لبنان تحت النار: لماذا يدفع نتنياهو المنطقة نحو حافة الانفجار؟

رائد ناجي
"هل ما يجري مجرد تصعيد عابر، أم أن المنطقة تتجه نحو حرب أكبر تعيد رسم الخرائط بالدم والنار؟"- الأناضول
"هل ما يجري مجرد تصعيد عابر، أم أن المنطقة تتجه نحو حرب أكبر تعيد رسم الخرائط بالدم والنار؟"- الأناضول
شارك الخبر
في كل مرة تتعثر فيها حكومة الاحتلال في أزماتها الداخلية، يعود بنيامين نتنياهو إلى اللغة التي يجيدها أكثر من غيرها: لغة الحرب؛ وكأن الدم صار وسيلته الأخيرة لترميم صورته المتشققة، أو تأجيل سقوطه السياسي الذي يطارده من داخل الكيان قبل خارجه. وما يحدث اليوم على الجبهة اللبنانية ليس مجرد ردود عسكرية متبادلة، بل هو فصل جديد من مشروع التصعيد الذي يحاول نتنياهو من خلاله إعادة تشكيل المنطقة بالنار، بعدما عجز عن إخضاعها بالسياسة.

إن التصعيد الإسرائيلي ضد لبنان لا تمكن قراءته بمعزل عن المشهد الداخلي المأزوم في إسرائيل نفسها. فنتنياهو يعيش واحدة من أكثر لحظاته ارتباكا؛ بين ضغوط المعارضة، وغضب الشارع، وتصدعات المؤسسة الأمنية، فضلا عن الملفات القضائية التي ما تزال تطارده كظل ثقيل لا يغادره. ومن هنا، تصبح الحرب بالنسبة إليه أداة لإعادة إنتاج الزعامة، ومحاولة لتوحيد الداخل الإسرائيلي عبر خلق عدو خارجي دائم.

لقد أدرك نتنياهو منذ سنوات أن المجتمعات الخائفة أقل ميلا إلى محاسبته، وأن صوت الصواريخ غالبا ما يغطي على أصوات الاحتجاج، ولذلك فإن توسيع دائرة المواجهة مع لبنان يمنحه فرصة للهروب إلى الأمام، ويفتح أمامه مساحة سياسية جديدة يستطيع من خلالها أن يقدم نفسه بوصفه "حامي إسرائيل"، حتى وإن كان هذا الحامي يدفع المنطقة كلها نحو الهاوية.

بقاء هذه المعادلة يعني تآكل صورة التفوق الإسرائيلي المطلق، وهي الصورة التي قامت عليها الدعاية الصهيونية طويلا، لذلك يسعى الاحتلال إلى استعادة هيبته عبر الضربات المكثفة والاغتيالات والتلويح بحرب واسعة

غير أن الأسباب لا تتوقف عند الحسابات الشخصية لرجل يبحث عن النجاة السياسية. فلبنان، بالنسبة للعقيدة الأمنية الإسرائيلية، لم يعد مجرد جار مزعج، بل تحول إلى عقدة استراتيجية حقيقية. فالمقاومة اللبنانية استطاعت خلال السنوات الماضية أن تفرض معادلة ردع غير مسبوقة، جعلت إسرائيل تدرك أن أي حرب مقبلة لن تكون نزهة عسكرية كما كانت تتخيل في عقود سابقة.

وهنا تكمن المعضلة الكبرى بالنسبة لنتنياهو؛ إذ إن بقاء هذه المعادلة يعني تآكل صورة التفوق الإسرائيلي المطلق، وهي الصورة التي قامت عليها الدعاية الصهيونية طويلا، لذلك يسعى الاحتلال إلى استعادة هيبته عبر الضربات المكثفة والاغتيالات والتلويح بحرب واسعة، في محاولة لكسر ميزان الردع وإعادة فرض منطق القوة المنفردة.

كما أن التصعيد يحمل بعدا إقليميا يتجاوز حدود لبنان نفسه، فإسرائيل تدرك أن المنطقة تعيش مرحلة إعادة تشكل سياسي وأمني، وأن النفوذ الإيراني الممتد عبر حلفائه في المنطقة بات يمثل تحديا حقيقيا للمشروع الإسرائيلي. ومن هنا، يصبح لبنان ساحة من ساحات الصراع الكبرى على النفوذ والخرائط والتوازنات.

إن نتنياهو لا ينظر إلى الجنوب اللبناني بوصفه مجرد حدود جغرافية، بل يراه بوابة إلى معركة أوسع تتعلق بمستقبل الشرق الأوسط كله. ولذلك فإن العدوان على لبنان يحمل رسائل متعددة: رسالة إلى الداخل الإسرائيلي، ورسالة إلى إيران، ورسالة إلى الولايات المتحدة أيضا، مفادها أن إسرائيل ما تزال اللاعب الأكثر قدرة على إشعال المنطقة أو تهدئتها.

ولا يمكن إغفال العامل الأمريكي في هذا السياق، فالدعم الغربي غير المحدود لإسرائيل منح حكومة الاحتلال شعورا واسعا بالإفلات من العقاب، وحين تدرك دولة ما أن المجتمع الدولي يكتفي بالبيانات الباردة بينما تتساقط المدن تحت القصف، فإنها تتمادى أكثر في استخدام القوة. ولذلك فإن الصمت الدولي لم يعد مجرد موقف سلبي، بل صار جزءا من بنية العدوان نفسها.

نتنياهو يصعّد عدوانه لأنه يدرك أن بقاء التوازن الحالي يعني بداية أفول المشروع الذي يحاول تكريسه بالقوة، لكنه في المقابل يغامر بإشعال مواجهة قد تتجاوز حساباته كلها

لكن أخطر ما في هذا التصعيد أنه يهدد بتحويل المنطقة إلى حقل مفتوح للفوضى، فالحروب لا تبقى داخل حدود مرسومة بعناية، والنيران التي تشتعل في جنوب لبنان قد تمتد إلى خرائط أوسع بكثير مما يتخيله مهندسو الحرب. والتاريخ يعلمنا أن الشرق الأوسط حين ينفجر، فإنه لا يفعل ذلك بنصف غضب.

ورغم هذا المشهد القاتم، فإن لبنان الذي خرج من حروب طويلة ما يزال يمتلك قدرة غريبة على الصمود، فهذه الأرض التي اعتادت أن تدفع ثمن موقعها الجغرافي وثقلها السياسي، تعلمت كيف تقف وسط الركام دون أن تفقد ذاكرتها. وربما لهذا يبدو الصراع مع لبنان مختلفا دائما بالنسبة لإسرائيل؛ لأنه ليس مواجهة مع حدود فقط، بل مع فكرة الرفض ذاتها.

إن نتنياهو يصعّد عدوانه لأنه يدرك أن بقاء التوازن الحالي يعني بداية أفول المشروع الذي يحاول تكريسه بالقوة، لكنه في المقابل يغامر بإشعال مواجهة قد تتجاوز حساباته كلها. فالحروب يسهل إشعالها، لكن أحدا لا يملك التحكم الكامل في نهاياتها.

وهكذا يقف الشرق الأوسط مرة أخرى على حافة سؤال مخيف: هل ما يجري مجرد تصعيد عابر، أم أن المنطقة تتجه نحو حرب أكبر تعيد رسم الخرائط بالدم والنار؟ وبين هذا وذاك، يبقى المدنيون وحدهم يدفعون الثمن، بينما يتبادل الساسة خطابات القوة فوق أنقاض المدن المرهقة.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل