كشفت التظاهرات التي اندلعت في أوكرانيا عقب سلسلة التغييرات التي أجراها الرئيس فولوديمير
زيلينسكي في هرم القيادة العسكرية، عن حجم الاحتقان الداخلي وتنامي الغضب جراء الحرب المستمرة منذ أربع سنوات.
والثلاثاء، أقال زيلينسكي القائد العام للجيش أولكسندر
سيرسكي، في خضم أزمة سياسية أثارها إقصاء وزير الدفاع ميخايلو
فيدوروف واسع الشعبية قبل أكثر من أسبوع، ليعين قائد القوات المشتركة ميخايلو دراباتي قائداً عاماً جديداً للقوات المسلحة الأوكرانية في محاولة لامتصاص الغضب.
اظهار أخبار متعلقة
تولى سيرسكي، البالغ من العمر 60 عاماً، قيادة الجيش منذ عام 2024، ويعد من أكثر القادة العسكريين خبرة في كييف، بعدما أشرف على عمليات الدفاع عن العاصمة في بدايات الغزو الروسي عام 2022.
وجاءت الإقالة بعد أيام من احتجاجات مؤيدة لوزير الدفاع ميخايلو فيدوروف (35 عاماً)، الذي اتهم سيرسكي بدفعه إلى مغادرة منصبه وعرقلة مساعيه لإصلاح المؤسسة العسكرية وتحديث الجيش، وفقاً لوكالة فرانس برس.
ووفق وكالة أسوشييتد برس، فإن زيلينسكي طلب من القيادة الجديدة إعداد استراتيجية دفاعية محدثة تشمل تسريع إصلاح هيكلية الجيش، وتعزيز الدفاعات الجوية، وتسريع إيصال الأسلحة والطائرات المسيّرة، إضافة إلى وضع خطة أكثر وضوحاً للتعبئة العسكرية.
هل هو خلاف شخصي؟
تقول صحيفة "نيويورك تايمز" إن زيلينسكي حاول في البداية تقديم الأزمة بين القطبين العسكريين باعتبارها خلافاً شخصياً بين وزير الدفاع وقائد الجيش، قبل أن يضطر لاحقاً للاعتراف بأن الانقسام أصبح أوسع بكثير.
وفق تقييم موقع "ستراتفور"، فإن ما جرى لم يكن مجرد صدام بين شخصيتين نافذتين تملكان قواعد شعبية ومؤيدين، بل كشف صراعاً مؤسسياً داخل الدولة الأوكرانية بشأن طبيعة الحرب نفسها ومن يملك قرار إدارتها.
صراع بين تيارين عسكريين
بحسب تحليل لصحيفة "لوفيغارو" الفرنسية، يعكس التغيير الذي اتخذه زيلينسكي تنامي المواجهة بين مدرستين لإدارة الحرب، الأولى داعمة للتحديث، ويمثّلها فيدوروف، ويرى أن أوكرانيا تستطيع استعادة زمام المبادرة عبر الابتكار العسكري، وتوسيع استخدام المسيّرات، وتكثيف الضربات بعيدة المدى داخل الأراضي الروسية.
أما الثانية والتي توصف بأنها أقرب للتيار التقليدي، فقد ارتبطت باسم سيرسكي، الذي دعا إلى التركيز على احتواء التقدّم الروسي وإدارة الحرب بمنهج أكثر تحفظاً، وهو ما أثار انتقادات من جنود وضباط اتهموه بالاعتماد على أساليب متأثرة بالإرث العسكري السوفياتي، وتقديم الولاء على الكفاءة.
وتشير الصحيفة إلى أن زيلينسكي، ورغم محاولته في البداية احتواء الأزمة عبر عرض منصب حكومي جديد على فيدوروف لتنسيق قطاع الصناعات الدفاعية والتكنولوجية، إلا أن ذلك لم ينهِ الاحتجاجات التي طالبت بإعادته إلى وزارة الدفاع.
محاولة لاحتواء غضب الاحتجاجات
خلال الأيام الماضية، شهدت كييف ومدن أوكرانية أخرى مظاهرات شارك فيها مدنيون وعسكريون ومحاربون سابقون، طالبوا بإصلاح المؤسسة العسكرية وزيادة الشفافية، فيما لوّح منظمو الاحتجاجات بتوسيع حراكهم إذا لم تتم الاستجابة لمطالبهم.
وتنقل صحيفة "نيويورك تايمز" عن محللين قولهم إن زيلينسكي سعى، من خلال إقالة سيرسكي، إلى تهدئة الشارع من دون الظهور وكأنه خضع بالكامل لضغوط المحتجين، خصوصاً أن إعادة فيدوروف إلى منصبه قد تمنحه نفوذاً سياسياً كبيراً داخل مؤسسات الدولة.
اللافت أنه مع تصاعد حدة الاحتجاجات، تحولت المطالب من إعادة فيدوروف إلى المطالبة بإقالة سيرسكي نفسه؛ فبالنسبة للكثير من الأوكرانيين، يقدم الأول طريقاً للنصر التقني، بينما يمثل الأخير نهجاً عسكرياً عفا عليه الزمن، يقوم على حروب الاستنزاف.
صراع الحروب التقليدية والحديثة
يوضح تحليل صادر عن موقع "ستراتفور" أن وزير الدفاع المقال فيدوروف كان مسؤولاً عن توسيع عمليات شراء المسيرات، وتعزيز برامج الضربات بعيدة المدى، والمساعدة في حظر استخدام القوات الروسية لمنظومة "ستارلينك" بطريقة غير مصرح بها.
اظهار أخبار متعلقة
في المقابل، يشيد مؤيدو سيرسكي، وفق "ستراتفور"، بخبرته العملياتية الانضباطية وسجله في الدفاع عن كييف وخاركيف، فضلاً عن ولائه للبلاد، إذ إنه خدم في القوات المسلحة الأوكرانية منذ الاستقلال عام 1991.
موسكو غير مكترثة بالتغييرات
في المقابل، قلّلت موسكو من أهمية التغييرات ضمن القيادات العسكرية العليا في كييف، مؤكدة أنها لن تؤثر في مسار العمليات القتالية.
وقال المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف إن القيادة الروسية متمسكة بشروطها السابقة لإنهاء الحرب، التي تشمل انسحاب القوات الأوكرانية من المناطق الأربع التي أعلنت روسيا ضمّها، وتخلي كييف عن مساعيها للانضمام إلى حلف شمال الأطلسي وتقليص حجم جيشها.