عشر ذي الحجة.. موسم مراجعة النفس وتصحيح المسار

محمود مصطفى أبو محمود
"فيها موسم حج بيت الله الحرام، ركن الإسلام الخامس"- جيتي
"فيها موسم حج بيت الله الحرام، ركن الإسلام الخامس"- جيتي
شارك الخبر
تمرّ على الإنسان مواسم يكتشف فيها حجم المسافة بين ما يؤمن به وما يعيشه فعلا، وتأتي عشر ذي الحجة في مقدمة هذه المواسم؛ إذ لا تقتصر رسالتها على مضاعفة الأجور، بل تمتد لتكون محطة سنوية لمراجعة النفس وتصحيح المسار إلى الله وتجديد الصلة به سبحانه. فهي أيام تتجلى فيها حقيقة النفس الإنسانية بما يعتريها من ضعف وقوة، وغفلة ويقظة، وتقدّم وتراجع، إذ إن الإيمان يزيد وينقص، والعزم يقوى ويضعف، في حركة دائمة تستدعي المراجعة والتقويم.

هذه "العشر الأوائل من ذي الحجة" أيامٌ عظيمة نوّه الله سبحانه بشرفها، فأقسم بها في كتابه الكريم فقال: "وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ" (الفجر:1-2). وصحّ عن رسول الله ﷺ بأنها مستودع العمل الصالح وميدانه الأفضل الذي يفوق كل الميادين ثوابا وفضلا؛ فقد أخرج البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الرسول ﷺ قال: "مَا مِنْ أَيَّامٍ العَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ" -يعني العشر- قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: "وَلَا الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ".

وفيها موسم حج بيت الله الحرام، ركن الإسلام الخامس، ويوم عرفة المشهود الذي نبّه النبي ﷺ إلى فضله، فقال: "مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ فِيهِ عَبْدا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ" (رواه مسلم)، كما جاء في الحديث أن صيامه "يُكَفِّرُ السَّنَةَ المَاضِيَةَ وَالقَابِلَةَ" (رواه مسلم). وهذا كله يجعل من هذه العشر فرصة عظيمة لتكفير الذنوب، والانطلاق بروحٍ جديدة نحو الطاعة والاستقامة.

يبدأ الإنسان بتحديد موضع الخلل، ثم يعرض عمله على ميزان الشرع، ثم يقارن بين الواقع والمطلوب، حتى ينتهي إلى حكمٍ صادقٍ على نفسه، يعقبه عزمٌ على الإصلاح والتغيير

والناظر في حقيقة هذه الأيام بقلبٍ يقظ، يدرك أنها ميدان لمراجعة الذات وتقويمها، وهو ما يُعبَّر عنه في الفكر التربوي بمصطلح "التقويم الذاتي": أي إصدار الإنسان حُكما قيميا على ذاته وأفعاله وأفكاره ومشاعره وسلوكه وفق معايير الشرع، تعزيزا للصواب أو تصحيحا للخطأ. فتتحول الخبرة السابقة في هذا الإطار إلى تعلمٍ واعٍ، من خلال التأمل في الممارسات والآراء والمعتقدات، واستخلاص العبر منها لبناء مستقبل أكثر استقامة ونضجا.

وترتكز هذه المراجعة على أن يُجري المرءُ مع نفسه مصارحة صادقة محاسِبا، أو أن يستنصح غيرَه مُسترشدا؛ وهو مسلكٌ أصيلٌ دعت إليه نصوصُ الوحي، من خلال حثِّها المتكرر على التفكّر والنظر والتوبة والتزكية. ومن غابتْ عن برنامجه هذه المراجعةُ، كان مظنّةَ الوقوع في آفة الغفلة وفخِّ نسيان النفس، وهي حالٌ حذَّر الله منها بقوله: "نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ" (التوبة: 67).

