كيف تدير إسرائيل معركتها القانونية الدولية؟

محمود الحنفي
الأناضول
الأناضول
شارك الخبر
شكّل الأمر الإجرائي الأخير الصادر عن محكمة العدل الدولية، والمتعلق بتمديد المهل الزمنية لتبادل المذكرات المكتوبة والفصل في الدفوع الأولية (Preliminary Objections) الإسرائيلية، صدمة في الأوساط الحقوقية الدولية؛ إذ يعني ترحيل البت القضائي في الاختصاص وفي جوهر دعوى الإبادة الجماعية إلى مشارف عام 2029. غير أن هذا التطور لا يمكن فهمه بوصفه مجرد نتيجة لبطء العدالة الدولية، بل يكشف عن استراتيجية إسرائيلية متكاملة لإدارة المواجهة القانونية، تقوم على توظيف الإجراءات القضائية وآليات التقاضي الدولية كأدوات للمناورة وكسب الوقت.

فمنذ اندلاع هذه المواجهة القضائية، اختارت إسرائيل الانخراط الكامل في المعركة القانونية أمام المحاكم الدولية، مستندة إلى منظومة مؤسساتية متخصصة تجمع بين الدبلوماسية القانونية، والدفاع الإجرائي، والهندسة العملياتية، بهدف الحد من آثار المساءلة الدولية وتعطيل تحولها إلى نتائج عملية. ومن هنا يبرز السؤال الجوهري: كيف تدير إسرائيل معركتها القانونية الدولية؟

هندسة الاشتباك الإجرائي الإسرائيلي:

إن هذا التحول البراغماتي الإسرائيلي من خيار الانكفاء أو القطيعة المؤسسية إلى خيار "الاشتباك الإجرائي الكامل" لم يكن وليد اللحظة، بل يمثل تفعيلاً لمنظومة دفاعية استراتيجية مأسستها الدولة العبرية على مدار عقود لضمان الحصانة الفنية والعملياتية لقادتها وجيشها. وتقوم هذه الهندسة الدفاعية على الموازنة الدقيقة بين خطين متوازيين: الأول دفاعي تكتيكي أمام محكمة العدل الدولية يسعى لتمييع الالتزامات ونزع الاختصاص، والثاني هجومي ردعي أمام المحكمة الجنائية الدولية يسعى لشل فاعلية الادعاء العام والضغط على شخوصه وقراراته.

ولفك شفرة هذه البنية الهندسية المتكاملة ونزع الغطاء عن أدواتها التنفيذية ومطابخها الاستشارية، يمكن قراءة وتفكيك الخطوط الاستراتيجية الإسرائيلية عبر ثلاثة محاور رئيسة:

أولاً: استراتيجية الإغراق الإجرائي وأدوات المناورة أمام محكمة العدل الدولية

حينما أصدرت محكمة العدل الدولية تدابيرها المؤقتة الأولى، وألزمت إسرائيل بتقديم تقارير دورية تبين مدى التزامها بمنع أعمال الإبادة الجماعية وتسهيل دخول المساعدات الإنسانية، ظهر تباين واضح بين الخطاب السياسي والإعلامي الموجه للداخل الذي يهاجم المحكمة، وبين الأداء الإجرائي على أرض الواقع؛ حيث تحرك جهاز قانوني عالي المستوى لتطبيق استراتيجية يُطلق عليها في فقه التقاضي الدولي الإغراق الإجرائي أو التكتيكي. يقوم هذا التكتيك المحترف على تقديم آلاف الصفحات المليئة بالتفاصيل العسكرية الدقيقة، والأوامر العملياتية الداخلية، والخطط الفنية المزعومة لإجلاء المدنيين وتوزيع المساعدات، وليس الهدف الأساسي من هذا الكم الهائل إقناع القضاة بعدالة الموقف، بل إثقال كاهل قلم المحكمة وقضاتها بملفات ضخمة تتطلب شهوراً وموارد هائلة لفحصها والرد عليها، مما يسهم في تمطيط السقف الزمني للمحاكمة، وتشتيت المجهود القانوني للادعاء، وكسب الوقت لصالح العمليات العسكرية المستمرة على الأرض.

