من رئيس واحد إلى مجلس من ثمانية.. ماذا كان يحمل هادي؟!

إبراهيم السامعي
"هل كان عبد ربه منصور هادي سببا فيما نحن فيه الآن، أم كان واحدا ممن أنهكهم حمل المرحلة المعقدة تلك؟"- الأناضول
"هل كان عبد ربه منصور هادي سببا فيما نحن فيه الآن، أم كان واحدا ممن أنهكهم حمل المرحلة المعقدة تلك؟"- الأناضول
شارك الخبر
ما أعجب أمر الرجال الذين تعصف بهم الأمم فيعصفون بها، ثم يمضون وتبقى سيرتهم بين الناس كالغيم الممزق؛ لا هو انقشع حتى يستبين الأفق، ولا هو اجتمع حتى يطبق السماء، ومن هؤلاء الرئيس عبد ربه منصور هادي، رجل طواه الموت كما يطوي الليل آخر خيط من الضوء، وترك وراءه شعبا لا يزال ينظر إلى أثر خطاه في الرمل، فلا يدري أكانت تسير باليمن إلى النجاة أم إلى التيه.

مات الرجل، فإذا الناس فريقان؛ فريق يترحم، وفريق يخاصم، غير أن أكثرهم يقفون في منزلة بين المنزلتين، كأنهم على جسر من الشك لا يبلغون ضفته؛ فلا هم وجدوا في صحيفته من الحسنات ما يملأ القلوب طمأنينة، ولا وجدوا من السيئات ما يقطع الحجة ويستأصل العذر، وهكذا بقي الرجل بعد موته سؤالا مفتوحا، كما كان في حياته سؤالا مفتوحا.

عاش اليمنيون أعواما طويلة وهم يرقبون أفعاله كما يرقب البحارة نجما مضطربا في ليلة عاصفة، فإذا قال قائل: هذا رجل وطني أراد أن يحفظ الدولة من الانهيار، قام آخر فقال: بل هو رجل ضيّع الدولة بيده حتى صارت نهبا للمتصارعين، وإذا قيل: إنه حمل راية الوحدة، قيل في المقابل: بل فتح الأبواب لرياح الفرقة حتى دخلت من كل شق وثغرة، وإذا ذكر قوم ما أصاب اليمن في عهده من خراب، ذكر آخرون ما أحاط بذلك العهد من مؤامرات وحروب وانقلابات لو نزلت على الجبال لهدتها.

تكالبت على البلاد المحن من كل صوب؛ انقلاب يمزق الشرعية، وسلاح يعلو على السياسة، وأطماع إقليمية ودولية تتجاذب الأرض كما تتجاذب الأمواج سفينة مكسورة الشراع، وفي وسط ذلك كله وقف هادي، لا بطلا أجمع الناس على بطولته، ولا خائنا اتفقوا على إدانته

ولقد كانت مأساة اليمن في تلك السنوات أكبر من رجل واحد، وأثقل من أن يحملها كتف فرد مهما علت منزلته أو اتسعت صلاحياته، فقد تكالبت على البلاد المحن من كل صوب؛ انقلاب يمزق الشرعية، وسلاح يعلو على السياسة، وأطماع إقليمية ودولية تتجاذب الأرض كما تتجاذب الأمواج سفينة مكسورة الشراع، وفي وسط ذلك كله وقف هادي، لا بطلا أجمع الناس على بطولته، ولا خائنا اتفقوا على إدانته، وإنما شخصية التبست فيها الأحكام حتى اختلط على الناس وجه الحقيقة.

ولهذا فإن الحيرة التي خلفها ليست حيرة في الرجل وحده، لكنها حيرة في مرحلة كاملة من تاريخ اليمن، فكم من قرار لا يعرف الناس اليوم هل كان ضرورة فرضتها الظروف أم خطأ صنعته الحسابات، وكم من موقف اختلفت فيه العيون، فرأى بعضهم فيه حكمة، ورأى آخرون فيه ضعفا وتفريطا، وهكذا بقيت صورته في الذاكرة اليمنية لا تستقر على هيئة واحدة.

وربما كان أشد ما يثير الأسى أن اليمن، وهو يودع رجاله واحدا بعد آخر، لا يودع معهم الخلاف حولهم، فالرجل الذي مات قد انتهى عمله وانقطع سعيه، أما الناس فما زالوا يتجادلون عند قبر المرحلة التي مثّلها؛ فمنهم من يرفع له أكف الدعاء، ومنهم من يرفع عليه لواء العتب، وبين هؤلاء وأولئك يقف جمهور واسع يقول في نفسه: لقد عشنا حائرين في حياته، وها نحن نزداد حيرة بعد وفاته.

