لم تعد
المعركة في
غزة مجرد مواجهة عسكرية بين
مقاومة واحتلال، بل تحولت إلى صراع مركب تُستخدم
فيه القوة العسكرية، والحصار، والتجويع، والحرب النفسية، والضغوط السياسية،
والمفاوضات، والإعلام، في محاولة لإجبار المقاومة على تقديم ما عجز
الاحتلال عن
انتزاعه في ميدان القتال.
لقد أثبتت
الأشهر الماضية أن الاحتلال، بدعم أمريكي واضح، يتعامل مع أي
مفاوضات بوصفها وسيلة
لتحقيق أهداف الحرب لا لإنهائها. فكلما اقترب الوسطاء من صيغة اتفاق، عاد الاحتلال
ليطرح شروطاً جديدة، أو يؤجل تنفيذ ما سبق الاتفاق عليه، أو يربط وقف العدوان بنزع
سلاح المقاومة، وهو ما يعني عملياً تحويل المفاوضات إلى أداة للاستسلام لا للسلام.
وفي الوقت
نفسه، يسعى الاحتلال إلى فتح جبهة أخرى داخل المجتمع
الفلسطيني، عبر تعميق معاناة
المدنيين، واستثمار الغضب الناتج عن الحصار والجوع والدمار، أملاً في خلق انقسام
داخلي يحقق له ما لم تستطع دباباته وطائراته تحقيقه.
الثوابت
الوطنية وإدارة الواقع الإنساني
أول ما تحتاجه المقاومة هو الحفاظ على وحدة الصف الفلسطيني، والتمييز بين المواطن الذي أنهكته الحرب وله مطالب إنسانية مشروعة، وبين أي محاولات خارجية لاستغلال تلك المعاناة في خدمة أجندة الاحتلال
إن
التجربة التاريخية تؤكد أن الاحتلالات لا تنتصر عادة بالقوة العسكرية وحدها، وإنما
عندما تنجح في تفكيك الجبهة الداخلية، وزرع الشك بين الشعب ومقاومته، وتحويل
البوصلة من مواجهة المعتدي إلى صراع داخلي يستنزف الجميع.
ولهذا فإن
المرحلة الحالية تفرض على المقاومة قراءة جديدة للمشهد، تقوم على الجمع بين الثبات
الاستراتيجي والمرونة السياسية، وبين المحافظة على الثوابت الوطنية وإدارة الواقع
الإنساني بأعلى درجات الحكمة.
إن أول ما
تحتاجه المقاومة هو الحفاظ على وحدة الصف الفلسطيني، والتمييز بين المواطن الذي
أنهكته الحرب وله مطالب إنسانية مشروعة، وبين أي محاولات خارجية لاستغلال تلك
المعاناة في خدمة أجندة الاحتلال. فاحتواء الناس وكسب ثقتهم يمثل اليوم أحد أهم
عناصر الصمود، لأن الحاضنة الشعبية هي العمق الاستراتيجي لأي حركة تحرر.
وثانياً،
ينبغي تحويل معركة المفاوضات إلى معركة رأي عام دولي، من خلال كشف تفاصيل
المراوغات الإسرائيلية بصورة موثقة، وإظهار الطرف الذي يعرقل أي اتفاق، بما يزيد
الضغوط السياسية والقانونية والدبلوماسية على الاحتلال، ويمنع تحميل الضحية
مسؤولية استمرار الحرب.
وثالثاً،
تحتاج المقاومة إلى مبادرات وطنية تعزز الشراكة الفلسطينية في إدارة الشأن المدني
والإغاثي، وتوسع دائرة المشاركة المجتمعية، بما يحرم الاحتلال من استغلال الأزمات
الإنسانية لإحداث شرخ بين المقاومة والمجتمع.
ورابعاً،
لا يجوز أن يتحول الضغط العسكري أو الإنساني إلى وسيلة لفرض تنازلات تمس الحقوق
الأساسية للشعب الفلسطيني. فالقضايا الجوهرية، وفي مقدمتها إنهاء الاحتلال ووقف
العدوان ورفع الحصار وضمان إعادة الإعمار، لا يمكن فصلها عن أي تسوية حقيقية
ومستدامة.
كما أن
المقاومة مطالبة اليوم بإدارة معركة الإعلام بقدر احترافية إدارة الميدان. فالحرب
الحديثة لم تعد تُحسم بالسلاح فقط، بل أيضاً بالرواية، والصورة، والمعلومة،
والقدرة على مخاطبة الرأي العام العالمي بلغة الحقوق والقانون والإنسانية، مع
الاستمرار في فضح جرائم الاحتلال وسياسات العقاب الجماعي.
إن الوسطاء الإقليميين والدوليين مطالبون بإثبات حيادهم وقدرتهم على إلزام جميع الأطراف بما يتم الاتفاق عليه
ومن جهة
أخرى، فإن الوسطاء الإقليميين والدوليين مطالبون بإثبات حيادهم وقدرتهم على إلزام
جميع الأطراف بما يتم الاتفاق عليه، لأن أي وساطة لا تملك أدوات تنفيذ وضمانات
حقيقية ستبقى مجرد إدارة للأزمة لا طريقاً لحلها.
حماية
الوحدة الوطنية وارادة الصمود
لقد أثبتت
التجارب أن الشعوب التي تمتلك إرادة الصمود تستطيع تجاوز أقسى المحن إذا حافظت على
وحدتها، وأدارت خلافاتها بحكمة، ولم تسمح لخصومها بتفكيك جبهتها الداخلية. أما
الاحتلال، فرغم تفوقه العسكري، يبقى بحاجة إلى إنجاز سياسي يبرر حربه، وهو ما يفسر
محاولاته المستمرة لفرض شروط جديدة أو خلق وقائع داخلية تخدم أهدافه.
إن
المرحلة المقبلة لن تُحسم فقط في ساحات القتال أو غرف التفاوض، بل في قدرة
الفلسطينيين على حماية وحدتهم الوطنية، وتعزيز صمود مجتمعهم، وإفشال محاولات تحويل
الألم الإنساني إلى أداة للابتزاز السياسي.
فقد
تستطيع القوة العسكرية أن تدمر المدن، لكنها لا تستطيع كسر إرادة شعب يعرف قضيته،
ويحافظ على وحدته، ويمنع خصمه من تحقيق أهدافه عبر الانقسام الداخلي. وهنا يكمن
التحدي الأكبر، كما تكمن فرصة الانتصار الحقيقي.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.