حين يُختزل الخراب في "شماعة الداخل".. قراءة في عمى التفسير الأحادي للواقع العربي

رائد ناجي
"التفسير العلمي الرصين لا يقوم على استبدال "شماعة الداخل" بـ"شماعة الخارج"، بل على تفكيك شبكة العلاقات بين الطرفين"- الجامعة العربية
"التفسير العلمي الرصين لا يقوم على استبدال "شماعة الداخل" بـ"شماعة الخارج"، بل على تفكيك شبكة العلاقات بين الطرفين"- الجامعة العربية
شارك الخبر
حين يُثار الحديث حول تفسير أسباب تراجع بعض البلدان العربية والإسلامية، أو ما يوصف أحيانا بـ"الخراب" السياسي والاقتصادي والاجتماعي، يبرز خطاب يتكرر في بعض الأوساط الفكرية والدعوية، يقوم على اختزال معقدات الواقع في أطراف داخلية أو تيارات بعينها، بينما يُهمَل في المقابل تحليل البنية الكلية للمنظومة العالمية التي تشكلت عبر قرون من الاستعمار، وإعادة تشكيل الاقتصاد العالمي، وهيمنة المركز الغربي على القرار السياسي والمالي والثقافي.

إن الإشكال هنا ليس في نقد أي تيار فكري أو ديني داخل المجتمعات، فالنقد حق مشروع وضرورة علمية، وإنما في تحويل هذا النقد إلى تفسير أحادي يختزل الأزمة في طرف واحد، وكأن التاريخ لا يتحرك إلا من خلال فاعل داخلي منفرد، بينما تتوارى القوى الخارجية الكبرى التي أسهمت بعمق في تشكيل الواقع الحالي للدول.

فعندما يقال إن "الخراب" سببه تيار معين، سواء سمي بهذا الاسم أو ذاك، فإننا أمام نوع من التبسيط الذي يُخرج المشهد من سياقه التاريخي والسياسي والاقتصادي. فالدول لا تختزل في صراع أفكار داخلية فقط، بل هي نتيجة تفاعل معقد بين الاستعمار القديم، والهيمنة الاقتصادية الحديثة، وشروط النظام العالمي الذي تُصاغ قواعده في مراكز القرار الدولية، لا في الأطراف.

لقد لعبت الدول الغربية، عبر مراحل تاريخية طويلة، أدوارا محورية في إعادة تشكيل جغرافيا الدول وحدودها، وفي رسم أنماط الحكم والاقتصاد، بل وحتى في هندسة بعض الهويات السياسية التي ما زالت آثارها ممتدة إلى اليوم. ومن هنا، فإن أي قراءة تتجاهل هذا البعد البنيوي تكون قراءة ناقصة، مهما بدت متماسكة من الداخل.

لكن في المقابل، لا يمكن أيضا إغفال أن بعض التيارات الفكرية أو السياسية داخل المجتمعات قد أسهمت، بدرجات متفاوتة، في تعميق الأزمات من خلال سوء إدارة السلطة، أو الجمود الفكري، أو الصراع الداخلي على الشرعية. غير أن تحويل هذه الجزئيات إلى سبب كلي للأزمة يعد خللا في المنهج التحليلي، لأنه يسقط مفهوم السببية المتعددة ويستبدله بتفسير خطي بسيط لا يصمد أمام تعقيد الواقع.

إن الخطاب الذي يصر على تحميل طرف داخلي واحد مسؤولية التدهور، دون مساءلة البنية الدولية التي تعمل ضمنها هذه الدول، غالبا ما يعكس رؤية أيديولوجية أكثر مما يعكس تحليلا علميا. فالعالم اليوم تحكمه شبكات معقدة من الاقتصاد والسياسة والإعلام، حيث لا يمكن فصل الداخل عن الخارج، ولا المحلي عن العالمي.

ومن جهة أخرى، فإن تحميل "الغرب" وحده مسؤولية كل أشكال التراجع في العالم العربي والإسلامي أيضا يقع في نفس فخ التبسيط، إذ يتجاهل الفاعلين المحليين، ويغفل مسؤوليات النخب الحاكمة، والمؤسسات، وبنى التعليم والإدارة، والتراكم التاريخي للأزمات الداخلية. فالتفسير العلمي الرصين لا يقوم على استبدال "شماعة الداخل" بـ"شماعة الخارج"، بل على تفكيك شبكة العلاقات بين الطرفين.

إن أزمة الوعي هنا تتجاوز السياسة إلى طريقة التفكير نفسها، فحين يصبح العقل أسيرا لتفسير واحد جاهز، فإنه يفقد قدرته على رؤية التعدد والتداخل في الأسباب. والواقع في جوهره ليس لوحة بسيطة يمكن تلوينها بلون واحد، بل هو بنية مركبة تتداخل فيها المصالح، والأيديولوجيات، والإرث التاريخي، والضغوط الدولية، والاختيارات المحلية.

ومن هنا، فإن الحاجة اليوم ليست إلى خطاب إدانة أحادي، بل إلى خطاب تفكيك شامل، يعيد قراءة الواقع بوصفه نتاج تفاعل بين الذات والآخر، بين المحلي والعالمي، بين التاريخي والراهن. فالأمم لا تنهض حين تختار عدوا واحدا لتلقي عليه كل أسباب التعثر، بل حين تواجه ذاتها بجرأة، وتفهم موقعها داخل نظام عالمي معقد، وتحدد مسؤولياتها دون إنكار أو تهويل.

إن أخطر ما في التفسير الأحادي أنه لا يكتفي بتشخيص الواقع، بل يعيد إنتاج الوعي نفسه بطريقة مغلقة، تجعل كل أزمة نتيجة سبب واحد، وكل حل مرتبط بإزالة ذلك السبب فقط. بينما الواقع التاريخي يثبت أن التحولات الكبرى دائما كانت نتيجة تفاعل عوامل متعددة، لا عامل واحد.

وفي النهاية، فإن تجاوز هذه الإشكالية يتطلب انتقالا من منطق التفسير التبريري إلى منطق التحليل البنيوي، ومن عقلية البحث عن طرف واحد مسؤول، إلى عقلية تفكيك المنظومات المتداخلة التي تصنع الواقع. عندها فقط يمكن فهم لماذا تتعثر بعض الدول، وكيف يمكن أن تنهض من جديد، بعيدا عن الاختزال، وبعيدا عن التوظيف الأيديولوجي للتاريخ والواقع.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)