تنحية كريم خان مؤقتاً.. هل يُعاقَب المدعي العام لأنه اقترب من غزة؟

محمود الحنفي
"خطورة التطورات الأخيرة لا تقف عند حدود شخص كريم خان أو مستقبله المهني، بل تمتد لتضرب فكرة "الردع القضائي" في مقتل"- الأناضول
"خطورة التطورات الأخيرة لا تقف عند حدود شخص كريم خان أو مستقبله المهني، بل تمتد لتضرب فكرة "الردع القضائي" في مقتل"- الأناضول
شارك الخبر
في الثامن من حزيران/يونيو 2026، دخلت المحكمة الجنائية الدولية منعطفاً هو الأكثر خطورة وحرجاً منذ تأسيسها بموجب نظام روما الأساسي، وذلك عقب إعلان مكتب جمعية الدول الأطراف، بأغلبية مؤهلة، قراراً يقضي بوقف المدعي العام للمحكمة كريم خان عن العمل مؤقتاً، وإحالة ملفه القضائي والمسلكي إلى جمعية الدول الأطراف للنظر في مصيره النهائي خلال دورة استثنائية مقبلة.

من الناحية السطحية، قد يحاول البعض حصر هذا التطور الصادم في سياق إجراء تأديبي داخلي، أو تحقيق جنائي مسلكي بحق مسؤول دولي يخضع للرقابة المؤسسية، غير أن التحليل القانوني الرصين الذي يرفض عزل النص عن بيئته السياسية وموازين القوة يرى في هذا القرار ما هو أبعد من ذلك بكثير. إنها معركة تكسير عظام سياسية واستراتيجية تخوضها القوى الكبرى وحلفاؤها لإعادة تشكيل مراكز القرار داخل مؤسسات العدالة الدولية، وتلقين قضاتها درساً قسرياً في الخطوط الحمر.

يأتي هذا الوقف المؤسسي ليتوج عاماً كاملاً من الضغوط الهائلة، والتهديدات الوجودية، والعقوبات المالية والإدارية المباشرة التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد المحكمة، وقضاتها، وموظفيها، منذ لحظة إعلان خان في أيار/مايو 2024 عن طلب إصدار أوامر توقيف بحق كبار المسؤولين الإسرائيليين بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في قطاع غزة. إن هذا المقال يسعى إلى تفكيك الوقائع الفنية لقرار الوقف، وربطه بمناخ الترهيب السياسي، واستقراء ازدواجية المعايير عند مقارنة هذا الملف بالسرعة الفائقة التي تم بها التعامل مع الملف الأوكراني.

أولاً: التكييف الفني لقرار الوقف.. حدود الصلاحيات والضمانات الإجرائية
قرار وقف خان لم يولد في بيئة قضائية معزولة وباردة، بل جاء نتاج مناخ سياسي خانق وموثق تعرضت فيه المحكمة الجنائية الدولية لحملة ترهيب ممهجة وغير مسبوقة في التاريخ الحديث

لقراءة المشهد بإنصاف وموضوعية أكاديمية، يجب أولاً تحرير الوقائع الفنية لقرار حزيران/يونيو 2026 لبيان الفارق بين الترتيب الإجرائي المؤقت وبين الحكم النهائي بالعزل:

1- طبيعة القرار والجهة المصدرة: إن القرار الصادر لم يصدر عن قضاة المحكمة، بل عن مكتب جمعية الدول الأطراف (Assembly of States Parties)، وهي الهيئة السياسية والرقابية المشرفة على المحكمة والمكونة من الدول الموقعة على نظام روما. القرار استند شكلياً إلى تقرير مكتب خدمات الرقابة الداخلية التابع للأمم المتحدة (OIOS)، وإلى تقييم قانوني قدمته لجنة مستقلة من الخبراء القضائيين الذين عكفوا على دراسة الملف والأدلة المنسوبة لخان منذ أشهر.

2- الفارق القانوني بين الوقف والعزل: من الناحية القانونية الصرفة، فإن الحديث الشائع في وسائل الإعلام عن "إقالة كريم خان" هو توصيف غير دقيق بالمعنى الإجرائي؛ فالمادة 46 من نظام روما الأساسي تحصر صلاحية "العزل النهائي" للمدعي العام في جمعية الدول الأطراف بكامل هيئتها ووفق شروط تصويت معقدة، في حين تجيز القاعدة 28 من القواعد الإجرائية للمحكمة اتخاذ تدبير مؤقت يقضي بـ"وقف المسؤول عن العمل" إلى حين حسم الإجراءات التأديبية. هذا الفارق ليس مجرد ترف شكلي، بل هو الجدار الإجرائي المفترض لحماية استقلالية المنصب من العزل السياسي المباشر السريع.

