في لحظات
التحول الكبرى من التاريخ لا يُسمع صوت السقوط دفعة واحدة، ولكنه يأتي خافتاً كصوت
صدع يتسلل إلى جدار عظيم ظل الناس يظنون أنه لا يتصدع؛ هكذا كان حال الإمبراطوريات
التي كانت ملئ السمع والبصر
قوة ونفوذاً، ثم اكتشفت متأخرة أن الخطر لم يكن دائماً
عند حدودها، لكنه كان ينمو في داخلها؛ في الحروب التي لا تنتهي، وفي الموارد التي
تُستنزف، وفي المعارك التي تتكاثر حتى تصبح أثقل من أن تُحمل.
من
إيطاليا إلى إسبانيا إلى بريطانيا، لم تسقط تلك الإمبراطوريات لأنها خسرت معركة
واحدة، وإنما لأنها ربحت معارك أكثر مما ينبغي، كانت تنتصر في الميدان وتخسر في
الحسابات البعيدة، وتوسع نفوذها في الخارج بينما يتآكل رصيدها الاستراتيجي البعيد.
والتاريخ، على قسوته، يكاد يكرر الدرس ذاته كل مرة: ليست كل قوة قادرة على تحمل
أعباء قوتها، وليست كل دولة تستطيع أن تدير العالم دون أن تدفع ثمنا باهظا لهذا
الدور.
واليوم،
وبعد أكثر من ثلاثة عقود على انهيار الاتحاد السوفييتي، يعود هذا السؤال ليطل من
جديد، ولكن هذه المرة من بوابة الولايات المتحدة، فالدولة التي خرجت من
الحرب
الباردة بوصفها القوة الوحيدة المهيمنة على النظام الدولي، تجد نفسها أمام عالم
أكثر اضطراباً، وأمام التزامات عسكرية وأمنية تمتد من أوروبا إلى الشرق الأوسط إلى
المحيطين الهندي والهادئ، بينما يواصل منافس صاعد في الشرق بناء قوته بهدوء لافت،
وكأنه يستعد لسباق طويل الأمد لا لمعركة خاطفة.
جاءت الحرب الإسرائيلية على غزة لتكشف وجهاً آخر من أوجه الاستنزاف والعبث الأمريكي، فمنذ اندلاع الحرب وجدت واشنطن نفسها في موقف بالغ التعقيد؛ فمن جهة أرادت الحفاظ على التزامها التاريخي تجاه إسرائيل، ومن جهة أخرى واجهت غضباً عالمياً متزايداً بسبب حجم الدمار والإبادة والخسائر البشرية التي شهدها قطاع غزة، وها هي تجد نفسها اليوم غارقة في مضيق هرمز
منذ عام
1991م بدت واشنطن وكأنها وريثة التاريخ كله؛ تفكك الاتحاد السوفييتي، وتراجعت
روسيا، وانشغلت أوروبا بإعادة ترتيب بيتها الداخلي، فيما كانت الولايات المتحدة
تفرض إيقاعها على السياسة والاقتصاد والأمن العالمي، غير أن هذا الانتصار الهائل
حمل في داخله عبئاً هائلاً أيضاً؛ فالقوة العظمى لا تملك رفاهية الانسحاب من
الأزمات، بل تصبح مطالبة بالتدخل في كل أزمة، والتعليق على كل نزاع، وحماية كل
حليف، وطمأنة كل شريك.
وخلال
العقود الثلاثة الماضية خاضت الولايات المتحدة سلسلة طويلة من الحروب العبثية
والتدخلات العسكرية. بدأت من البلقان، ثم أفغانستان، ثم العراق، ثم الحرب العالمية
على الإرهاب، ثم الانخراط في ملفات سوريا وأوكرانيا والبحر الأحمر ومضيق تايوان
وغيرها، ووفقاً لتقديرات مشروع تكاليف الحرب التابع لجامعة براون، فإن الكلفة
الإجمالية للحروب الأمريكية بعد أحداث الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر تجاوزت ثمانية
تريليونات دولار عند احتساب النفقات المباشرة وغير المباشرة، بما في ذلك رعاية
المحاربين القدامى وفوائد الديون المترتبة على تمويل تلك الحروب.
