ثمّة
حكاياتٌ صغيرة تُساقُ في زمن الانكسارات كي تؤدّي وظيفة إجراميّة، فتروّض الوجع
وتُعيد تشكيل الوعي وتُحوّل الفقر إلى "درس تزكية" يخدّر ألم السياط
التي تنهش ظهور الجياع.
في
زمن
الغلاء الفاحش يُخرج "الأعرابي" من مخازن الحكايات ويُقدَّم بوصفه
صورة من صور
الإيمان الصّافي ثم يُجعل معيارا للناس؛ فمن اشتكى نقْصَ القوت نُصّب
له هذا الأعرابيّ واعظا، ومن تحدّث عن
فساد السياسات جرى دفعه إلى زاوية "ضعف
التوكل"، ومن طالب بالحقوق قيل له: اجعل قلبك مع الله تعالى وكفى.
هذه
الصناعة الخطابية وظيفة جرميّة تقوم على قلب المقامات، إذ يتحوّل مقام الإيمان إلى
بديلٍ عن مقام العدل، ويستعمل مقام التوكل سترا لمقام المحاسبة، ويُوظَّف مقام
الصبر أداة لإدامة الخلل بدل أن يكون سلّما لمقاومة الخلل؛ فيتحوّل الدّين من
ميزانٍ يردّ الظلم ويقيم الحقوق إلى مسكّنٍ اجتماعيّ وأداة تخدير تطلب من الفقير
أن يبتلع حريقه بصمتٍ "متعبد"، ويطلب من المظلوم أن يبتسم وهو يُسحق ثم
يُهدى إليه حديث القلب كي ينشغل عن حديث السّوق والسّلطة والنّهب والقرار.
فكلّما
ارتفعت الأسعار استحضرَ فريقٌ من الدّعاة والوعّاظ قصّة لأعرابيّ مسكين تتداولها
وسائل التّواصل الاجتماعيّ بكثرة وهي: "قيل لأعرابيّ: لقد أصبح رغيف الخبز
بدينار؛ فأجاب: واللهِ ما هَمَّني ذلك ولو أَصبَحَتْ حبّةُ القمحِ بدينارٍ فأنا
أَعبُدُ اللهَ كما أَمَرَنِي وهوَ يرزُقُني كما وعَدَنِي".
والمشكلة
هنا ليست في تذكير الناس بربّهم، فذكر الله تعالى حياةٌ للقلوب ولا في تثبيت
اليقين، واليقين روحُ المؤمن حين تضيق به الأسباب ولا في الدعوة إلى التوكّل،
فالتوكّل مقامٌ من مقامات العبادة القلبية العظيمة؛ المشكلة في "موضع"
الحكاية وفي "وظيفتها" حين تُدفع إلى المنبر في لحظةٍ يريد الناس فيها
ميزانا وعدلا ورفعا للضيم؛ فتأتي الحكاية كأنّها تقول للمسحوق: اكتم جرحك وامضِ
إلى بيتك ثم عد إلى السوق صامتا راضيا بكل هذا الغلاء الفاحش واصنع من صمتك عبادة.
يُرادُ
لهذا الأعرابيّ أن يكون هو نموذج المسلم الصّالح كلّما ارتفعت الأسعار وأحرق
الغلاء أكباد الشّعب المسكين. وهذا القول الذي قاله الأعرابيّ وإن كان فيه ترسيخٌ
لجانب الإيمان بالرّازق جلّ وعلا وترسيخ اليقين وتعزيز التّوكل على الله تعالى في
قضيّة الرّزق؛ غير أنّ استحضاره في إطار التّعامل مع الغلاء الفاحش النّاتج عن
السّياسات الكارثيّة وفشل المنظومات الحاكمة في إدارة المشهد الاقتصاديّ في ظلّ انقسام
المجتمع إلى طبقتين؛ طبقةٍ متنفّذة تعيش التّرف وتتقلب في الأموال المنهوبة وطبقةٍ
تمثّل الغالبيّة من الشّعب تعيش مسحوقة محطّمة همّها كيفيّة تحصيل قوت يومها، وفوق
هذا عليها هي وحدها أن تتقبّل هذا الغلاء وتطفئ نيران التدهور الاقتصادي بيقينها
البارد بأنّ الرّزق مقسوم ولو بلغ ثمن حبّة القمح دينارين فعليها ألّا تكترث ولا
تعبأ بذلك؛ فهذا ما هو إلا ضرب من الإجرام الفكريّ الذي يلبس ثوب الدّعوة إلى الله
تعالى.
هنا
تتبدّى الخديعة في أصفى صورها، إذ يُستدعى مقامٌ إيمانيّ جليل ليُستعمل في غير
موضعه ويُحمَّل الفقير وحده واجب إطفاء الحريق، بينما تُترك أسباب الحريق في مأمنٍ
من السؤال، فيتحوّل الغلاء من ظاهرةٍ تُقرأ بأدوات الاقتصاد والسياسة والفساد
والاحتكار إلى اختبارٍ روحانيّ يُطلب من الضحيّة وحدها أن تنجح فيه، وكأنّ العدالة
جزءٌ ثانويّ في الدّين، وكأنّ حفظ القوت شأنٌ هامشيّ في الشريعة، وكأنّ كرامة
الناس أمرٌ يُعوَّض عنه بكلمة وعظٍ ومشهد "أعرابي".