3- سياق الغياب المستمر: يجب ألا نغفل أن قرار حزيران/يونيو 2026 لم يطح بمدعٍ عام يمارس صلاحياته اليومية؛ إذ إن كريم خان كان قد أعلن تنحيه المؤقت والذاتي عن أداء مهامه منذ أيار/مايو 2025، تاركاً إدارة مكتب الادعاء العام لنائبيه وحالة من الشلل العملي غير المعلن. وبذلك، فإن القرار الأخير جاء ليمنح صبغة مؤسسية صلبة وعلنية لحالة استبعاد قائمة بالفعل، ويفتح الباب قانونياً أمام احتمال العزل التام أو التبرئة بناءً على ما ستسفر عنه الدورة الاستثنائية للجمعية.

ثانياً: مناخ الإرهاب السياسي.. كيف تُدار الضغوط على لاهاي وقضاتها؟

إن قراءة هذه التطورات الفنية بمعزل عن سياق الضغوط هو تسطيح لواقع القانون الدولي؛ فقرار وقف خان لم يولد في بيئة قضائية معزولة وباردة، بل جاء نتاج مناخ سياسي خانق وموثق تعرضت فيه المحكمة الجنائية الدولية لحملة ترهيب ممهجة وغير مسبوقة في التاريخ الحديث.

منذ اليوم الأول الذي تجرأ فيه مكتب الادعاء العام على الاقتراب من ملف غزة، تحولت المحكمة من مؤسسة دولية مدعومة غربياً إلى "هدف مشروع" للهجوم؛ فشملت الضغوط إجراءات تشريعية وعقوبات أمريكية مباشرة أقرتها واشنطن، استهدفت تقييد حركة القضاة والموظفين، وتجميد أصولهم المادية، وإلغاء تأشيرات دخولهم وعائلاتهم إلى الأراضي الأمريكية، فضلاً عن تلويح أعضاء في الكونغرس بفرض عقوبات اقتصادية شاملة على أي دولة تتعاون مع المحكمة في تنفيذ أوامر التوقيف المرفوعة ضد المسؤولين الإسرائيليين.

ولم تتوقف الضغوط عند الحدود الأمريكية، بل مارست إسرائيل عبر أجهزتها الاستخباراتية والدبلوماسية حملات ملاحقة واختراق، وتشويه سمعة طالت الطواقم الفنية للمحكمة وقضاتها في الدوائر التمهيدية؛ فجرت محاولات مستميتة للتشكيك في نزاهة القضاة بشكل فردي، وإجبار بعضهم على التنحي أو الاستقالة بدواعي "المرض" أو "تضارب المصالح"، لإعادة تشكيل الدوائر القضائية المكلفة بالنظر في طلبات التوقيف، بهدف إدخال الملف في نفق الطعون اللانهائية وإفراغه من محتواه.

وفي هذا السياق الضاغط، يصبح استمرار السرية المحيطة بجزء كبير من التحقيقات والتقارير الفنية المنسوبة لخان سبباً إضافياً للريبة الحقوقية؛ إذ يصعب على المراقب المستقل التحقق من مدى التناسب بين الوقائع المنسوبة إليه وبين تدبير الوقف الفوري، مما يعزز الفرضية النقذية بأن الشكاوى المسلكية جرى التقاطها وتضخيمها، وتوقيتها سياسياً لتشكل "المخرج الأنيق" للمجتمع الدولي للتخلص من مدعٍ عام أحدث حرجاً بالبنية الاستراتيجية للقوى الكبرى وحلفائها.

ثالثاً: فضيحة الازدواجية.. مقارنة نقدية بين غزة وأوكرانيا

تتجلى أزمة الشرعية والمصداقية الأخلاقية للمحكمة الجنائية الدولية في أبهى وأقسى صورها عند مقارنة المسار السلحفاتي والمليء بالمعوقات لملف غزة، بالمسار الخارق للسرعة الذي اتخذته المحكمة في الملف الأوكراني.

في ملف أوكرانيا، وبدعم لوجستي وسياسي ومالي معلن وضخم من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، تحرك المدعي العام كريم خان وباقي أجهزة المحكمة بسرعة قياسية لم تشهدها العدالة الدولية من قبل؛ فخلال أقل من عام واحد على اندلاع النزاع (من شباط/فبراير 2022 إلى آذار/مارس 2023)، زار خان مواقع الأحداث مراراً، وفُتحت المكاتب الميدانية، وضُخت التبرعات المالية الاستثنائية خارج الميزانية الاعتيادية للمحكمة، وصدرت أوامر توقيف دولية بحق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ومسؤولين آخرين بتهم تتعلق بنقل الأطفال بشكل غير قانوني. حينها، احتفى المجتمع الغربي بالمحكمة باعتبارها "الحصن المنيع للقانون الدولي والعدالة الناجزة".

أما عندما تعلق الأمر بملف غزة، حيث الجرائم موثقة ببث حي ومباشر على شاشات التلفزة، وامتدت لسنوات وعقود، انقلبت الآية تماماً؛ واجه مكتب الادعاء العام جدراناً من المنع من دخول الأرض المحتلة لجمع الأدلة، وتأخيراً متعمداً في التمويل، وضغوطاً بريطانية وأمريكية وغربية لسحب الاختصاص القضائي للمحكمة على الأراضي الفلسطينية بدعوى أن فلسطين ليست دولة كاملة السيادة.