لكن
المشكلة لا تكمن في حجم الإنفاق وحده، بل في حجم الفجوة بين الكلفة والنتيجة؛
فالحرب في أفغانستان استمرت عشرين عاماً، وسقط فيها آلاف الجنود الأمريكيين وعشرات
الآلاف من الأفغان، ثم انتهت بعودة طالبان إلى الحكم في ذات المشهد الذي سعت
واشنطن إلى تغييره منذ البداية. أما العراق، الذي قيل إنه سيكون نموذجاً
ديمقراطياً جديداً في الشرق الأوسط، فقد تحول إلى ساحة تنافس إقليمي ودولي معقدة،
وما زالت آثار الحرب التي اندلعت عام 2003م تلقي بظلالها على المنطقة حتى اليوم.
ولعل ما
يلفت النظر أن الإنهاك لا ينتج فقط عن الهزائم، بل قد ينتج أيضاً عن الانتصارات
غير المكتملة؛ فالإمبراطوريات لا تُستنزف عندما تُهزم فحسب، وإنما تُستنزف كذلك
عندما تجد نفسها مسؤولة عن إدارة نتائج الحروب التي خاضتها، فالسيطرة على بلد أسهل
من إعادة بنائه، وكسب معركة أسهل من إدارة السلام الذي يليها.
ثم جاءت
الحرب الإسرائيلية على غزة لتكشف وجهاً آخر من أوجه الاستنزاف والعبث الأمريكي،
فمنذ اندلاع الحرب وجدت واشنطن نفسها في موقف بالغ التعقيد؛ فمن جهة أرادت الحفاظ
على التزامها التاريخي تجاه إسرائيل، ومن جهة أخرى واجهت غضباً عالمياً متزايداً
بسبب حجم الدمار والإبادة والخسائر البشرية التي شهدها قطاع غزة، وها هي تجد نفسها
اليوم غارقة في مضيق هرمز يفتح يوما ويغلق يوما أخر أمام النفط الذي يحرك آلات
العالم أجمع.
وهنا لم
تكن المشكلة عسكرية فحسب، بل أخلاقية وسياسية وإعلامية أيضاً، فعلى امتداد عقود
طويلة قدمت الولايات المتحدة نفسها باعتبارها حاملة لواء النظام الدولي القائم على
القواعد، والمدافع الأبرز عن حقوق الإنسان والحريات والقانون الدولي، لكن صور
الدمار الهائل في غزة، ومشاهد الأحياء السكنية المدمرة، والمستشفيات التي خرجت من
الخدمة، وآلاف الضحايا المدنيين، وضعت هذه الصورة تحت اختبار غير مسبوق.
وللمرة
الأولى منذ سنوات طويلة بدأت الولايات المتحدة تواجه موجة انتقادات واسعة ليس فقط
من خصومها التقليديين، بل من حلفائها أيضاً، ومن جامعاتها ومؤسساتها الإعلامية
ونخبها الفكرية، وشهدت الجامعات الأمريكية احتجاجات غير مسبوقة، وظهرت انقسامات
سياسية حادة داخل المجتمع الأمريكي نفسه بشأن طبيعة الدعم المقدم لإسرائيل وحدوده.
للمرة الأولى منذ سنوات طويلة بدأت الولايات المتحدة تواجه موجة انتقادات واسعة ليس فقط من خصومها التقليديين، بل من حلفائها أيضاً
وقد لا
يكون الضرر الأكبر هنا في حجم الأموال التي أُنفقت أو الأسلحة التي أُرسلت، بل في
التآكل الذي أصاب القوة الناعمة الأمريكية؛ فالقوة العسكرية تستطيع تدمير الجسور،
لكنها لا تستطيع بناء الثقة، أما الصورة الذهنية التي تفقدها الدول في أعين الشعوب
فإن استعادتها قد تستغرق سنوات طويلة وربما عقوداً كاملة.
وفي الوقت
الذي كانت فيه واشنطن منشغلة بإدارة هذه الأزمات المتلاحقة، كانت
الصين تسير في
اتجاه مختلف تماما؛ لم تكن ترسل جيوشها إلى الخارج، ولم تكن تنخرط في حروب واسعة
النطاق، بل كانت تركز على ما تراه أساس القوة الحقيقي: الاقتصاد والصناعة
والتكنولوجيا.
