حسمها في إطار تفاوضي قصير أو تحت ضغط الحرب. وقد اعتبرت تقارير ومتابعات دولية أن الخلاف حول نزع السلاح أصبح أحد أبرز أسباب تعثر تنفيذ المراحل اللاحقة من الاتفاق.

نتنياهو يحاول نقل مركز النقاش من وقف الحرب إلى إعادة تعريف شروط ما بعد الحرب، وبدلاً من الالتزام الحرفي بما تم التوافق عليه يسعى إلى إنتاج وقائع تفاوضية جديدة تمنحه مزيدا من الوقت والمكاسب السياسية

إن القراءة السياسية لهذا السلوك تشير إلى أن نتنياهو يحاول نقل مركز النقاش من وقف الحرب إلى إعادة تعريف شروط ما بعد الحرب، وبدلاً من الالتزام الحرفي بما تم التوافق عليه يسعى إلى إنتاج وقائع تفاوضية جديدة تمنحه مزيدا من الوقت والمكاسب السياسية، لذلك لم يكن مستغربا أن يعلن مرارا أن المرحلة التالية ليست إعادة إعمار غزة بل نزع سلاح حماس وتحويل القطاع إلى منطقة منزوعة السلاح.

في علم إدارة الأزمات يسمى هذا النهج بسياسة رفع سقف المطالب، وهي استراتيجية تقوم على وضع شروط إضافية يصعب تحقيقها من أجل تبرير التأخير أو تحميل الطرف الآخر مسؤولية الفشل.

ومن هنا يمكن فهم الإصرار الإسرائيلي على ربط ملفات إنسانية عاجلة بملفات سياسية وأمنية شديدة التعقيد، فالهدف ليس فقط الوصول إلى اتفاق بشروط أفضل، بل أيضا المحافظة على هامش واسع لاستمرار العمليات العسكرية عند الحاجة.

إن العامل الداخلي الإسرائيلي لا يقل أهمية عن العامل التفاوضي، فالمجرم نتنياهو يقود ائتلافا يمينيا يعتمد على قوى سياسية ترفض إنهاء الحرب دون تحقيق ما تسميه الحسم الكامل، وأي تنازل جوهري قد يؤدي إلى اهتزاز الائتلاف أو فقدان الغطاء السياسي الذي يحتاجه للاستمرار، لذلك تبدو المماطلة في تنفيذ الهدنة جزءا من معادلة البقاء السياسي وليست مجرد خلاف تقني حول بنود الاتفاق.

لكن المشكلة أن هذا النهج يواجه تحديات متزايدة، فالمجتمع الدولي يزداد اقتناعا بأن استمرار الحرب لم يعد يحقق أهدافا استراتيجية جديدة. كما أن الوسطاء الإقليميين والدوليين يواصلون الدفع نحو تثبيت التهدئة والانتقال إلى مراحل أكثر استقرارا. وتشير تقارير حديثة إلى وجود تقدم في عدد كبير من النقاط التفاوضية مقابل استمرار التعثر في عدد محدود من الملفات المرتبطة بالشروط الإسرائيلية الإضافية.

السؤال الأهم اليوم ليس لماذا يماطل نتنياهو، بل ماذا بعد؟
تبدو المماطلة في تنفيذ الهدنة جزءا من معادلة البقاء السياسي وليست مجرد خلاف تقني حول بنود الاتفاق

الاحتمال الأول هو استمرار سياسة التأجيل المنظم، أي إبقاء المفاوضات مفتوحة دون الوصول إلى اتفاق نهائي مع تنفيذ جزئي لبعض البنود الإنسانية. وهذا السيناريو يسمح له بالحفاظ على التوازن بين الضغوط الدولية ومتطلبات الائتلاف الحاكم.

الاحتمال الثاني يتمثل في فرض تسوية تدريجية تحت ضغط الوسطاء والقوى الدولية. وفي هذه الحالة قد يجد نتنياهو نفسه مضطرا للقبول بخطوات لم يكن يرغب بها سابقا، خصوصا إذا ارتفعت الكلفة السياسية والعسكرية لاستمرار الحرب وإذا حصل ضغط أمريكي ودولي حقيقي.

أما الاحتمال الثالث فهو العودة إلى دوامة التصعيد كلما اقتربت المفاوضات من لحظة الحسم. وهذا الخيار قد يمنح الحكومة الإسرائيلية وقتا إضافيا لكنه يحمل مخاطر كبيرة؛ لأنه يبدد ما تبقى من فرص الثقة ويزيد من احتمالات الانفجار الإقليمي.

في المحصلة يبدو أن نتنياهو لا يزال يراهن على عامل الوقت، فهو يؤجل الاستحقاقات الكبرى ويعيد إنتاج الشروط ويستخدم المفاوضات كأداة لإدارة الأزمة لا لحلها. غير أن التاريخ السياسي للصراعات الطويلة يؤكد أن الوقت ليس دائما حليفا للطرف الأقوى، فكلما طال أمد الحرب تقلصت هوامش المناورة وازدادت الضغوط الداخلية والخارجية، وعند تلك النقطة تتحول سياسة المماطلة من وسيلة لتحقيق المكاسب إلى عبء استراتيجي يصعب التخلص منه. ولذلك فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس متى تنتهي الحرب فحسب، بل متى يفقد نتنياهو القدرة على تأجيل نهايتها؟


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)