تعد ظاهرة دخول "الغرباء" أو القادمين من خارج المؤسسة التقليدية إلى عالم
السياسة من أبرز سمات العصر الحديث، حيث استطاع فنانون ومشاهير وكوميديون تحويل شعبيتهم الجماهيرية إلى قوة سياسية والوصول للسلطة.
وتظهر هذه تجارب متنوعة عبر القارات كيف يمكن للظروف الاقتصادية والاجتماعية وسخط الشارع ضد النخب التاريخية أن تحول الشهرة الفنية والرياضية إلى قوة سياسية قادرة على تغيير خريطة البلاد السياسية.
من الكوميديا إلى ساحة الحرب
تعتبر قصة الرئيس الأوكراني فولوديمير
زيلينسكي النموذج الأبرز فالرجل الذي كان كوميديا ناجحا لم يكن يمتلك أي خلفية سياسية رسمية قبل ترشحه.
بدأت القصة من مسلسل في عام 2015 بعنوان "خادم الشعب" من بطولة زيلينسكي حيث يلعب دور "فاسيل بتروفيتش هولوبورودكو"، وهو معلم تاريخ بسيط في مدرسة ثانوية، يتم تصويره سراً من قبل أحد طلابه وهو يلقي خطبة حماسية مليئة بالألفاظ النابية ضد
الفساد الحكومي.
اظهار أخبار متعلقة
انتشار المقطع دفع الطلاب - في المسلسل - لتنظيم حملة تمويل جماعي لتأمين ترشيحه للرئاسة، لينتهي به الأمر رئيسا للبلاد.
وفي عام 2017 قام فريق زيلينسكي بتسجيل حزب سياسي يحمل اسم المسلسل نفسه "خادم الشعب" وأعلن زيلينسكي ترشحه الفعلي للرئاسة ليلة رأس السنة 2019 وحقق فوزا ساحقا بنسبة 73% من الأصوات في الجولة الثانية ضد الرئيس بترو بوروشينكو.
انتهت ولاية زيلينسكي الرسمية في 2024. لكنه مستمر في منصبه بسبب تعتذر انتخاف خلف له خلال الحرب مع روسيا.
الكوميدي المناهض للفساد
في أمريكا الوسطى، وتحديدا في غواتيمالا، برز جيمي موراليس كشخصية كوميدية شهيرة قبل أن يصبح رئيسا.
اشتهر موراليس بسنوات طويلة ببرنامجه "الأخلاق" حيث لعب أدوارا كوميدية ساخرة وفي إحدى حلقات البرنامج صورت شخصيته وهو يترشح للرئاسة "بالصدفة" ويفوز بها، وهو ما تحقق حرفيا لاحقا.
Embed from Getty Images
دخل موراليس السباق الرئاسي عام 2015 في وقت كانت تعاني فيه البلاد من فضيحة فساد كبرى أدت لسجن سلفه، حيث رفع شعار "لست فاسدا أو لصا".
كوميدي أنقذ العاصمة
وفي شمال
أوروبا، قدم "يون غنار" تجربة فريدة في آيسلندا بعد الانهيار المالي عام 2008.
أسس الكوميدي نار حزبا أطلق عليه اسم "الحزب الأفضل" باعتباره مشروعا فنيا ساخرا، ورغم طابعه الهزلي، فاز غنار بمنصب عمدة العاصمة ريكيافيك عام 2010.
اظهار أخبار متعلقة
وأثبت الكوميدي الساخر جدية كبيرة في العمل، حيث نجح في إعادة التوازن المالي للمدينة وتحسين الخدمات، مما جعله يحظى باحترام الجميع.
بطل الفقراء على الشاشة
وفي آسيا، يبرز اسم جوزيف إسترادا، الممثل السينمائي الشهير الذي وصل لكرسي الرئاسة في الفلبين بعد أداء عدة أدوار سينمائية برز فيها بدور "نصير المستضعفين" والفقراء.
Embed from Getty Images
بدأ إسترادا عمدة لمدينة سان خوان لمدة 17 عاما، ثم أصبح عضواً في مجلس الشيوخ، ثم نائبا للرئيس، وأخيرا رئيساً للفلبين في عام 1998.
من ملاعب كرة القدم إلى الرئاسة
في أفريقيا، يمثل جورج وياه حالة مختلفة حيث كان أحد أشهر لاعبي كرة القدم في العالم، ولعب لأندية أوروبية كبرى مثل ميلان وتشيلسي ومانشستر سيتي، وفاز عام 1995 بالكرة الذهبية.