فخلال
أربعة عقود فقط انتقلت الصين من دولة زراعية فقيرة إلى ثاني أكبر اقتصاد في
العالم، واليوم تنتج ما يقارب ثلث الإنتاج الصناعي العالمي، وهي نسبة لم تحققها أي
قوة اقتصادية كبرى في العصر الحديث، وتُصنع في الصين نسبة كبيرة من الإلكترونيات
التي يستخدمها العالم، كما أصبحت لاعباً رئيسياً في صناعة السيارات الكهربائية
والبطاريات والألواح الشمسية وأشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي.
وعندما
احتاج العالم إلى المعدات الطبية خلال جائحة كورونا، كانت المصانع الصينية من بين
أهم مصادر الإمداد العالمية، وعندما بدأ السباق نحو الطاقة النظيفة، كانت الصين قد
سبقت كثيراً من منافسيها في بناء سلاسل الإنتاج اللازمة لهذا التحول.
وفي
المجال العسكري أيضاً لا تتحرك بكين بعشوائية، فهي تنفذ منذ سنوات أكبر عملية
تحديث عسكري في تاريخها الحديث، فقد توسع أسطولها البحري بصورة متسارعة، وطورت
ترسانة صاروخية متقدمة، واستثمرت بكثافة في الفضاء والذكاء الاصطناعي والحرب
السيبرانية، لكنها تدرك أيضا أن القوة العسكرية لا يمكن أن تستمر من دون قاعدة
صناعية واقتصادية تدعمها، ولذلك تبقى المصانع بالنسبة للصين جزءاً من الأمن القومي
بقدر ما هي جزء من الاقتصاد.
ومع ذلك
فإن الحديث عن أفول أمريكي وشيك أو صعود صيني حتمي يظل تبسيطاً مفرطاً للمشهد،
فالولايات المتحدة ما تزال تمتلك عناصر قوة هائلة؛ أكبر شبكة تحالفات عسكرية في
العالم، وأقوى منظومة جامعية وبحثية، وأكبر شركات التكنولوجيا المتقدمة، فضلاً عن
هيمنة الدولار على النظام المالي العالمي، كما أن الصين تواجه تحدياتها الخاصة، من
تباطؤ النمو الاقتصادي إلى أزمة الشيخوخة السكانية والتوترات الجيوسياسية في
محيطها الإقليمي.
لكن جوهر
القضية لا يتعلق بمن سيفوز غداً، ولكن بمن يحسن إدارة موارده خلال العقود القادمة،
فالقوى العظمى لا تنهار عادة لأن منافسيها أصبحوا أقوى منها فجأة، بل لأنها تنشغل
في استهلاك قوتها أكثر مما تنشغل في تجديدها، وعندما تجد دولة نفسها مطالبة بخوض
المعارك في كل مكان، بينما يركز منافسها على بناء المصانع والموانئ ومراكز
الأبحاث، فإن ميزان القوة يبدأ في التحرك ببطء، كما تتحرك الصفائح التكتونية تحت
سطح الأرض، حتى يأتي اليوم الذي يظهر فيه أثر الزلزال دفعة واحدة.
ولهذا فإن
السؤال الحقيقي الذي يواجه العالم اليوم ليس ما إذا كانت الصين ستصبح القوة الأولى
غداً أو بعد غد، ولكن ما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على تجنب المصير الذي
واجه إمبراطوريات كثيرة قبلها؛ حين ظنت أن تفوقها العسكري كافٍ للحفاظ على
مكانتها، بينما كانت موازين القوة الحقيقية تنتقل بهدوء إلى مكان آخر.
وفي هذا
الهدوء تحديداً تكمن خطورة المشهد، فالإمبراطوريات غالباً لا تسمع صوت الأفول إلا
بعد أن يكون قد بدأ بالفعل، أما القوى الصاعدة فإنها نادراً ما تعلن عن لحظة
صعودها، لأنها تكون مشغولة بصنعها.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.