ويشهد لهذا المعنى قوله تعالى: "قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا" (سبأ: 46)؛ فجعلت الآيةُ التفكّرَ الصادق موعظة جامعة تُوقظ القلب، وتدعو الإنسان إلى محاسبة نفسه في خلوةٍ وتجردٍ وإنصاف. يقول الإمام النسفي في تفسيره: "أمّا الاثنان فيتفكّران، ويعرض كلُّ واحدٍ منهما محصولَ فكره على صاحبه، وينظران فيه نظرَ الصدق والإنصاف، حتى يؤدّيهما النظرُ الصحيح إلى الحق. وكذلك الفردُ يتفكّر في نفسه بعدلٍ وإنصاف".

وترتكز المراجعة الذاتية في خطواتٍ متدرجة: يبدأ الإنسان بتحديد موضع الخلل، ثم يعرض عمله على ميزان الشرع، ثم يقارن بين الواقع والمطلوب، حتى ينتهي إلى حكمٍ صادقٍ على نفسه، يعقبه عزمٌ على الإصلاح والتغيير. وهنا يبرز أثرُ النفس اللوّامة التي أقسم الله بها تشريفا لها، وهي نفسٌ لا تزال توقظ صاحبها بالعتاب والتقويم: ما أردتَ بهذا؟ ولم فعلتَ هذا؟ وهل كان غيره أولى وأقرب إلى الحق؟

وفيما يلي توصيات لتطبيقات عملية في واقعنا المعاصر، تمس حالنا كأفراد، وتصلح شأن أسرنا ومجتمعاتنا:

أولا: المراجعة الفردية وبناء خلوة المحاسبة

تبدأ المراجعة الصادقة من الداخل؛ من لحظة يخلو فيها الإنسان بنفسه خلوة واعية، يراجع فيها نيته وعمله، ويزن بميزان الشرع، بعيدا عن ضجيج الحياة وتشويشها. وقد حرص السلف على هذا المعنى لاغتنام نفحات الطاعة، فقال عطاء بن أبي رباح: "إن استطعت أن تخلو بنفسك عشية عرفة فافعل"، إشارة إلى فضل الخلوة في يوم عرفة للتفكر والمراجعة، حيث تصفو النفس وتُبصر حالها ومآلها. ومن هنا تتحول هذه الخلوة -في أيام العشر- إلى لحظة تصحيح لا مجرد تأمل؛ يندم فيها الإنسان على تقصيره، ويعجل فيها بالأوبة، ويكسر دائرة التسويف، مستحضرا قول النبي ﷺ: "الندمُ توبةٌ" (رواه ابن ماجه، وأحمد).

وينعكس هذا الأثر على البيت المسلم؛ إذ يجلس الإنسان مع أهله في وقفةٍ هادئة، يتفقدون فيها أحوالهم الإيمانية والتربوية، فتغدو هذه المراجعات الهادئة مساحة لتجديد المودة والتراحم، وسدّ الثغرات التي تتسلّل منها الفتن المادية والرقمية إلى داخل الأسرة.

ثانيا: مراجعة الموقف العام وصدق الشهادة عند أهل العلم والتأثير

لا تقف المراجعة عند حدود الفرد وأسرته، بل تمتد إلى أهل العلم وأصحاب الكلمة والتأثير؛ أولئك الذين تتشكل من خطابهم مواقف الناس، ويُصاغ من توجيههم وعي المجتمعات.

وفي هذه الأيام المباركة يشتدّ سؤال الأمانة: هل بقيت المواقف منضبطة بميزان الحق والعدل، أم تسللت إليها حسابات الهوى والخوف والمصلحة؟ وهل يؤدي صاحب العلم رسالته في البيان كما أُمر، أم يثقل عليه ضغط الواقع فيميل إلى الصمت أو التردد أو المجاملة في موضع الحق؟ فقد حمّل الله أهل العلم أمانة البيان، فقال تعالى: "وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ" (آل عمران: 187)، وحثّ النبي ﷺ على الصدع بكلمة الحق عند الحاجة، فقال: "أفضلُ الجهاد كلمةُ عدلٍ عند سلطانٍ جائرٍ" (رواه أبو داود). وهنا تتحول المراجعة من معنى داخلي إلى مسؤوليةٍ علنيةٍ، تُترجم إلى موقفٍ وكلمةٍ وأداءِ أمانة.

