لم يعد النقاش في
أوروبا يدور فقط حول توصيف
الاستيطان
الإسرائيلي باعتباره غير شرعي وفق القانون الدولي، بل بدأ ينتقل
تدريجياً إلى سؤال أكثر حساسية وتأثيراً: ماذا يعني ذلك عملياً على مستوى السياسة
والاقتصاد والعلاقات التجارية؟
في هذا السياق، تبدو الخطوة الهولندية
الأخيرة المتعلقة بالتوجه نحو حظر منتجات المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي
الفلسطينية المحتلة مؤشراً مهماً على تحولات آخذة بالتشكل داخل المزاج السياسي
الأوروبي. ورغم أن القرار لم يدخل حيّز التنفيذ النهائي بعد، فإنه انتقل خلال
الأيام الأخيرة من مستوى النقاش السياسي إلى مستوى الموافقة الحكومية والمسار
القانوني التنفيذي.
ما يعزز الانطباع بوجود تحوّل أوروبي تدريجي تجاه ملف الاستيطان، ليس فقط الموقف الهولندي الأخير، بل أيضاً البيان المشترك الذي صدر عن ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا، والذي تضمّن لغة أكثر تشدداً من المعتاد تجاه سياسات الاستيطان الإسرائيلية في الضفة الغربية.
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة إذا ما أُخذ
بعين الاعتبار موقع هولندا داخل أوروبا الغربية، بوصفها دولة لم تُعرف تاريخياً
بمواقف حادة تجاه إسرائيل مقارنة ببعض الدول الأوروبية الأخرى، بل إن المزاج
السياسي الهولندي كان أقرب في كثير من الأحيان إلى دعم إسرائيل أو تجنب الصدام
السياسي المباشر معها، خصوصاً في الملفات المرتبطة بالأمن والهجرة والسياسة
الخارجية.
لكن الحرب على غزة، وما رافقها من مشاهد
دمار واسعة النطاق وإبادة جماعية، إلى جانب تصاعد عنف المستوطنين في الضفة
الغربية، دفعت قطاعات واسعة داخل أوروبا إلى إعادة طرح أسئلة قديمة حول حدود
العلاقة مع إسرائيل، وحول التناقض بين الخطاب الأوروبي القائم على احترام القانون
الدولي وحقوق الإنسان وبين استمرار
العلاقات الاقتصادية الطبيعية مع المستوطنات
المقامة على أراضٍ محتلة.
وفي هذا الإطار، تبدو الخطوة الهولندية
محاولة للانتقال من مستوى الإدانة السياسية التقليدية إلى مستوى الإجراءات
الاقتصادية الرمزية على الأقل، خصوصاً مع الحديث عن منع استيراد منتجات المستوطنات
وعدم السماح بتداولها داخل السوق الهولندي.
ورغم أن الإجراءات المطروحة لا تشمل حتى
الآن الاستثمارات أو الخدمات، كما أنها لم تتحول بعد إلى سياسة نافذة بصورة كاملة،
إلا أن أهميتها تكمن في بعدها السياسي والمعنوي، وفي كونها تعكس تحوّلاً تدريجياً
داخل جزء من النخبة السياسية الأوروبية تجاه ملف الاستيطان الإسرائيلي.
ولعل ما يعزز الانطباع بوجود تحوّل أوروبي
تدريجي تجاه ملف الاستيطان، ليس فقط الموقف الهولندي الأخير، بل أيضاً البيان
المشترك الذي صدر عن ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا، والذي تضمّن لغة أكثر
تشدداً من المعتاد تجاه سياسات الاستيطان الإسرائيلية في الضفة الغربية.
فالبيان لم يكتفِ بالمطالبة بوقف توسيع
المستوطنات، بل حذّر أيضاً من أن السياسات الإسرائيلية الحالية تقوّض الاستقرار
وفرص “حل الدولتين”، كما دعا الشركات الدولية بصورة غير مسبوقة إلى عدم الانخراط
في مشاريع البناء الاستيطاني، خصوصاً في منطقة “E1”، محذراً من التبعات القانونية ومخاطر التورط
في انتهاكات للقانون الدولي.
كما أن الربط الأوروبي المتزايد بين
الاستيطان وعنف المستوطنين والتصريحات الصادرة عن شخصيات إسرائيلية تمثل تيار الضم
والتوسع الاستيطاني، يعكس تصاعد القناعة داخل جزء من أوروبا بأن ما يجري في الضفة
الغربية لم يعد يُنظر إليه بوصفه "نزاعاً سياسياً قابلاً للإدارة"، بل
باعتباره مساراً يهدد بصورة متزايدة إمكانية الوصول إلى أي تسوية مستقبلية.
