الإحرامُ.. فلسفةُ سقوطِ الأقنعة ورسائلُ الميقاتِ إلى من بقي خارجه

محمد خير موسى
"الإحرام دخولٌ في حُرمة وانتقالٌ من سعة العادة إلى انضباط العبادة ومن حركةٍ تترك النفس على سجيتها إلى نظامٍ يربّيها على المقاصد السّامية"- إكس
"الإحرام دخولٌ في حُرمة وانتقالٌ من سعة العادة إلى انضباط العبادة ومن حركةٍ تترك النفس على سجيتها إلى نظامٍ يربّيها على المقاصد السّامية"- إكس
شارك الخبر
الإحرام في الحجّ حدثٌ تربويٌّ هائل، يطرق ظاهر الإنسان ليصل إلى باطنه ويُبدّل هيئة الجسد ليُبدّل وجهة الروح، إذ يخلع المرء ثوبه الذي تعرّفه به الأسواق والوظائف والمجالس والمناسبات الاجتماعيّة ثم يلبس ثوبا موحّدا في شكله ولونه؛ كأنّه إعلانٌ صامتٌ بأنّ الإنسان أكبر من لقبه وأرفع من جاهه وأصدق من زينته، فإذا قطعتا القماش البيضاوان تختصران اللغة الاجتماعية كلّها وتُسقطان شارات التفاضل عن الكتفين وتسقطان معهما أدوات التمييز التي تعلّق بها الناس طويلا من سلطةٍ ومالٍ ومظهر.

يتقدّم الإحرام بوصفه ثورة صامتة على طغيان الرموز الاجتماعية؛ فالمحرم حين يخلع ثوبه ويلبس ثوب الإحرام فإنّه يخرج من سوق معايير الظاهر الخارجيّة إلى ميزان التقييم الحقيقيّ وإلى سؤال التقوى عندما تستوي الأجساد في العين النّاظرة إليها، وحين يلتقي الناس على صعيد واحد وبزي واحد ونداء واحد تتراخى عقد التعصّب الجاهليّة للعرق والجنسيّة والقوميّة والحدود المصطنعة؛ لأن النفس حين تُجرَّد من أدوات التزيّن والتفوّق المصطنع فإنّها تقف أمام حقيقتها عارية من الزخرف باحثة عن ميزان أصدق في تقييمه من ميزان المظاهر.

يتقدّم الإحرام بوصفه ثورة صامتة على طغيان الرموز الاجتماعية؛ فالمحرم حين يخلع ثوبه ويلبس ثوب الإحرام فإنّه يخرج من سوق معايير الظاهر الخارجيّة إلى ميزان التقييم الحقيقيّ وإلى سؤال التقوى عندما تستوي الأجساد في العين النّاظرة إليها

والإحرام دخولٌ في حُرمة وانتقالٌ من سعة العادة إلى انضباط العبادة ومن حركةٍ تترك النفس على سجيتها إلى نظامٍ يربّيها على المقاصد السّامية؛ إذ تُقام حول الشهوة أسوارٌ من زواجر تقتطعها من استرسالها ويُطوى باب الطّيب والزينة الخاصة وتُغلق منافذ كانت مفتوحة قبل الإحرام فيصير الامتناع تربية عملية على تقديم رضا الله تعالى على راحة الجسد، ويغدو ضبط الغريزة تمرينا على سيادة الإرادة، حتى يخرج المحرِم من هذا السياج وهو يحمل في أعماقه معنى العبودية بوصفها منهج حياةٍ واسعا يمتد من الصلاة إلى السوق والعمل والجامعة ومن الخلوة إلى الزحام ومن لحظة النسك إلى سائر الأيام.

والإحرام يفتتح من الميقات؛ وهو حدٌّ مكانيّ يعلّم القلب أن الطاعة طريقٌ له بداية وأن النية عهدٌ يتحول إلى سلوك عمليّ، وحين ترتفع التلبية تتصل الاستجابة بنداء إبراهيم عليه السلام فتغدو التلبية حركةَ وجودٍ تخلع غبار الأيام وتدخل بالروح على الله تعالى بقلبٍ أصفى وإرادةٍ أصلب، ثم يمتد معناها في تفاصيل الحياة كلها حتى يصير النّداء "لبيّك اللهمّ لبيك" منهجا دائما وليس موسما عابرا.

وهنا يجيء سؤال غير الحاج؛ ما الذي يبقى من الإحرام لمن بقي خارج مكة المكرّمة والميقات وعرفات والجمرات ثم عاد إلى مدنه وأسواقه وبيوته تحت ضغط اليوميات؟

فتأتيه الرسالة الأولى كشفا لحقيقة تغيب عن الإنسان في زحام الغفلة؛ إذ يوقظه الإحرام على قدرة الإنسان على خلع أقنعته التي يصنعها المجتمع ويعلّقها على الوجه وقدرته على تخفيف حمل الأشياء؛ حين تستحيل من وسائل لتسيير الحياة إلى غايات تدور حولها هموم المرء، وقدرته على اختبار نفسه في صورة أبسط يرى فيها مقدار التعلّق الذي استولى على قلبه؛ لأن الإحرام يقيم أمامه مرآة حادّة تسأله عن الهويّة التي نسجها من مالٍ أو لقبٍ أو مظهرٍ أو شبكة علاقات ثم جعلها معيار قيمته، وتسأله عن الطمأنينة التي فرّط بها حين جعل زينة الدنيا محور يومه فصار يلهث خلف الماركات ويلاحق الاستهلاك ويعيش في قلق المقارنة بمظاهر الآخرين.

