العدالة الرقمية بين الطموح الأممي والاستقطاب السياسي

محمود الحنفي
"برزت الحالة الفلسطينية بوصفها اختباراً حقيقياً لحدود العدالة الرقمية في بيئات الاحتلال والنزاعات"- جيتي
"برزت الحالة الفلسطينية بوصفها اختباراً حقيقياً لحدود العدالة الرقمية في بيئات الاحتلال والنزاعات"- جيتي
شارك الخبر
مثّلت الدورة السبعون للجنة وضع المرأة بالأمم المتحدة (CSW70) محطة دولية مهمة لمناقشة سبل تعزيز وصول النساء والفتيات إلى العدالة في ظل التحولات الرقمية المتسارعة. ولم تقتصر مداولات الدورة على قضايا المساواة التقليدية، بل امتدت إلى قضايا العدالة الرقمية وحوكمة الذكاء الاصطناعي وحماية الحقوق في البيئة الرقمية. وتكتسب الوثيقة الختامية للدورة أهمية خاصة لكونها تطرح معايير دولية جديدة في هذا المجال، في وقت تتزايد فيه التحديات السياسية والتمويلية والتكنولوجية التي تؤثر على مستقبل الحقوق الجندرية عالمياً.

أولاً: تسييس الحقوق الجندرية والضغوط المؤسسية داخل الأمم المتحدة

يُظهر التتبع النقدي لمسار المفاوضات داخل الدورة السبعين للجنة وضع المرأة تراجعاً واضحاً في مبدأ التوافق الدولي الذي طبع أعمال اللجنة خلال العقود الماضية. فقد جرى التصويت على وثيقة "الاستنتاجات المتفق عليها" في سابقة لافتة، حيث أيدتها سبع وثلاثون دولة، مقابل امتناع ست دول ومعارضة الولايات المتحدة الأمريكية وحدها. ويعكس هذا الانقسام تحولاً في السياسة الخارجية الأمريكية في ظل إدارة ترامب، التي سبقت أعمال الدورة بالانسحاب من هيئة الأمم المتحدة للمرأة ومجلسها التنفيذي، انطلاقاً من مقاربة محافظة أعادت النظر في عدد من القضايا المرتبطة بالمساواة الجندرية والحقوق الإنجابية.

التحدي الحقيقي لا يكمن في إدخال التكنولوجيا إلى منظومة العدالة فحسب، بل في ضمان خضوعها لمبادئ سيادة القانون والشفافية والمساءلة، بما يمنع تحول الخوارزميات من أدوات مساعدة للعدالة إلى مصادر جديدة للتمييز أو الانتهاك الحقوقي

وتجسد هذا التوجه داخل المفاوضات من خلال تقديم الوفد الأمريكي ثمانية تعديلات رُفضت جميعها، استهدفت حذف مصطلحات مرتبطة بالصحة الجنسية والإنجابية والحد من الإشارات التنظيمية المتعلقة بالذكاء الاصطناعي. وعقب فشل تلك التعديلات، سعت واشنطن إلى تأجيل مناقشة الوثيقة أو سحبها، قبل أن تصوت ضدها وتدعم مقترحات تدعو إلى تعريف أكثر تضييقاً للنوع الاجتماعي.

ولم تقتصر تداعيات هذا الاستقطاب على الجانب الدبلوماسي، بل امتدت إلى البنية المؤسسية والتمويلية للمنظومة الدولية المعنية بحقوق المرأة. فقد طُرحت ضمن مبادرة "الأمم المتحدة 80" (UN80) الهادفة إلى خفض النفقات مقترحات لدمج هيئة الأمم المتحدة للمرأة مع صندوق الأمم المتحدة للسكان (UNFPA). ورغم تقديم هذه المقترحات باعتبارها خطوات لتعزيز الكفاءة الإدارية، فإن العديد من الحقوقيين ومنظمات المجتمع المدني حذروا من انعكاساتها المحتملة على استقلالية البرامج المتخصصة ومستوى الحضور السياسي والتمويلي للملفات المرتبطة بحقوق المرأة والصحة الإنجابية.