هذه المفارقة الصارخة تثبت أن "العدالة الدولية" وفق المنظور المهيمن لا تتحرك بدافع القيمة الإنسانية المجردة لحماية الضحية، بل تتحرك كأداة سياسية؛ تكون "ناجزة وصارمة" عندما تخدم مصالح المعسكر الغربي ضد خصومه (روسيا)، وتتحول إلى "مترددة، ومكبلة بالشكليات، ومعرضة للإطاحة بمسؤوليها" عندما تقترب من مساءلة حلفاء هذا المعسكر (إسرائيل). إن وقف كريم خان في حزيران/يونيو 2026 هو النتيجة الحتمية لهذه المعادلة المختلة؛ حيث عُوقب الرجل -رغم خلفيته وسلوكه المحافظ تاريخياً- لأنه حاول لمرة واحدة مساواة ضحايا غزة بضحايا أوكرانيا في ميزان المحاسبة.

رابعاً: الأثر الردعي العكسي ومستقبل المساءلة الدولية

إن خطورة التطورات الأخيرة لا تقف عند حدود شخص كريم خان أو مستقبله المهني، بل تمتد لتضرب فكرة "الردع القضائي" في مقتل. فما هي الرسالة التي يبعث بها مكتب جمعية الدول الأطراف وقراراته الأخيرة إلى قضاة المحكمة الحاليين والمستقبليين؟

كشفت هذه الأزمة أن المحكمة الجنائية الدولية واجهت ما يمكن تسميته بـ"الانقلاب المؤسسي الصامت"؛ حيث جرى استغلال الأدوات واللوائح الداخلية القائمة على النزاهة والمسلكيات، لتحقيق غايات سياسية بحتة تخدم إدارة الأزمة وتأجيل المحاسبة وتبريد الضغط الحقوقي الدولي

الرسالة واضحة وصريحة: إن أي قاضٍ أو مدعٍ عام يتجرأ على تجاوز الخطوط الحُمر السياسية، أو يحاول جاداً تفعيل القانون الدولي ضد القوى المحصنة بالفيتو والدعم الأمريكي، سيجد نفسه محاصراً بالعقوبات، ومستهدفاً في سمعته، وموقوفاً عن عمله بموجب تحقيقات وتدابير تُصاغ بعناية خلف الكواليس. هذا النمط يؤسس لـ"أثر ردعي عكسي"؛ بدلاً من أن تردع المحكمة مجرمي الحرب، يرتدع القضاة عن أداء واجبهم، ويسود نوع من "الرقابة الذاتية الخائفة" داخل أروقة لاهاي، مما يجعل الدوائر التمهيدية أكثر تباطؤاً وتردداً في إصدار أي أوامر توقيف معلقة بملف فلسطين.

لقد كشفت هذه الأزمة أن المحكمة الجنائية الدولية واجهت ما يمكن تسميته بـ"الانقلاب المؤسسي الصامت"؛ حيث جرى استغلال الأدوات واللوائح الداخلية القائمة على النزاهة والمسلكيات، لتحقيق غايات سياسية بحتة تخدم إدارة الأزمة وتأجيل المحاسبة وتبريد الضغط الحقوقي الدولي.

في المحصلة، يثبت قرار وقف كريم خان في حزيران/يونيو 2026 أن المنظومة القضائية الدولية المعاصرة تعيش عجزاً بنيوياً قاتلاً؛ فعندما تتداخل الشكليات القانونية والتدابير المسلكية مع العقوبات السياسية الموثقة، يصبح من المستحيل الحديث عن قضاء دولي مستقل ونزيه بالكامل. لقد سقطت الأقنعة الفنية الجوفاء، وظهّرت الأزمة حقيقة أن الضحايا في العالم العربي وفلسطين لا يمكنهم رهن حقوقهم ودماء أطفالهم بآليات منظومة دولية يملك خصومهم مفاتيح تشغيلها وإيقافها.

إن العدالة التي تقف عاجزة أمام ترهيب القضاة وعزل المدعين العموم هي عدالة صورية مغيبة. تظل المعركة القانونية داخل المحكمة الجنائية الدولية ضرورية لتعرية هذا النظام وكشف عوراته، ولكنها يجب ألا تكون المسار الوحيد؛ إذ يتعين على الدول الداعمة للحقوق الإنسانية، والنخب القانونية المستقلة، تجاوز الرهان الحصري على لاهاي، والتوجه فوراً نحو تفعيل أدوات "الاختصاص القضائي العالمي" (Universal Jurisdiction) في المحاكم الوطنية للدول الشريفة، وفرض آليات المساءلة السياسية والاقتصادية والمقاطعة الشاملة، قبل أن ينجح الفيتو السياسي للقوى الكبرى في إغلاق آخر نافذة رمزية للعدالة الدولية وتحويلها إلى مجرد فرصة ضائعة لا يمكن استعادتها.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)