تركيا الجديدة تعلن عن نفسها

محمد عماد صابر
"استقبال حافل من جنود يرتدون زي الفرق الانكشارية الشهيرة"- الرئاسة التركية
"استقبال حافل من جنود يرتدون زي الفرق الانكشارية الشهيرة"- الرئاسة التركية
شارك الخبر
لا شك أن انعقاد قمة حلف الناتو في أنقرة يمثل إنجازاً سياسياً وعسكرياً كبيراً للحكومة التركية ولأردوغان بشكل خاص؛ ففضلاً عن أنه يمثل اعترافاً بأهمية الدور التركي وثقله الكبير في حلف الناتو (على خلفية أن الجيش التركي يعتبر ثاني جيوش الحلف بعد الجيش الأمريكي من حيث العدد)، فهو أيضاً يدشن اعترافاً بالإنجاز الكبير الذي حققته السياسة التركية في موضوعات شتى، مثل الملفين السوري والأوكراني، وملف الصناعات العسكرية التركية الصاعد الواعد.

وعلى وقع المارشات العسكرية العثمانية القديمة، ووسط استقبال حافل من جنود يرتدون زي الفرق الانكشارية الشهيرة (التي كانت تقلق مضاجع أوروبا)، كان استقبال رؤساء الناتو. لقد كانت رسالة واضحة تقول للجميع: ها نحن قد عدنا وصرنا قوة مؤثرة من جديد، ولاعباً رئيساً لا يمكن تجاهله في الناتو ولا في العالم بأسره.

كانت رسالة واضحة تقول للجميع: ها نحن قد عدنا وصرنا قوة مؤثرة من جديد، ولاعباً رئيساً لا يمكن تجاهله في الناتو ولا في العالم بأسره

لقد أطلق هذا الاستقبال العثماني الإمبراطوري رسائل عديدة في اتجاهات كثيرة:

- الرسالة الأولى كانت للداخل التركي وتقول: عليك أن تعتز بتاريخك ولا تخجل من هويتك العثمانية التركية الإسلامية، فلن يحترمك العالم إلا إذا كنت قوياً.

- أما الرسالة الثانية فكانت لمحيط تركيا العربي والإسلامي: وهي تقول إن اتحادنا وتماسكنا سوف يمنع الجميع من الاستهانة بنا والعبث في منطقتنا.

- والرسالة الثالثة كانت لقادة الناتو ذاته: إن تركيا صارت قوية، وإذا لم تتعاونوا معها بالقدر المطلوب فيمكنها أن تبحث عن بدائل إستراتيجية أخرى.

استقبل القادة الأوروبيون في الناتو هذه الاحتفالية التاريخية -التي تذكرهم بالماضي الإمبراطوري العثماني حين كانت سنابك خيول الأتراك تقض مضاجع ملوك أوروبا- بابتسامات المجاملة البروتوكولية المصطنعة التي لا ترحب بهذا الصعود التركي. فلا زالت الرؤية الاستراتيجية لقادة أوروبا "القارة العجوز" هي: صحيح أننا نحتاج تركيا وجيشها للدفاع عن جنوب شرق أوروبا ضد الروس، وصحيح أن مضيقَي البوسفور والدردنيل يمثلان شريان حياة لأوروبا وأهمية قصوى لردعهم، ولكننا لا يمكن أن نسمح بدخول تركيا في الاتحاد الأوروبي؛ لأن هذا يمثل تهديداً ديموغرافياً هائلاً في التركيبة السكانية للقارة عبر ضخ أكثر من ثمانين مليون مسلم تركي في شرايينها.

أما "تاجر الشنطة" الأمريكي، فهو كعادته في استقبال هذه الاحتفاليات التاريخية، يستمتع بالمشاركة فيها ويبدي إعجابه بها، ولكنه يحمل معه دائماً آلته الحاسبة التي يحسب بها مكاسبه وخسائره. ونظراً لقوة التركي وأهمية دوره العسكري المتصاعد في الحلف، خاصة في الملف الأوكراني والملف السوري والتهديد الذي يمثله للكيان الصهيوني، ودوره الحساس في الصراع الأمريكي الإيراني المشتعل والذي بدا واضحاً في الحزم التركي بإيقاف عملية الغزو الأمريكي البري لإيران عبر استخدام ورقة الأكراد، وبعيداً عن الاحتفاليات، فقد أبدى الرئيس الأمريكي استعداده للاستجابة لصفقة طائرات F-35 ولرفع العقوبات العسكرية عن تركيا والتعاون في توريد صفقة المحركات للطائرات التركية المقاتلة الجديدة. وعلى كل حال، فإن قوة الجيش التركي تمثل مكسباً أمريكياً داخل الناتو لأنه يخفف قليلاً من الأعباء العسكرية الأمريكية المطلوبة للدفاع عن أوروبا، شريطة ألا يمثل ذلك تهديداً مباشراً للكيان الصهيوني. إنها في الأخير حسابات السياسة التي لا تعرف المجاملات، والتي يهتم فيها كل طرف بأن يجني أعظم المكاسب بأقل كلفة ممكنة.