كما شهدت الدورة نقاشاً أوسع حول تأثير السياسات التمويلية على الأجندة الحقوقية الدولية، في ظل تقليص برامج المساعدات الأمريكية وتطبيق ما يُعرف بـ"قاعدة الحظر العالمي" (Global Gag Rule)، إلى جانب توجيه جزء من الدعم نحو منظمات مسيحية محافظة، من بينها "التحالف للدفاع عن الحرية" (Alliance Defending Freedom) و"فاميلي ووتش إنترناشيونال" (Family Watch International). وقد ترافقت هذه التطورات مع تحديات أخرى تمثلت في صعوبة مشاركة بعض الناشطات والقيادات النسوية، ولا سيما من دول الجنوب العالمي، نتيجة القيود المرتبطة بإجراءات التأشيرات.

ورغم هذه الضغوط السياسية والمالية، شهدت الدورة مشاركة واسعة للمجتمع المدني، حيث حضر أكثر من 4600 ممثلة وممثل، ونُظمت أكثر من 750 فعالية موازية ناقشت العقبات الاقتصادية والاجتماعية والجغرافية التي لا تزال تعيق وصول النساء والفتيات إلى العدالة على قدم المساواة.

ثانياً: العدالة الرقمية بين الفرص والمخاطر

بالرغم من هذه الرياح المعاكسة، استطاعت الاستنتاجات المتفق عليها للدورة السبعين وضع معايير دولية جديدة تهدف إلى تطوير أنظمة قضائية مستجيبة للنوع الاجتماعي وقادرة على مواجهة تحديات البيئة الرقمية. وتكمن الأهمية القانونية للوثيقة في ترسيخ مفهوم "العدالة الرقمية" وحوكمة الذكاء الاصطناعي، مع إلزام الدول الأعضاء بتسخير التكنولوجيا لسد الفجوة الرقمية الجندرية، مع الحفاظ على القنوات القضائية التقليدية كبدائل تضمن عدم إقصاء النساء والفتيات في المناطق الريفية والنائية.

كما دعت الوثيقة إلى تطوير أطر قانونية وتنظيمية لحوكمة منصات العدالة الرقمية، تشمل حماية البيانات الشخصية، وتعزيز الشفافية والمساءلة الخوارزمية، ومنع تضمين التحيزات الجندرية في تصميم أو تشغيل الأنظمة الرقمية المستخدمة في التقاضي والوساطة. كذلك أقرت بالدور المتنامي للجرائم الإلكترونية الموجهة جندرياً، مطالبةً الدول باتخاذ تدابير فعالة لمكافحة العنف القائم على النوع الاجتماعي المسهّل بالتكنولوجيا، وملاحقة مرتكبيه، وضمان التزام مطوري التكنولوجيا والشركات التجارية بمبادئ العناية الواجبة وحقوق الإنسان.

وتؤسس الوثيقة لمجموعة من المبادئ الحقوقية المرتبطة بالتحول الرقمي، أبرزها تعزيز المساواة الرقمية، وضمان الوصول المتكافئ إلى خدمات العدالة والتعلم الرقمي، ومراجعة الخوارزميات المستخدمة في الأنظمة القضائية لمنع الممارسات التمييزية. كما شددت على مواجهة المخاطر الناشئة، بما في ذلك التزييف العميق والابتزاز الإلكتروني والمراقبة والتعقب الرقمي، ودعت إلى تشجيع الابتكار الأخلاقي وتطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي ضمن أطر تحترم الخصوصية والحقوق الأساسية وتعزز المشاركة المتوازنة في تصميم التكنولوجيا.

