لا تقاس الاتفاقات السياسية في لحظات
الصراعات الكبرى بعدد البنود التي تتضمنها بقدر ما تقاس بقدرتها على إعادة تشكيل
المجال السياسي الذي تتحرك داخله الأطراف المختلفة، فالاتفاق الذي يأتي بعد حرب
طويلة لا يمثل مجرد تفاهم إجرائي لوقف إطلاق النار وإنما يعكس محاولة لإعادة تعريف
الأولويات وإعادة ترتيب العلاقة بين الضرورات الإنسانية والاستحقاقات الوطنية.
وفي ضوء ذلك يصبح من الضروري النظر إلى أي
خارطة طريق لا بوصفها نهاية للصراع وإنما باعتبارها محطة انتقالية ضمن مسار سياسي
أكثر تعقيدا لا تزال نتائجه رهينة بميزان القوى وبقدرة الأطراف على تنفيذ
التزاماتها.
النقاش المتعلق بالترتيبات الأمنية يظل من أكثر الملفات تعقيداً في تجارب ما بعد النزاعات، فالهدف المعلن في معظم هذه التجارب لا يتمثل في إنتاج فراغ أمني وإنما في بناء آليات قادرة على منع الانفلات الداخلي وتقليل احتمالات العودة إلى المواجهة المسلحة. ونتيجة لتلك العوامل تصبح صياغة الترتيبات الأمنية عملية سياسية بقدر ما هي عملية فنية لأنها ترتبط بدرجة الثقة بين الأطراف وبالضمانات التي ترافق التنفيذ.
ومن زاوية أخرى فإن الحروب الممتدة لا تترك
آثارها على البنية العسكرية وحدها وإنما تعيد تشكيل المجتمع والاقتصاد والإدارة
وأنماط التفاعل السياسي، ولذلك فإن أي مقاربة تتعامل مع اتفاقات وقف الحرب بمعزل
عن هذه التحولات ستكون مقاربة قاصرة عن تفسير الواقع، ولعل من المناسب أن ينظر إلى
الخارطة المقترحة باعتبارها استجابة لواقع جديد فرضته سنوات الحرب بما حملته من
خسائر بشرية ودمار واسع وأزمات إنسانية غير مسبوقة.
وفي هذا السياق لا تبدو الأولوية الإنسانية
منفصلة عن الاعتبارات السياسية كما يعتقد البعض، فالقدرة على حماية السكان والحفاظ
على الحد الأدنى من مقومات الحياة تمثل جزءا من صمود المجتمع نفسه. ومن هذا
المنطلق يصبح وقف العمليات العسكرية وفتح المعابر وتدفق المساعدات واستعادة
الخدمات الأساسية عناصر تؤسس لإعادة بناء المجال العام وتمكين المجتمع من استعادة
قدرته على الاستمرار.
وبناء على ذلك فإن النقاش الحقيقي لا ينبغي
أن ينحصر في توصيف الاتفاق باعتباره انتصارا أو تنازلا لأن هذه الثنائية كثيرا ما
تحجب الأسئلة الأكثر أهمية. والسؤال الجوهري يتعلق بمدى قدرة أي ترتيبات انتقالية
على منع تجدد الحرب والحفاظ على وحدة الأراضي
الفلسطينية وتهيئة الظروف لإعادة
الإعمار واستعادة المؤسسات المدنية لدورها الطبيعي.
وهذا ما يقود إلى إدراك أن الاتفاقات
الانتقالية بطبيعتها لا تقدم حلولاً نهائية وإنما تؤسس لإدارة مرحلة معقدة تتداخل
فيها الاعتبارات الأمنية والسياسية والاقتصادية والإنسانية. ونتيجة لتلك العوامل
يصبح نجاح أي خارطة طريق مرتبطا ليس بصياغتها النظرية فقط وإنما بوجود آليات تنفيذ
واضحة وضمانات عملية ومراقبة مستمرة تحول دون انهيارها مع أول اختبار ميداني.