بالتوازي مع هذا الإغراق، تسعى الدفوع باستمرار إلى إزاحة النقاش من الإطار العام لاتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948 والتي تتطلب إثبات النية الخاصة لتبديد أو تدمير الجماعة، وتحويله إلى نقاش تفصيلي معقد حول قانون النزاعات المسلحة، ومن خلال التركيز على مفاهيم مثل الضرورة العسكرية، والتناسب، والدروع البشرية، تحاول إسرائيل تحويل الجريمة الكبرى من إبادة جماعية إلى مجرد أضرار جانبية مرافقة لعمليات عسكرية مشروعة وفق منظورها الفني، مما يعكس وعياً بأن كسب المعركة الإجرائية أو تعليقها في دوامة التفسيرات الفقهية هو خط الدفاع الاستراتيجي الأول لمنع صدور حكم نهائي بالإدانة.

ثانياً: غرف العمليات القانونية ومأسسة "القانون العملياتي" بين الخارجية والدفاع

إن هذا الأداء الهندسي المتكامل في مواجهة القضاء الدولي لا يعود إلى الصدفة، بل هو نتاج مأسسة قانونية صلبة تم بناؤها وتطويرها على مدار عقود لتكون ذراعاً استراتيجياً موازياً للمؤسستين العسكرية والاستخباراتية. وتدار هذه اللعبة عبر مطابخ رئيسية تتصدرها دائرة القانون الدولي بوزارة الخارجية الإسرائيلية (International Law Department) التي تقود الدبلوماسية القانونية الاستباقية عبر بعثتها المستقرة في لاهاي، ومن خلال منصات رقمية متخصصة تمد المجتمع الأكاديمي الدولي وصناع القرار في الغرب بتقارير فنية تضفي شرعية على الرواية السياسية، فضلاً عن التنسيق مع دول كبرى ومنظمات حقوقية حليفة لتقديم مذكرات للمحاكم بصفتها أطرافاً ثالثة أو أصدقاء للمحكمة، للطعن في الاختصاص وتخفيف العبء المباشر.

بالموازاة مع الدور الدبلوماسي، تشكل وزارة الدفاع والجيش المطبخ الحقيقي للهندسة القانونية الميدانية من خلال دائرة القانون الدولي التابعة لهيئة النيابة العسكرية العامة (International Law Division) تحت إشراف النائب العسكري العام (Military Advocate General)؛ حيث يتم دمج مستشارين قانونيين في غرف التخطيط العملياتي وسلاح الجو لمنح غطاء قانوني مسبق لضرب الأهداف الحساسة كالمستشفيات والمدارس، عبر صياغة مذكرات تبرر تحويل صفة العين المدنية إلى هدف عسكري مشروع استناداً إلى تفسيرات ملتوية للاستخدام المزدوج. كما يتولى قسم الشؤون الاستراتيجية صياغة ملفات ضخمة تُبرز التحقيقات الداخلية التي يجريها الجيش في الانتهاكات، ليس بغرض المحاسبة بل لاستخدامها كدرع دفاعي متين أمام المحكمة الجنائية الدولية لإثبات أن الدولة تمتلك نظاماً قضائياً فاعلاً وقادراً على التحقيق بنفسه، وبالتالي قطع الطريق على اختصاص المحكمة الدولية ومبدأ الولاية القضائية المكملة وفقاً لنظام روما الأساسي.

ويهندس هذا التناغم كلياً الفريق الوزاري والقانوني المشترك لإدارة الإجراءات القضائية الدولية (The Inter-Ministerial Team for International Legal Proceedings) الذي تترأسه وزارة العدل بالتعاون مع مجلس الأمن القومي، لصياغة التقارير الدورية الموجهة للاهاي بروح تدمج التبريرات الأمنية بالتكييفات الفقهية.

ثالثاً: معركة الجنائية الدولية واستراتيجية شل فاعلية الادعاء العام

وعلى الجانب الآخر من لاهاي، اتخذ الصراع القانوني طابعاً أكثر حدة وشخصية في أروقة المحكمة الجنائية الدولية؛ إذ مثل طلب المدعي العام كريم خان استصدار مذكرات اعتقال بحق مسؤولين إسرائيليين خطوة غير مسبوقة استهدفت دولة محصنة تاريخياً من الملاحقة الجنائية الدولية، مما استدعى هجوماً مزدوجاً تداخلت فيه الدبلوماسية والنيابة العسكرية للطعن الصارم في الاختصاص والولاية القضائية مستندة إلى مبدأ التكاملية، ومجادلة بأن المحكمة تسرعت في طلب المذكرات قبل استنفاد المسارات القضائية الوطنية، ومستغلة الثغرات الإجرائية المتصلة باتفاقيات أوسلو والولاية القانونية على الأراضي الفلسطينية لتعليق القرار في دهاليز الغرف التمهيدية للمحكمة.