ولا يمكن فصل هذه التحولات أيضاً عن تصاعد
النقاشات القانونية الدولية المرتبطة بالمحكمة الجنائية الدولية، وما أثير خلال
الفترة الأخيرة بشأن شخصيات إسرائيلية بارزة مرتبطة بمشروع الاستيطان والضم، وفي
مقدمتها وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش ووزير الأمن القومي إيتمار بن
غفير، خصوصاً مع تنامي الاتهامات المرتبطة بعنف المستوطنين وسياسات التهجير
والتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية.
ويبدو أن مجرد انتقال هذا النقاش إلى
المستوى القانوني الدولي، حتى قبل صدور أي إجراءات نهائية، بدأ ينعكس تدريجياً على
المزاج السياسي الأوروبي وعلى طبيعة العلاقة مع حكومة بنيامين نتنياهو، لا سيما في
ظل تصاعد الحرج الأوروبي المرتبط بالحرب في غزة وما خلّفته من دمار واسع وانتقادات
حقوقية وإنسانية غير مسبوقة.
حتى الآن، تبدو الصورة أقرب إلى الضغط السياسي التدريجي منها إلى القطيعة أو العقوبات الواسعة، لكن مجرد انتقال النقاش الأوروبي من دائرة “الإدانة” إلى دائرة “الإجراءات” يحمل دلالة سياسية لا يمكن تجاهلها، خصوصاً في ظل استمرار الحرب والتوترات المتصاعدة في الأراضي الفلسطينية.
وفي هولندا تحديداً، برز خلال الأشهر
الأخيرة حضور واضح لمنظمات حقوقية وإنسانية تضغط باتجاه مراجعة العلاقة مع
إسرائيل، من بينها Oxfam Novib وPAX وMédecins Sans Frontières (MSF) وSave the Children وAmnesty International، وهي منظمات
تمتلك حضوراً وتأثيراً داخل المجال العام الهولندي والأوروبي عموماً، وتلعب دوراً
متزايداً في دفع النقاش السياسي والإعلامي المرتبط بالحرب في غزة والاستيطان
الإسرائيلي والانتهاكات المرتبطة بالقانون الدولي وحقوق الإنسان.
كما أن
التوتر في العلاقات الأوروبية
الإسرائيلية لم يعد مقتصراً على ملف غزة وحده، بل امتد أيضاً إلى ملفات مرتبطة
بسلوك الجيش الإسرائيلي وعنف المستوطنين والتعامل مع النشطاء الدوليين، خصوصاً بعد
الجدل الذي أثاره مقطع الفيديو المتعلق باعتقال نشطاء “أسطول الصمود”، وما تبعه من
ردود فعل أوروبية غاضبة ودعوات لاتخاذ إجراءات ضد شخصيات إسرائيلية متطرفة.
ومع ذلك، يبقى السؤال الأهم متعلقاً بحدود
هذا التحول الأوروبي: هل نحن أمام بداية سياسة أوروبية جديدة تجاه الاستيطان
الإسرائيلي، أم مجرد محاولة لرفع سقف الخطاب السياسي تحت ضغط الحرب والرأي العام
دون الذهاب نحو إجراءات أكثر جدية تمسّ بنية العلاقات الاقتصادية والاستراتيجية مع
إسرائيل؟
حتى الآن، تبدو الصورة أقرب إلى الضغط
السياسي التدريجي منها إلى القطيعة أو العقوبات الواسعة، لكن مجرد انتقال النقاش
الأوروبي من دائرة “الإدانة” إلى دائرة “الإجراءات” يحمل دلالة سياسية لا يمكن
تجاهلها، خصوصاً في ظل استمرار الحرب والتوترات المتصاعدة في الأراضي الفلسطينية.
وربما تكمن أهمية هذه الخطوات أيضاً في أنها
تعكس تحوّلاً أعمق داخل المجتمعات الأوروبية نفسها، حيث لم تعد القضية الفلسطينية
تُقرأ فقط من زاوية الصراع التقليدي أو اعتبارات الأمن والسياسة الخارجية، بل باتت
ترتبط بصورة متزايدة بأسئلة القانون الدولي وحقوق الإنسان والمعايير الأخلاقية
التي تقول أوروبا إنها تسعى للدفاع عنها في العالم .
*كاتب صحفي
مقيم في هولندا
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.