ولعل التاريخ وحده هو القاضي الذي لا يستعجل الحكم، ولا يكتفي بصوت الغضب أو الرضا، أما البشر فإنهم أبناء لحظتهم، تحكمهم جراحهم وآمالهم وخيباتهم؛ لذلك ستبقى سيرة عبد ربه منصور هادي زمنا طويلا موضع سؤال في الضمير اليمني: أكان الرجل يحاول إنقاذ السفينة فغلبه الموج؟ أم كان واحدا من أسباب غرقها؟ ذلك سؤال قد يختلف الناس في جوابه، ولكنهم يكادون يتفقون على أن اليمنيين في عهده دفعوا ثمنا باهظا من دمائهم وأعمارهم ومستقبلهم، وأن تلك السنوات ستظل من أكثر فصول اليمن تيها وإيلاما.

غير أن أكثر ما يزيد الحيرة عمقا أن الرجل لم يغادر المشهد فجأة حتى يخلفه مجلس رئاسي من بعده، لكنه كان حيا حين اتُخذ القرار، وكان هو نفسه من فوّض صلاحياته لذلك المجلس الذي ضم ثمانية رجال، وكأن السنوات الأخيرة من عمر المرحلة كانت تنطق بحقيقة لم ينتبه إليها كثير من الناس؛ وهي أن العبء الذي كان موضوعا على كتفي رجل واحد قد بلغ من الثقل مبلغا لم يعد معه يُتصور أن يحمله فرد بمفرده.

خُيّل لكثيرين أن اليمن بكل ما فيه من تعقيد يمكن اختزاله في اسم رجل واحد؛ ثم جاءت اللحظة التي انقسمت فيها تلك المسؤوليات نفسها بين ثمانية، فإذا بالواقع يقدم للناس درسا صامتا أبلغ من الخطب والبيانات

وهنا تتوقف النفس متأملة؛ فإذا كان الرجل في نظر خصومه ضعيفا جبانا إلى هذا الحد، فلماذا لم يُستبدل برجل أقوى منه؟ ولماذا لم تنتقل السلطة إلى قائد واحد كما هو مألوف في أحوال الدول؟ لماذا توزعت المسؤوليات بين ثمانية رجال دفعة واحدة؟ كأن الواقع نفسه كان يعلن أن القضية لم تعد قضية رجل، بل قضية وطن تتشابك فيه الجبهات والمصالح والولاءات والخصومات حتى ضاقت بها يد الفرد الواحد.

ولقد ظل الناس أعواما يحمّلون هادي وحده أوزار مرحلة كاملة؛ فإذا اضطرب الاقتصاد قالوا: هادي، وإذا تعثرت المعركة قالوا: هادي، وإذا تنازعت القوى السياسية قالوا: هادي، حتى خُيّل لكثيرين أن اليمن بكل ما فيه من تعقيد يمكن اختزاله في اسم رجل واحد؛ ثم جاءت اللحظة التي انقسمت فيها تلك المسؤوليات نفسها بين ثمانية، فإذا بالواقع يقدم للناس درسا صامتا أبلغ من الخطب والبيانات.

ولعل في ذلك ما يدعو إلى إعادة النظر في كثير من الأحكام المتعجلة؛ فالرجل الذي كان يُسأل وحده عن كل شيء انتهى أمره إلى أن تُوزع صلاحياته على مجلس كامل. وليس في ذلك براءة مطلقة له من الخطأ، فالتاريخ لا يعرف العصمة للحكام، ولكنه شاهد على أن المرحلة كانت أعقد من أن تُفسر بشخص واحد، وأثقل من أن تُحمّل كلها على كتف رجل واحد.

ومن هنا تبقى الحيرة قائمة؛ لأننا كلما أردنا أن نصدر حكما نهائيا على الرجل اعترضتنا حقائق المرحلة نفسها، فنعود إلى السؤال الأول الذي لم يجد اليمنيون له جوابا قاطعا: هل كان عبد ربه منصور هادي سببا فيما نحن فيه الآن، أم كان واحدا ممن أنهكهم حمل المرحلة المعقدة تلك؟ ذلك سؤال سيظل مفتوحا ما دام اليمنيون مختلفين في قراءة تلك السنوات، وما دام التاريخ لم يقل كلمته الأخيرة بعد.

فلله در هادي تركنا في حيرة لا ندري أندعو له أم عليه.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)