ولم تقتصر الاستراتيجية على الدفوع القانونية المكتوبة، بل تعدتها إلى حملة سياسية واستخباراتية شرسة لتشويه مصداقية المدعي العام كريم خان والمحكمة بأكملها عبر اتهام مسار التحقيق بالتحيز الأيديولوجي ومعاداة السامية، وتفعيل الضغط الأمريكي الحليف عبر التهديد بفرض عقوبات مالية وقانونية على مسؤولي المحكمة وعائلاتهم، علاوة على استغلال وتضخيم أي ثغرات مهنية أو إجرائية أو ادعاءات شخصية تثار داخل أروقة المحكمة لإضعاف موقف المدعي العام سياسياً وأخلاقياً، مما أدى إلى إبطاء ديناميكية إصدار المذكرات، ووضع المحكمة بأكملها تحت ضغط وجودي هائل شل فاعليتها لفترات طويلة وعلق قراراتها في أروقة الصراع بين النص القانوني ونفوذ القوة.

رابعاً: الأتمتة القانونية والذكاء الاصطناعي كأداة للدفاع الاستباقي

ولم تعد الهندسة القانونية الإسرائيلية مرتهنة للأطر البيروقراطية أو المستندات الورقية التقليدية فحسب، بل جرى رفدها في الآونة الأخيرة بمنظومة أتمتة قانونية فنية فائقة الخطورة، من خلال دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي (AI) في صياغة الدفاع الاستباقي. وتقوم هذه الاستراتيجية الرقمية على توظيف الخوارزميات العسكرية لإنشاء "ملف تبريري قانوني فوري ومؤتمت" يصاحب كل هدف ميداني، حيث تدمج هذه البرمجيات حسابات "التناسب" و"الضرورة العسكرية" والمنفعة المرجوة تزامناً مع أمر الضغط على الزناد؛ والهدف الحقيقي من هذا التوثيق الرقمي الفوري ليس ضبط العمليات الميدانية، بل توفير "حصانة أرشيفية" مسبقة وضخمة تُقذف في وجه لجان التحقيق والادعاء الدولي لإثبات غياب النية الجنائية العشوائية.

علاوة على ذلك، تُسهم أدوات التوليد المستندي الرقمي في تسريع وتيرة إنتاج التقارير الفنية والردود الفقهية المعقدة بمرونة وسرعة قياسية، مما يمنح ماكينة الدفاع تفوقاً تقنياً يدعم استراتيجية الإغراق المستندي ويُعزز القدرة على "تمغيط" السقف الزمني في لاهاي.

المكتسبات الحقوقية في مواجهة هندسة التعطيل

إن القراءة البنيوية المعمقة لهذه الهندسة الإجرائية والمؤسسية الإسرائيلية لا تعني بأي حال من الأحوال التسليم بنجاحها المطلق، بل تستوجب وضعها في ميزان التقييم الاستراتيجي لمعرفة حدود فاعليتها أمام الزخم القانوني المضاد؛ فالتحصن بالثغرات الفنية والتعطيل الممنهج يقابله ديناميكية حقوقية دولية أحدثت تصدعات بنيوية غير مسبوقة في جدار الشرعية الدولية للكيان المتهم. ومن هنا يبرز جوهر التقييم ومآلات هذا الاشتباك من خلال المحورين التاليين:

أولا: الإنجازات الحقوقية المكتسبة في مقابل الهندسة الإجرائية للمواجهة

إن هذا التشخيص الواقعي للسلوك المؤسسي الإسرائيلي المتمرس، لا ينبغي بأي حال من الأحوال أن يُفهم منه التقليل من حجم وعمق الإنجازات التاريخية التي حققتها الحركة الحقوقية الدولية ودول الجنوب العالمي وعلى رأسها جنوب أفريقيا، إذ إن مجرد جلوس إسرائيل في مقعد المتهم بجريمة الإبادة الجماعية يمثل تحولاً قانونياً ونظامياً هائلاً كسر قواعد الاشتباك التقليدية التي سادت لعقود في بيئة القانون الدولي، وأسهم في كسر الحصانة القانونية المطلقة وإسقاط سردية الدفاع الشرعي التي تحصنت خلفها طويلاً، لتبدأ مرحلة جديدة تخضع فيها العقيدة العسكرية الإسرائيلية وسياساتها الاستيطانية لتشريح علني أمام أعلى هيئة قضائية في العالم، مما استبدل الحصانة التاريخية بمساءلة دولية حقيقية تمس جوهر شرعية العمليات العسكرية وسياسات الحصار.