وفي المقابل فإن قيمة أي خارطة طريق لا تقاس
بما تتضمنه من عناوين عامة بقدر ما تقاس بقدرتها على معالجة القضايا الأكثر حساسية
التي كانت سببا مباشرا في استمرار المواجهة. وتشير المعطيات إلى أن التحدي الأكبر
لا يكمن في التوصل إلى نص سياسي وإنما في القدرة على تحويل هذا النص إلى واقع عملي
يحظى بقبول الأطراف المختلفة ويمنع العودة إلى دوامة العنف. ولذلك فإن معيار
النجاح لا يبدأ من لحظة التوقيع وإنما من لحظة التنفيذ وما يرافقها من التزام فعلي
بالإجراءات المتفق عليها.
وفي ذات السياق تبرز القضية الإنسانية
باعتبارها المحدد الأول الذي يفرض نفسه على أي نقاش سياسي، فالحروب الطويلة لا
تنتج دمارا عمرانيا فحسب وإنما تؤدي إلى إنهاك البنية الاجتماعية وإضعاف مؤسسات
المجتمع وخلق أجيال تعيش تحت وطأة الفقدان والنزوح وانعدام الأمن. ومن الرؤى
الشائعة في أدبيات إدارة النزاعات أن إعادة بناء الإنسان تسبق إعادة بناء الحجر
لأن المجتمعات المنهكة تصبح أقل قدرة على استعادة استقرارها حتى بعد توقف العمليات
العسكرية.
ولتوضيح ذلك فإن وقف الحرب لا يمثل غاية
مستقلة عن بقية الملفات وإنما يشكل المدخل الضروري لمعالجة سلسلة مترابطة من
القضايا تبدأ بعودة النازحين ومرورا بإعادة الخدمات الأساسية وانتهاء بإطلاق عملية
إعادة الإعمار، وهذا ما يفسر أن الاتفاقات الانتقالية تمنح الأولوية في كثير من
الأحيان للإجراءات الإنسانية باعتبارها شرطا لاستعادة الحد الأدنى من الحياة
الطبيعية.
ومن ناحية أخرى فإن وحدة البلاد تظل أحد أهم
عناصر الاستقرار السياسي في أي مرحلة انتقالية، فالتجارب المقارنة تشير إلى أن
الحروب كثيرا ما تفتح المجال أمام نشوء ترتيبات ميدانية تتحول مع مرور الوقت إلى
وقائع سياسية يصعب تجاوزها،وبناء على ذلك يصبح الحفاظ على وحدة الأراضي ومنع ترسيخ
الانقسام جزءا أساسياً من أي تصور يسعى إلى إنتاج استقرار مستدام لا مجرد هدنة
مؤقتة.
وفي ضوء ذلك فإن الحديث عن عودة السكان إلى
مناطقهم واستعادة الحركة الطبيعية داخل القطاع لا يقتصر على البعد الإنساني وحده
بل يمتد إلى البعد السياسي أيضا. إذ إن إعادة وصل المجال الجغرافي والاجتماعي تمثل
خطوة ضرورية للحفاظ على وحدة المجتمع ومنع تكريس أنماط جديدة من الانقسام قد
تفرضها ظروف الحرب.
ومن زاوية أخرى فإن الاتفاقات الانتقالية
تضع الأطراف أمام اختبار يتعلق بقدرتها على التمييز بين المبادئ الثابتة والوسائل
المتغيرة. فالحقوق السياسية والقانونية للشعوب لا تتحدد بطبيعة الأدوات المستخدمة
في مرحلة معينة وإنما تستند إلى قواعد القانون الدولي وإلى حق الشعوب في تقرير
مصيرها. أما الوسائل فتخضع بطبيعتها لتقدير الظروف وتوازنات المرحلة وما تفرضه
الوقائع المتغيرة.
إن الحديث عن عودة السكان إلى مناطقهم واستعادة الحركة الطبيعية داخل القطاع لا يقتصر على البعد الإنساني وحده بل يمتد إلى البعد السياسي أيضا. إذ إن إعادة وصل المجال الجغرافي والاجتماعي تمثل خطوة ضرورية للحفاظ على وحدة المجتمع ومنع تكريس أنماط جديدة من الانقسام قد تفرضها ظروف الحرب.