Embed from Getty Images
بعد اعتزاله كرة القدم عام 2003، دخل وياه السياسة، خسر الانتخابات الرئاسية أمام إيلين جونسون سيرليف عام 2005، لكنه واصل العمل السياسي، وأصبح عضوا في مجلس الشيوخ، قبل أن ينجح أخيرا في الانتخابات الرئاسية عام 2017. وحصل في الجولة الثانية على نحو 61.5% من الأصوات.
المغني الذي أصبح رئيسا
في الكاريبي، انتقل ميشال مارتيلي من الموسيقى إلى أعلى منصب في الدولة. حيث كان من أشهر الموسيقيين في هايتي قبل دخوله الانتخابات الرئاسية.
فاز مارتيلي بالرئاسة عام 2011 وتولى المنصب حتى 2016.
Embed from Getty Images
لكن هذه التجربة لا تعني بالضرورة النجاح في الحكم. فقد أصبحت فترة مارتيلي لاحقا موضع جدل واسع، وواجه اتهامات سياسية وفساد، كما فرضت عليه الولايات المتحدة وكندا والاتحاد الأوروبي لاحقا عقوبات.
أسطورة الكريكيت رئيسا للحكومة
في آسيا، يقدم عمران خان مثالا آخر على السياسي القادم من عالم مختلف، كان قائد منتخب باكستان للكريكيت الذي فاز بكأس العالم عام 1992.
في عام 1996 أسس حزب حركة الإنصاف الباكستانية (PTI) ودخل السياسة رسميا. لكن نجاحه لم يكن سريعا؛ فقد استغرق أكثر من عقدين حتى تحول حزبه إلى قوة انتخابية رئيسية. وفي انتخابات 2018 أصبح رئيسًا للوزراء.
Embed from Getty Images
لكن الأمر انتهى بخان سجينا بتهم فساد، إثر تصويت ناجح لحجب الثقة عنه في الجمعية الوطنية الباكستانية عام 2022.
من التقليد إلى الأصل
في سلوفينيا، برز مارجان شاريك أولا كممثل وكوميدي ساخر، واشتهر بتقليد السياسيين والشخصيات العامة في برامج إذاعية وتلفزيونية، لكنه انتقل من السخرية من السياسيين إلى ممارسة السياسة فعليا عام 2010، حين ترك العمل الإعلامي وترشح لمنصب عمدة مدينة كامنيك، وفاز بالمنصب ثم أُعيد انتخابه عام 2014.
Embed from Getty Images
وفي 2017 خاض الانتخابات الرئاسية، ووصل إلى الجولة الثانية أمام الرئيس بوروت باهور، لكنه خسر بفارق محدود.
في 2018 أسس قائمة انتخابية، وخاض بها الانتخابات البرلمانية، فحصل حزبه على 13 مقعدًا وأصبح ثاني أكبر قوة في البرلمان. وبعد مفاوضات بين أحزاب وسط اليسار، تمكن شاريك من تشكيل ائتلاف حكومي وأصبح رئيسا للوزراء.
في الهند، تحولت كلمات قالها رئيس المحكمة العليا في الهند، سوريا كانت حين وصف ناشطين ومحتجين عاطلين عن العمل بـ"الصراصير" إلى فوضى في الشارع واحتجاجات تطالب باستقالة وزير في الحكومة بسبب "الغش في الامتحانات".
وبعد أسبوعين على استقالة وزير التربية دارمندرا برادان - تحت ضغط الشارع - تحاول حكومة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي التعامل مع تبعات واحدة من أسوأ الأزمات السياسية في السنوات الأخيرة.
اظهار أخبار متعلقة
وكانت الحركة تطالب بالأساس باستقالة برادان على خلفية عمليات غش في الامتحانات الجامعية، لكنها وسعت مطالبها لاحقا، فندّدت خصوصا بضيق آفاق المستقبل للشباب بمن فيهم خريجو الجامعات، وباعتماد ناريندرا مودي القومي المتطرف سياسة متسلطة.
ويتابع صفحة "الصراصير" على منصة إنستغرام أكثر من 26 مليون متابع، بينما حزب مودي لديه فقط 9 ملايين على صفحته على المنصة.
وأعلن "حزب شعب الصراصير" - الذي لم يؤسس رسميا - تنظيم "جولة وطنية" للاستماع إلى شكاوى الشباب، مع الاستمرار في دعم الاحتجاجات ضد عمليات الغش.