ومن
أخطر ما يصنعه هذا الاستدعاء أنّه يعيد ترتيب الحسّ الجمعي فهو يضع طاقة الغضب
الفطريّ في خانة السّخط الذي هو معصية لله تعالى، ويضع مطالبة الحق في خانة ضعف
الإيمان وغياب التوكّل على الله تعالى، ويضع نقد السياسات في خانة الاعتراض على
القدر؛ حتى يصبح المقهور خائفا من صوته متردّدا في شكواه مرتابا من فطرته التي
تطلب الإنصاف.
هذا
الأعرابيّ يمثّل إبرة تخدير يحقنها بعض الدّعاة والوعّاظ في عقول المسحوقين
وأرواحهم، ليحسبوا أنّ علاج هذا الواقع المُزري المتردّي عندهم وحدهم وعليهم هم
إيجاده واستعماله.
وهذه
الإبرة التخديريّة تعمل على أكثر من مستوى، فهي تُسكت الغضب المشروع وتُبدّل لغة
المطالبة بلغة الاستسلام، وتُحوّل الإحساس بالاختناق إلى صمتٍ يُسمّى أدبا ورضا
بالقدر، ثم تُعيد تعريف الدين تعريفا مشوها فهو دينٌ يُهذّب الفرد عن الاعتراض
ويترك المجتمع في قبضة الآكلين لأقوات الناس. ثم لا يكتفي هذا الخطاب بإسكات
الجائع بل يُقنعه أنّه مسؤولٌ عن شفائه وحده؛ فإن صبر نجح وإن تكلّم فشل، وإن طالب
بحقوقه خرج من مقام الإيمان وإن احتجّ على فساد السوق اتُّهم في قلبه.
ثم
تنشأ نتيجة أخطر، إذ يتعوّد المجتمع أن يرى الظلم مناخا طبيعيا لا قضية تحتاج إلى
المعالجة الجذريّة، وأن يرى الفساد قدَرا وليس جريمة اقتصاديّة وسياسيّة، وهنا
تتداعى بنية الوعي لقلب الموازين فتضعف الحسبة وتخفت النّخوة ويبهت معنى الأمر
بالمعروف في الشأن العام، ثم يصبح المنبر مكانا لتزيين الصّبر بدل إحياء العدل.
توظيفُ
هذا الأعرابيّ في الخطاب الدّعوي صرفٌ لأنظار المفتوك بهم عن سبب مشكلتهم الحقيقيّ
وعلاجها المنطقي، وإنّك لتعجب أن تزخرَ مواقع التّواصل الاجتماعيّ ومنابرُ بعض
الدّعاة بهذا الأعرابيّ، بينما يغيبُ تماما ذلك القول المنسوب لعليّ بن أبي طالبٍ
تارة ولأبي ذرّ رضي الله عنهما تارة أخرى وهو: "عجبتُ لمن لا يجد قوتَ يومه
كيف لا يخرج على النّاس شاهرا سيفه"!
وليس
المراد من هذا القول فتح باب الفوضى ولا إشعال الفتنة، بل المراد إيقاظ معنى خطير
يتمثل في أن القوت في ميزان الشرع ليس تفصيلا عارضا وكرامة الإنسان ليست هامشا
والجوع ليس موعظة تُلقى ثم تمضي، ولكنّه قضية عدلٍ تكمن في صميم الدين.
إنّ
الضمير حين يرى منابر الدعاة تُكثر من "الأعرابي" وتُغيّبُ من لغة
المسؤولية والمحاسبة يدرك أنّ جهة ما تريد إعادة هندسة الوعي؛ تريد إيمانا بلا
أثرٍ اجتماعي وتريد توكّلا بلا سعيٍ لإقامة القسط وتريد صبرا يمتصّ الألم دون أن
يردّ الظلم.
وهكذا
يصير "الأعرابي" في هذا الاستعمال علامة على انقلابٍ في الوظيفة الدعوية،
فبدل أن تكون الدعوة صوتا يحرس الضعفاء تتحول عند بعضهم إلى أداة تُطهّر الجلّاد
من المساءلة ثم تُلزم الضحية بحسن الظنّ في سكّينها، وحين يقبل المجتمع هذا المعنى
تتغير علاقته بالدين فيراه جدارا يكتم الأنفاس بدل أن يراه نورا يحرر من الاستعباد،
ويراه خطابا يطلب التحمّل المهين بدل أن يراه ميزانا يطلب الإنصاف.
إنّ
الدعوة حين تفقد شجاعتها في مواجهة ظلم القوت تفقد صدقها في قلوب الناس لأن الناس
قد يتحملون الوعظ في العبادات الفردية ثم ينكسرون حين يرون الدين يتراجع عند أبواب
الخبز والدواء والكرامة، وحين تلتبس المقامات بهذه الصورة يخرج جيلٌ يظن أنّ
الإيمان يعني إلغاء الحسّ بالعدل، وأن التقوى تعني تعطيل فطرة المقاومة، وأن الرضا
يعني إطفاء الأسئلة في القلب، ثم يصبح الدين عنده حكاياتُ "أعرابيّ"
جميلة تؤنسه وليس ميزانا يقوم به عالمه.
x.com/muhammadkhm
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.