ثالثاً: الذكاء الاصطناعي والتحيز الخوارزمي: تحديات العدالة الرقمية

امتد النقاش النظري حول العدالة الرقمية خلال الدورة السبعين للجنة وضع المرأة إلى تطبيقات عملية عُرضت في عدد من الفعاليات الجانبية. ففي إحدى المبادرات التي نُظمت في باراغواي بالتعاون مع مصرف التنمية لأمريكا اللاتينية والكاريبي (CAF)، جرى استعراض مجموعة من الحلول التقنية الهادفة إلى تعزيز حماية النساء وتسهيل وصولهن إلى العدالة، بما في ذلك تطبيقات للذكاء الاصطناعي تساعد في رصد حالات الاستغلال والاحتيال، وأدوات رقمية لتسهيل تقديم الشكاوى وتسريع الإجراءات القضائية في قضايا العنف الأسري، فضلاً عن تقنيات تساهم في توثيق الأدلة وتسهيل التواصل مع الجهات المختصة.

غير أن هذه التطبيقات تطرح في المقابل تساؤلات حقوقية وقانونية متزايدة. فإسناد بعض وظائف العدالة إلى خوارزميات غير خاضعة لرقابة بشرية وقضائية كافية قد يؤدي إلى إعادة إنتاج التحيزات القائمة داخل الأنظمة القانونية والأمنية بصورة رقمية يصعب اكتشافها أو الطعن فيها. كما أن استخدام الذكاء الاصطناعي التنبؤي في المجالات الجنائية والمدنية يثير مخاوف مرتبطة بالخصوصية وحماية البيانات وإمكانية تحول بعض المنصات إلى أدوات للمراقبة والتتبع.

ومن ثم، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في إدخال التكنولوجيا إلى منظومة العدالة فحسب، بل في ضمان خضوعها لمبادئ سيادة القانون والشفافية والمساءلة، بما يمنع تحول الخوارزميات من أدوات مساعدة للعدالة إلى مصادر جديدة للتمييز أو الانتهاك الحقوقي. ويكشف ذلك أن التحدي لم يعد مقتصراً على إتاحة التكنولوجيا، بل أصبح مرتبطاً بضمان عدالة الخوارزميات ذاتها ومنع تحولها إلى مصدر جديد للتمييز والإقصاء.

رابعاً: حدود العدالة الرقمية في بيئات الاحتلال والنزاعات

لم تقتصر هذه المبادرات على قارة أمريكا اللاتينية، بل تداخلت مع جهود دولية وإقليمية موازية. فقد نظمت المملكة المغربية في العاشر من آذار/مارس فعالية رفيعة المستوى تحت عنوان "وصول النساء ضحايا العنف إلى العدالة.. رافعة لتعزيز الحقوق والتنمية الشاملة"، ركزت فيها على معالجة العوائق الهيكلية التي تحد من وصول النساء إلى منظومة العدالة.

وعربياً، قادت اللجنة الوزارية للمرأة التابعة لجامعة الدول العربية برئاسة وفاء بني مصطفى جهوداً لتعزيز مفهوم العدالة الرقمية وصياغة أطر تنظيمية للذكاء الاصطناعي تراعي الكرامة الإنسانية والحقوق الأساسية. كما استعرضت دول مجلس التعاون الخليجي تجاربها في رقمنة الخدمات القضائية وتطوير البنية التحتية التكنولوجية بما يسهم في تسهيل الوصول إلى العدالة وتعزيز مشاركة المرأة في الحياة العامة.

غير أن التجربة الفلسطينية تكشف بوضوح أن فعالية العدالة الرقمية تبقى مرتبطة بالسياق السياسي والقانوني الذي تعمل ضمنه. فالتكنولوجيا، مهما بلغت درجة تطورها، لا تستطيع وحدها تجاوز آثار الاحتلال أو تعويض غياب الحماية القانونية والمؤسسية الفعالة.

وفي هذا السياق، برزت الحالة الفلسطينية بوصفها اختباراً حقيقياً لحدود العدالة الرقمية في بيئات الاحتلال والنزاعات. فقد شدد خبراء لجنة الحقوق غير القابلة للتصرف للشعب الفلسطيني؛ على أن وصول المرأة الفلسطينية إلى العدالة لا يمكن فصله عن إنهاء الاحتلال ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي.