ثالثا: المراجعة الثنائية.. منهج التناصح والتواصي

وتتسع المراجعة فتكون ثنائية أو جماعية متبادلة، تقوم على الصدق والتجرد؛ إذ لا يرى الإنسان عيوبه كاملة، كما قد تألف المجموعات والمؤسسات أخطاءها حتى تفقد الإحساس بخطورتها. ومن هنا تُستحضر قيمة التواصي بالحق بوصفه شرطا للنجاة الجماعية، قال تعالى: "وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ"، فجعل سبحانه النجاةَ مرتبطة بمنظومةٍ من التناصح لا تنفصل فيها الذات عن المجتمع.

رابعا: من مراجعة الفرد إلى إصلاح البيئة والمجتمع

وتمتدّ بركة المراجعة وآثارها إلى البيئة المحيطة؛ فصلاح الفرد لا ينفكّ عن صلاح محيطه الذي يوجّه سلوكه ويُثبّت استقامته. ومن هنا جاء الهدي النبوي في توجيه من أراد التوبة إلى الانتقال من بيئة السوء إلى بيئة الصلاح، كما في قصة قاتل المائة نفس حين قيل له: "انطلق إلى أرض كذا وكذا، فإن بها أناسا يعبدون الله فاعبد الله معهم"، فدلّ ذلك على أن تغيير المسار لا يكتمل إلا بتغيير المناخ الذي تُصنع فيه العادات وتتشكل فيه الاتجاهات. وفي ضوء ذلك تمتدّ آثار المراجعة إلى دوائر التأثير المختلفة: الصحبة، ومصادر التلقي، والمؤسسات التربوية والإعلامية والاجتماعية، وكل ما يصوغ الوعي ويؤثر في السلوك.

خامسا: المراجعة الذاتية: شجاعة الفيئة إلى الله والرجوع إليه
قيمة الإنسان لا تُقاس بالعصمة من السقوط، بل بسرعة النهوض بعده، وبصدق الانتقال من الذنب إلى التوبة، ومن التبرير إلى المواجهة. فلا يحتمل ميزان المراجعة التسويفَ ولا التأجيل

تكتمل منظومة المراجعة في عشر ذي الحجة بشجاعة الرجوع العملي عن الخطأ، لا بمجرد إدراكه أو الندم عليه؛ فالمراجعة الصادقة ليست وقوفا أو تردّدا عند انكشاف الزلل، بل هي انتقالٌ حاسم من طريقٍ إلى طريق، ومن حالٍ إلى حال، قال تعالى: "اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ" (البقرة: 257). وقد جسّد الصحابي كعب بن مالك رضي الله عنه هذا المعنى حين تخلّف عن غزوة تبوك بغير عذر، فلما وقف بين يدي النبي ﷺ لم يلجأ إلى التبرير أو تزييف الحقيقة، بل واجه خطأه بصدق، وأعلن توبته، وتحمّل تبعاتها، حتى أنزل الله في شأنه آياتٍ تتلى إلى يوم القيامة، قال تعالى: "وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ" (التوبة: 118).

والدرس التربوي هنا أن قيمة الإنسان لا تُقاس بالعصمة من السقوط، بل بسرعة النهوض بعده، وبصدق الانتقال من الذنب إلى التوبة، ومن التبرير إلى المواجهة. فلا يحتمل ميزان المراجعة التسويفَ ولا التأجيل؛ فهي لحظةُ صدقٍ مع النفس قبل أن تُطوى الصحائف، ولحظةُ رجوعٍ قبل أن يحين وقتٌ لا ينفع فيه ندمٌ ولا اعتذار.

وتبقى عشر ذي الحجة في كل عام لحظةَ فرزٍ لا تحتمل التردد: إمّا رجوعٌ صادقٌ يقطع مع ما قبله من زلل، ويبدأ به الإنسان صفحة جديدة مع الله، وإمّا إصرارٌ يراكم الغفلة حتى يثقل القلب وتغيب البصيرة. فارجع يا رعاك الله قبل أن تُطوى الصحائف، وقبل أن يأتي يومٌ لا ينفع فيه مالٌ ولا بنون إلا من أتى الله بقلبٍ سليم.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)