ليست
المعضلة في
الثقافة العربية -في تقديري- كامنة في "تخلّفٍ" موضوعيٍّ
يمكن عزله وتشخيصه كما تُشخَّص الظواهر الاجتماعية الباردة، بل في ذلك التواطؤ
الصامت الذي يمارسه المثقّف مع ذاته قبل أن يمارسه مع الواقع. فالسؤال الحقيقي
ليس: لماذا تخلّفنا؟ بل: كيف صار المثقّف جزءا من آلية إنتاج هذا التخلّف وهو يظنّ
نفسه خارجها؟
لقد
اعتدنا، ردحا طويلا من الزمن أن نُسند فشلنا إلى الخارج: استعمارٌ غادر، سياسةٌ
قاصرة، اقتصادٌ هشّ. وهي أسباب لا تُنكر، لكنها تحوّلت -بفعل التكرار- إلى خطاب
تبريريٍّ جاهز، يُريح المثقّف من عناء النظر في المرآة. وهنا تكمن المفارقة:
فالمثقّف الذي يُفترض أن يكون ضميرا نقديّا صار، في كثير من الأحيان، حارسا لخطابٍ
يُعفيه من مسؤوليته.
التخلّف،
بهذا المعنى، ليس حالة معرفية بل موقفٌ وجودي؛ هو عجز المثقّف عن أن يكون فاعلا،
لا لافتقاره إلى الأدوات، بل لافتقاره إلى الجرأة؛ جرأة الاعتراف بأن المعرفة التي
ينتجها قد لا تتجاوز حدود النخبة، وأن صوته -رغم ارتفاعه- لا يلامس نبض المجتمع.
إن أخطر ما في الأمر أن المثقّف العربي كثيرا ما يُتقن تحليل الأزمات، لكنه يعجز
عن مساءلة موقعه داخلها: هل هو ناقدٌ أم متفرّج؟ مُغيّرٌ أم مُفسّر؟
هل يمتلك المثقّف العربي الشجاعة ليعترف بحقيقته؟ أزعم أن بعضهم يفعل لكنهم قلّة؛ لأن الاعتراف هنا ليس مجرّد موقف أخلاقي، بل مخاطرة وجودية: أن يهدم الصورة التي بناها لنفسه، وأن يقبل بأن يكون جزءا من المشكلة قبل أن يدّعي أنه جزء من الحل
إنّ
المثقّف الذي يختبئ خلف اللغة المجرّدة والمصطلح الكثيف، دون أن يلامس الواقع،
إنما يُعيد إنتاج القطيعة بين
الفكر والحياة. وحين تنفصل الثقافة عن الفعل، تتحوّل
إلى ترفٍ ذهني، لا إلى قوّة تغيير؛ هنا يصبح "التخلّف" صفة للممارسة
الثقافية ذاتها، لا للواقع وحده.
ولا يمكن
لثقافةٍ تعيش أزمة في الصدق مع الذات أن تُنتج مثقّفا حقيقيّا، فالمثقف لا يُولد
من فراغ، بل من بيئةٍ تسمح بالنقد، وتحتمل الاختلاف، وتُكافئ الجرأة. لكن، في
المقابل، لا ينبغي للمثقّف أن ينتظر اكتمال الشروط ليبدأ؛ فدوره –أصلا- هو خلق هذه
الشروط، إنّه ليس نتاج البيئة فقط، بل أحد صُنّاعها.
من تجربتي
في البيئة المحلية، أجد أن المثقّف العربي يقف غالبا في منطقة رمادية: بين وعيٍ
عالٍ بالعطب، وعجزٍ عن الفعل؛ يكتب كثيرا، يُحلّل بإسهاب، لكنه يتردّد حين يتعلق
الأمر بالمواجهة: مواجهة السلطة، أو المجتمع، أو -وهو الأهم- مواجهة الذات، وهذا
التردّد هو الوجه الأكثر خفاء للتخلّف.
هل يمتلك
المثقّف العربي الشجاعة ليعترف بحقيقته؟ أزعم أن بعضهم يفعل لكنهم قلّة؛ لأن
الاعتراف هنا ليس مجرّد موقف أخلاقي، بل مخاطرة وجودية: أن يهدم الصورة التي بناها
لنفسه، وأن يقبل بأن يكون جزءا من المشكلة قبل أن يدّعي أنه جزء من الحل.
في
النهاية، لا يُقاس تقدّم الثقافة بكمّ ما تُنتجه من نصوص، بل بقدرتها على إنتاج
مثقّفٍ يملك شجاعة السؤال قبل امتلاك يقين الإجابة. وحين يستعيد المثقّف هذه
الشجاعة، فقط، يمكن أن نبدأ في الحديث عن تجاوز "التخلّف"- لا بوصفه
قدَرا تاريخيا، بل بوصفه خيارا يمكن العدول عنه.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.