وتتجلى هذه الحقيقة بصورة أكثر وضوحاً في قطاع غزة، حيث تواجه النساء والفتيات أوضاعاً استثنائية نتيجة الحرب والتهجير القسري وفقدان المأوى وتدمير البنية التحتية المدنية والخدمات الأساسية، بما في ذلك المؤسسات القضائية والتعليمية والصحية. وفي مثل هذه الظروف، تصبح العدالة الرقمية أداة مساندة لا بديلاً عن الحماية الفعلية على الأرض، إذ إن الحق في الوصول إلى العدالة يفترض أولاً توافر الأمن الشخصي والحد الأدنى من الخدمات الأساسية، وضمان احترام قواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان.

تتجلى هذه الحقيقة بصورة أكثر وضوحاً في قطاع غزة، حيث تواجه النساء والفتيات أوضاعاً استثنائية نتيجة الحرب والتهجير القسري وفقدان المأوى وتدمير البنية التحتية المدنية والخدمات الأساسية، بما في ذلك المؤسسات القضائية والتعليمية والصحية

وتكشف هذه التباينات الإقليمية أن مفهوم العدالة يكتسي أبعاداً محلية وسياقية مختلفة؛ فحيثما تكون المؤسسات القضائية مستقرة يمكن للتكنولوجيا أن توسع فرص الوصول إلى العدالة، أما في البيئات الخاضعة للاحتلال أو المتأثرة بالنزاعات والكوارث الإنسانية، فإن الأولوية تبقى لتأمين الحماية والإنصاف والمساءلة قبل الانتقال إلى مراحل التحول الرقمي المتقدمة.

كما أن مراجعة القوانين التمييزية المرتبطة بقوانين الأسرة والزواج المبكر والقسري والحقوق الاقتصادية ومكافحة العنف الأسري تظل أولوية تشريعية لا غنى عنها. وفي هذا السياق، يكتسب الاعتراف المتزايد بدور "المساعدين القضائيين والعاملين القانونيين المجتمعيين" (Paralegals) أهمية خاصة، نظراً لدورهم في ربط الفئات المهمشة بالمنظومة القانونية وتعزيز الوصول إلى الحقوق. وهو ما يؤكد أن العدالة الحقيقية لا تبدأ وتنتهي في الفضاء الرقمي، بل تقوم على تكامل التكنولوجيا مع الإصلاح القانوني والحماية الاجتماعية والكرامة الإنسانية على أرض الواقع.

الخاتمة

تُظهر الدورة السبعون للجنة وضع المرأة أن العدالة الرقمية وحوكمة الذكاء الاصطناعي أصبحتا جزءاً أساسياً من الأجندة الدولية لحقوق الإنسان، وأن التحول الرقمي يحمل فرصاً مهمة لتعزيز وصول النساء والفتيات إلى العدالة، لكنه يطرح في الوقت نفسه تحديات قانونية وأخلاقية متزايدة تتعلق بالخصوصية والشفافية والتمييز الخوارزمي. غير أن نجاح هذه الرؤية يظل مرهوناً بقدرة المجتمع الدولي على مواجهة الانقسامات السياسية والضغوط التمويلية، وضمان استقلال المؤسسات الأممية المتخصصة، وإخضاع أنظمة الذكاء الاصطناعي لرقابة حقوقية فعالة.

كما أن العدالة الرقمية لا يمكن أن تشكل بديلاً عن الإصلاحات التشريعية والبنيوية المطلوبة، ولا عن معالجة واقع الاحتلال والنزاعات والتمييز القانوني. وعليه، فإن بناء منظومة عدالة منصفة ومستدامة يقتضي الجمع بين التطور التكنولوجي، وحماية حقوق الإنسان، وتعزيز سيادة القانون، بما يضمن الكرامة والمساواة والوصول الفعلي إلى العدالة للجميع.

وتؤكد هذه التحولات أن معركة العدالة في القرن الحادي والعشرين لن تُحسم داخل قاعات المحاكم التقليدية فحسب، بل ستُخاض أيضاً في فضاءات البيانات والخوارزميات والذكاء الاصطناعي.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)