وهنا لا بد من بيان أن النقاش المتعلق
بالترتيبات الأمنية يظل من أكثر الملفات تعقيداً في تجارب ما بعد النزاعات، فالهدف
المعلن في معظم هذه التجارب لا يتمثل في إنتاج فراغ أمني وإنما في بناء آليات
قادرة على منع الانفلات الداخلي وتقليل احتمالات العودة إلى المواجهة المسلحة.
ونتيجة لتلك العوامل تصبح صياغة الترتيبات الأمنية عملية سياسية بقدر ما هي عملية
فنية لأنها ترتبط بدرجة الثقة بين الأطراف وبالضمانات التي ترافق التنفيذ.
وقد أشار عدد كبير من الباحثين في دراسات
السلام إلى أن نجاح المراحل الانتقالية يرتبط بوجود مرجعية سياسية واضحة وآليات
رقابة مستقلة وجدول زمني محدد للتنفيذ، وهذا ما يقود إلى أن أي غموض في الالتزامات
أو تفاوت في تفسير البنود قد يفتح المجال أمام أزمات جديدة تعيد إنتاج أسباب
الصراع بدلا من معالجتها فالاحتلال الإسرائيلي اخترق الهدنة مئات المرات وارتقي ما
يزيد عن١٢٠٠شهيد..
وفي ظل تلك الظروف يبرز دور الوسطاء
والضامنين باعتباره عاملاً مؤثراً في استقرار الاتفاق، غير أن التجارب الدولية
تشير أيضاً إلى أن الضمانات الخارجية لا يمكن أن تكون بديلاً عن الإرادة السياسية
للأطراف نفسها. ولذلك فإن نجاح أي اتفاق يظل مرتبطاً بمدى التزام جميع الأطراف
بتنفيذ ما تم الاتفاق عليه بصورة متزامنة ومتوازنة دون انتقائية أو تأخير.
ومن هذا المنطلق فإن المرحلة التي تلي توقيع
أي اتفاق لا تقل أهمية عن المفاوضات التي سبقته، إذ تبدأ خلالها عملية الاختبار
الحقيقي للنوايا السياسية من خلال تنفيذ الانسحاب وفتح المعابر وتسهيل دخول
المساعدات وإعادة الخدمات وتهيئة البيئة المناسبة لإعادة الإعمار، وهذه الإجراءات
لا ينبغي النظر إليها باعتبارها خطوات منفصلة بل باعتبارها حلقات في مسار واحد
يتوقف نجاحه على تكامل جميع عناصره.
ونستنتج من ذلك أن الاتفاقات الانتقالية لا
تصنع السلام بصورة تلقائية وإنما تفتح نافذة سياسية يمكن استثمارها إذا توافرت
الإرادة والالتزام وآليات المتابعة، أما إذا غابت هذه العناصر فإن الاتفاق يتحول
إلى هدنة هشة قابلة للانهيار عند أول أزمة.
وفي ضوء المعطيات السابقة يمكن القول إن
تقييم أي خارطة طريق ينبغي أن يستند إلى نتائجها العملية لا إلى الخطابات التي
ترافقها، فالمعيار الحقيقي يتمثل في قدرة الاتفاق على حماية المدنيين وتخفيف
المعاناة والحفاظ على وحدة الأرض وتهيئة الظروف لإعادة البناء ومنع العودة إلى
الحرب. وهذه هي المؤشرات التي تمنح أي اتفاق قيمته السياسية والتاريخية بعيدا عن
المبالغات أو الأحكام المتسرعة.
وهذا ما يبين أن الاتفاقات ليست نهاية
للتاريخ السياسي ولا بديلا عن معالجة جذور الصراع وإنما أدوات لإدارة مرحلة
انتقالية قد تفتح المجال أمام استقرار أوسع إذا اقترنت بإرادة سياسية حقيقية
وباحترام الالتزامات المتبادلة. أما مستقبل أي الاتفاق فسيتحدد في نهاية المطاف
بقدرتها على الصمود أمام اختبارات التنفيذ وبمدى نجاحها في تحويل وقف الحرب إلى
فرصة لإعادة بناء المجال السياسي والمجتمعي على أسس أكثر استقرارا.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.