الزلزلة
التي تهز وهْم الاستقرار
جاء في
القرآن الكريم في افتتاح السورة التي حملت اسم فريضة
الحج العظيمة: "يَا أَيُّهَا
النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ ۚ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ *
يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ
ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ
وَلَٰكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ".
ولم يكن
افتتاح سورة الحج بالقيامة والزلزلة والمشهد الأخروي تفصيلا عابرا، بل تأسيسا
لمعنى الحج نفسه؛ فالحج في جوهره ليس انتقالا من بلد إلى بلد، بل انتقال من وهم
الاستقرار إلى يقين العبور. وكأن النص الإلهي ينتزع
الإنسان من انشغاله بالتفاصيل
الصغيرة ليضعه فجأة أمام السؤال الأكبر: لماذا يتصرف البشر كما لو أن الأرض محطة
دائمة لا عابرة؟
الحج، في
جوهره، ليس احتفالا دينيا جماعيا، بل تدريبا وجوديا على مغادرة العالم الداخلي
القديم. الإنسان يأتي إلى مكة مثقلا بأسمائه وأدواره الاجتماعية ونجاحاته
وانكساراته، ثم يُطلب منه أن يخلع كل ذلك دفعة واحدة؛ لا زينة، لا امتيازات، لا
ألقاب، لا فوارق، فقط كائن بشري يقف هشّا أمام خالقه، كما سيقف يوما بلا منصب ولا
تاريخ ولا ممتلكات.
الإحرام:
خلع الأسماء كما تُخلع الأكفان
يربك
الإنسان المعاصر أنه صار لا يرى نفسه إلا من خلال ما يملك؛ الوظيفة هوية، والثروة
قيمة أخلاقية، والصورة العامة بديلا عن الجوهر. ولهذا يأتي الإحرام كصدمة علاجية
تعيد الإنسان إلى حالته الأولى: جسد محدود، وروح تبحث عن النجاة.
الثوب
الأبيض ليس رمزا للطهر وحده، بل للنهاية أيضا. إنه أقرب إلى الكفن، وكأن الحاج
يُطلب منه أن يتدرب حيا على لحظة رحيله، فيتحول المشهد إلى إعادة ترتيب جذرية: أنك
لست مركز العالم، وكل ما تتصارع عليه البشرية قابل للزوال في ومضة.
تحت راية "لبيك":
تذوب الفوارق وتبقى العبودية
في الحياة
اليومية يحتاج البشر إلى اللغة كي يتفاهموا، لكن الحج يكشف أن الإيمان يخلق نوعا
آخر من الفهم لا يحتاج إلى ترجمة. الحاج الإندونيسي، والأفريقي، والعربي، والتركي،
والبوسني، يقفون بالطريقة نفسها، ويبكون بالطريقة نفسها، ويرفعون أكفّهم بالرجاء
نفسه، كأن الأرواح تتكلم قبل الألسنة.
لا يوجد
على وجه الأرض مشهد إنساني يماثل الحج في قدرته على تجاوز الجدران التي تصنعها
السياسة. العالم الإسلامي اليوم ممزق بالصراعات، لكن كل ذلك يتراجع أمام لحظة
"لبيك". في المشاعر المقدسة لا أحد يسأل الآخر عن جنسيته قبل أن يساعده،
ولا عن لغته قبل أن يبتسم له. ينشأ هناك نوع نادر من الألفة لا يعتمد على المصالح،
بل على رابطة أعمق: أن الجميع لبّوا النداء نفسه الذي أطلقه نبي الله إبراهيم منذ
آلاف السنين، حين قال الله: "وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ
رِجَالا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ"، فكانت
قوافل الحجيج عبر القرون استجابة متجددة لذلك الصدى الذي لا ينقطع.