وتأتي الرسالة الثانية لتجعل المساواة تربية تُمارَس على الجسد قبل أن تُكتب في الشعارات السياسيّة، لأن التفاضل حين يقوم على رموز الدنيا فإنّه يوقظ في القلب شهوة الاستعلاء ثم يترجمها في المجتمع ظلما وتكبّرا على الخلق، وحين يسقط التفاضل بالثوب ينفتح للعقل والروح طريق المعيار الحق، وهو التقوى والعلم والجهاد عندها يصير معنى المساواة في الوعي السياسي ميزانا واحدا للشرعية، فتقوم السلطة في فكره على القسط والعدل ويقوم المجتمع على عقد الكرامة الإنسانيّة وليس التفاضل المظهري.

وأمّا الرسالة الثالثة فتمتد إلى الاقتصاد فيصير الإحرام درسا في تحرير الكرامة الإنسانيّة من أسر المتاع وعبوديّة المظهر والماركة حين يردّ الستر إلى بساطته في قطعتين، كما يعيد الإحرام تعريف القيمة خارج منطق التكديس الذي يجمّد القلب ويقسّي الذوق ويشوّهه، ويصنع في الروح جوعا دائما إلى المزيد من الزينة الظاهريّة ونهما إلى الاستعراض الغرائزيّ.

حين يعي غير الحاج هذه الرسائل فإنّه يرى في الإحرام درسا ممتدا يطرق بابه، فيختار أياما يلبس فيها إحراما معنويا فيخفف زينة نفسه ويضبط شهوته ويحفظ لسانه ويقيم مواقفه على ميزان العدل ويحرّر قلبه من سلطان الأشياء والمظاهر

والرسالة الرابعة تدخل البيت فتجعل الإحرام تربية على سقوط الاستعلاء والتنافس الصراعيّ الذي يفسد الأسرة، وتصوغ في الفكر والقلب معنى الهيبة الحقيقيّة التي يسعى أفراد الأسرة إلى فرضها فيما بينهم؛ ففي كثير من الأسر يتحول الزوج وهو يبحث عن هيبته إلى سلطة قمعيّة، ويمارس الوالد قهرا ظالما، ويدخل الأخ في تعارُك مستمر فيغدو البيت ساحة رموز متصارعة، بينما تردّ روح الإحرام الهيبة إلى أصلها المعنوي بعد تجريدها من ماهيتها المظهريّة لتتجلّى في الرحمة والإنصاف، فيسهل على الإنسان وهو يقف مجردا بين يدي الله تعالى أن يطهّر لسانه داخل أسرته من القسوة ويده من الأذى وقلبه من الغل، فتستعيد الأسرة ميثاقها سكينة ورحمة ومسؤولية.

وأمّا الرسالة الخامسة فهي رسالةٌ شخصية خالصة تجعل الإحرام مدرسة انضباط في زمن الشهوة والشاشة؛ لأن المحرم يعيش أياما من مراقبة الحدود والمحظورات حتى تتكوّن في داخله قوة الإرادة ويعتاد تقديم العاقبة على العاجل، ويجعل حركة يومه موزونة بميزان المآل فتغدو هذه اللبنة حصنا له حين تعرض العادة وتشتد الشهوة ويثور الغضب وتقترب الفتنة.

ومن هنا تتجلى فلسفة الإحرام بوصفها فلسفةَ انتقالٍ يعيد ترتيب داخل النفس البشريّة قبل أن يعيد ترتيب ظاهرها؛ فينقل القلب من انشغاله بالزينة إلى انشغاله بالله تعالى، وينقل الذّات من تضخم الأنا إلى مقام العبودية، وينقل الهوية من سوقٍ يوزّع الأقنعة التي تخفي الحقائق إلى ميقاتٍ يردّ الإنسان إلى حقيقته التي يبحث عنها، وينقل اليوم المتشظي في أودية شتّى إلى مقصد واحد.

وحين يعي غير الحاج هذه الرسائل فإنّه يرى في الإحرام درسا ممتدا يطرق بابه، فيختار أياما يلبس فيها إحراما معنويا فيخفف زينة نفسه ويضبط شهوته ويحفظ لسانه ويقيم مواقفه على ميزان العدل ويحرّر قلبه من سلطان الأشياء والمظاهر، حتى يخرج إلى الناس أصفى وأنقى ويرجع إلى الله تعالى أصدق وأثبت، فتستقيم الحياة على معنى التلبية، استجابة تتبع استجابة وسيرا إلى الله تعالى في كل يوم ورحلة إلى الآخرة تتّخذ من الدّنيا مزرعة ومعبرا وعمرانا.

x.com/muhammadkhm


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)