وهنا يبرز السؤال الأخير: صحيح أن القوة العسكرية التركية تتعاظم، وأن تركيا قطعت شوطاً كبيراً في مجال الصناعات العسكرية، وأنه لا يمكننا أن نغفل أن تركيا صارت رقماً صعباً لا يمكن تجاوزه في التعامل مع القضايا الإقليمية.. ولكن، ما هي العقبات التي يجب على تركيا تجاوزها حتى تتحول إلى قوة دولية وازنة كما كانت في عهدها العثماني؟

- العقبة الأولى والشديدة الخطورة: هي علاج الأزمة الاقتصادية، ومشكلة ارتفاع الأسعار، وتثبيت العملة الوطنية؛ فلا بد أن تتوقف هجرة الشباب التركي إلى أوروبا بحثاً عن حياة أفضل، وأن تصبح تركيا مركزاً رئيساً من مراكز الاستثمار والاقتصاد العالمي.

- العقبة الثانية والشديدة الأهمية: هي أن تتسارع عجلة التطور الصناعي التكنولوجي التركي بما يمكنها من إيجاد بدائل تستغني بها عن استيراد التكنولوجيا الحساسة من الغرب أو الشرق؛ فلا معنى لأن تحتاج طائرات تركيا المقاتلة الجديدة لمغلفات ومحركات أمريكية، فلماذا لا تنتج تركيا هذه المحركات محلياً وبكفاءة كاملة؟

أعلنت تركيا الجديدة عبر المارشات العثمانية عن قوتها العسكرية، الأمر الذي بعث الابتهاج والفرح في صدور أبناء الأمة العربية والإسلامية، ولكنه في الوقت ذاته دق أجراس الإنذار بقوة في قلب الكيان الصهيوني الغاصب، والذي سيعمل جاهداً عبر وكلائه حتى يوقف هذا الصعود التركي

- العقبة الثالثة والجوهرية: هي أن تقطع تركيا شوطاً كبيراً وعميقاً في مجال التكنولوجيا النووية، بما يمكنها من بناء بنية تحتية نووية متكاملة وامتلاك المعرفة التقنية المتقدمة التي تمنحها القدرة على الردع وحماية أمنها القومي متى شاءت، فلا يكفي الاعتماد على المظلات الخارجية أو الحلفاء في هذا الشأن الاستراتيجي الحساس.

- أما العقبة الرابعة: فهي أن يتوقف الصراع المجتمعي الداخلي حول الهوية التركية، والذي يشهد شداً وجذباً مستمراً حتى الآن بين فريقين: فريق يرى تركيا العثمانية الإسلامية، وفريق يرى تركيا العلمانية الغربية. فعلى الأتراك جميعاً -حكومة ومعارضة- أن يدركوا أن سر قوة تركيا هو في موقعها الجغرافي الفريد بين آسيا وأوروبا؛ ولذا فإن عليها أن تتمسك بهويتها العثمانية الإسلامية فتحافظ على أمنها القومي وتكتسب قوة ناعمة تستطيع من خلالها أن تمد الجسور نحو محيطها العربي والإسلامي فتتفاعل مع قضاياه، لتنتعش اقتصادياً ويكون لها حضور عالمي سياسي مؤثر، وفي الوقت ذاته عليها أن تنفتح على الغرب مستفيدة من تطوره التكنولوجي الهائل والذي لا زالت في حاجة إلى الكثير منه.

وفي النهاية، لقد أعلنت تركيا الجديدة عبر المارشات العثمانية عن قوتها العسكرية، الأمر الذي بعث الابتهاج والفرح في صدور أبناء الأمة العربية والإسلامية، ولكنه في الوقت ذاته دق أجراس الإنذار بقوة في قلب الكيان الصهيوني الغاصب، والذي سيعمل جاهداً عبر وكلائه حتى يوقف هذا الصعود التركي.

لكن التاريخ يصنعه الجادون العاملون مهما كانت العقبات.. نرجو أن تبصر تركيا طريقها، وتجد دائماً قادة يخلفون أردوغان، يملكون بصيرته وروحه الوثابة.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)