ولهذا ظل
الحج أكبر مؤتمر روحي عرفته البشرية، لا بمعناه السياسي أو التنظيمي، بل بمعناه
الوجداني العميق. ملايين البشر المختلفون تماما يتحركون كأنهم قلب واحد، رغم أنهم
قد لا يفهمون كلمات بعضهم بعضا؛ اللغة الوحيدة المفهومة هناك هي الانكسار لله.
وربما
لهذا السبب تحديدا لا تسقط الفريضة حتى في أكثر الأزمنة خرابا، فالإسلام لا يبني
الإنسان عبر المشاعر العابرة، بل عبر ثوابت تحفظ روحه من الانهيار. الفرائض ليست
أنشطة رمزية يمكن استبدالها بالأعمال الخيرية، بل أعمدة يحتفظ بها الإنسان حين
ينهار العالم من حوله. قد تسقط المدن، وقد تتبدل الأنظمة، وقد تعصف الفتن، لكن صوت
"لبيك" يبقى هو الثابت الوحيد، فإن فقد الإنسان صلته بالله وسط الفوضى،
فلن يبقى لديه ما ينقذه أصلا.
عرفات:
حديث الآخرة بلغة الأرض
لا لحظة
في التجربة الإسلامية تشبه الوقوف بعرفات؛ ملايين البشر تحت السماء نفسها، بلا
جدران، في صورة تستدعي مشهد الحشر بشكل يكاد يكون مرئيا. هنا يتراجع ضجيج العالم،
ويبقى الإنسان واقفا مجردا أمام الله في لحظة تختلط فيها رهبة الآخرة برجاء
المغفرة. ولهذا كان يوم عرفة قلب الحج النابض: ذلك اليوم الذي يشعر فيه الحاج أن
المسافة بينه وبين الرحمة قد تقلصت حتى كادت تلامس جلده قبل روحه. قال نبي الله
المصطفى محمد ﷺ: "الحَجُّ عَرَفَةُ"،
فكل ما قبلها استعداد، وكل ما بعدها تفصيل.
يوم
النحر: ذبح الوهم الأخير
في نهاية
الرحلة يصل الحاج إلى أكثر لحظاتها عمقا: يوم النحر. الذبح الظاهر هو ذبح الأضحية،
لكن الجوهر أعمق. الله يقول في القرآن: "لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ
التَّقْوَىٰ مِنكُمْ"، أي أنه لا يحتاج إلى لحمك ولا دمك، بل يريد التقوى.
والتقوى تحتاج إلى أن تذبح في داخلك أوهاما معينة: وهْم أنك تتحكم في حياتك
بالكامل، ووهم أن الدنيا دار إقامة دائمة، ووهم أن المال أو الجاه سيحميك من الموت
أو الحساب. هذه الأوهام لا يُرى دمها، لكنها تحتاج إلى قطع حاسم من الجذور. يوم
النحر هو موعد ذلك القطع، لتخرج النفس نقية كما كانت.
ولهذا
يرتبط النحر في القرآن بالتقوى ارتباطا مباشرا، لا بالفعل الظاهر وحده، إذ يقول
الله تعالى: "وَمَن يُعَظِّمْ
شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ".
الحج:
التذكير السنوي بأن الأرض ليست الوطن الأخير
في
النهاية يبقى الحج أكثر من مجرد فريضة دينية؛ إنه إعادة ترتيب جذرية لنظرة الإنسان
إلى نفسه والعالم. ولهذا بدأت سورة الحج بالقيامة لا بالمناسك، لأن من لا يتذكر
النهاية لن يفهم معنى الرحلة.
الحج
يذكّر الإنسان، مرة كل عام، بأن العالم مهما بدا صلبا فهو عابر، وأن القوة والحدود
والثروات كلها مؤقتة، وأن الحقيقة الوحيدة الباقية هي تلك اللحظة التي يقف فيها
الإنسان أمام الله بلا شيء إلا قلبه؛ "وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ
خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ". وقال
نبي الله المصطفى محمد ﷺ: "حَجَّةٌ مَبْرُورَةٌ لَيْسَ لَهَا جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّة".
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.