كما يتجلى هذا التحول في التوثيق القضائي للتاريخ وحفظ الذاكرة القانونية، حيث يُعد قبول محكمة العدل الدولية الأولي للدعوى، وإقرارها بوجود خطر حقيقي يهدد الحقوق المحمية للفلسطينيين، توثيقاً قانونياً رسمياً سيبقَى مرجعاً ثابتاً وغير قابل للمحو يحمي السردية التاريخية للضحايا من التزييف، ويؤسس لأرضية صلبة يمكن البناء عليها في أي مسارات محاسبة أو تعويضات مستقبلية بصرف النظر عن التعطيل الإجرائي الراهن، بالتوازي مع تآكل الشرعية الدولية والدعم الأخلاقي في الفضاء الغربي وإحداث شرخ عميق في الجبهة الداعمة لها، مما غيّر مواقف الرأي العام العالمي وحفّز حركات المقاطعة وسحب الاستثمارات بناءً على مسوغات قانونية صادرة من لاهاي، لتتحول الإدانات الحقوقية من مجرد شعارات سياسية إلى مستندات قانونية تعتمد عليها المحاكم المحلية في بعض الدول الغربية لوقف تصدير السلاح، مما نزع الشرعية الأخلاقية والسياسية عن ممارسات الدولة المتهمة بشكل غير مسبوق.

ثانيا: كيف تستثمر إسرائيل ثغرات النظام القانوني الدولي؟

تُظهر المعطيات الحالية أن إسرائيل تتعامل مع القانون الدولي وفق فلسفة الذريعة الإجرائية؛ فهي لا تؤمن بشرعيته الأخلاقية عندما يدينها، لكنها تستخدم أدواته ببراعة هندسية لتعطيل مفاعيله. إنها تدرك أن المنظومة الدولية تفتقر إلى سلطة تنفيذية مركزية جبارة قادرة على فرض الأحكام قسرياً في ظل وجود حق النقض (الفيتو) الأمريكي في مجلس الأمن. بناءً على ذلك، يصبح الهدف الإسرائيلي الاستراتيجي هو منع تحول الإدانات القانونية الأخلاقية إلى إجراءات عقابية ملموسة كالعقوبات الاقتصادية الشاملة أو حظر تصدير السلاح الإلزامي.

ومن خلال إغراق المحاكم بالورق، وإثارة الدفوع الإجرائية المعقدة من خلال أقسامها القانونية المتخصصة في الخارجية والدفاع، واستغلال الضغوط السياسية على القضاة والمدعين العامين، تحاول إسرائيل تحويل القضاء الدولي من أداة ردع ومحاسبة إلى منتدى للنقاش الفقهي الممتد، مستغلة بطء العدالة الدولية كعامل زمن إيجابي لفرض واقع ديمغرافي وعسكري جديد على الأرض.

وفي الختام، يمكن القول إن ما يجري في لاهاي هو صراع إرادات استراتيجي يتجاوز السطور المكتوبة في مذكرات الدفاع. هناك فريق حقوقي ودبلوماسي تقوده دول منظومة الجنوب العالمي ومنظمات المجتمع المدني؛ نجح في سحب إسرائيل إلى مربع المساءلة القانونية ونزع الشرعية الأخلاقية عن ممارساتها، وهو إنجاز تاريخي بامتياز لخدمة القضية الفلسطينية والعدالة الإنسانية. ومع ذلك، يقابل هذا الإنجاز فريق قانوني ومؤسساتي إسرائيلي متمكن داخل الدوائر والفرق المشتركة في وزارات الخارجية والدفاع والعدل، مدعوم بنفوذ دولي واسع، يعمل بكل جد ونشاط لإفراغ هذه الانتصارات الحقوقية من مضمونها العملي عبر استغلال الثغرات الإجرائية، والتمسك بالتفسيرات الضيقة للنصوص، وشل فاعلية القادة القضائيين مثل كريم خان.

إنها معركة مفتوحة تكشف بدقة حدود القانون الدولي وواقعيته: فهو إما أن يكون أداة لتحرير الشعوب وحمايتها، أو يتحول، بفعل البراعة الإجرائية وهندسة القوة المؤسسية، إلى ملجأ قانوني ومظلة لحماية المتجاوزين من العقاب. والأيام المقبلة ستحدد أي الكفتين سترجح؛ كفة النصوص والعدالة الإنسانية، أم كفة الأوراق والبراعة الإجرائية المسنودة بالقوة السياسية والعسكرية.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)