نشرت صحيفة "
صاندي
تايمز" تقريرا أعدته مراسلتها من العاصمة السورية دمشق، فرنشيسكا إيبل قالت
فيه إن استمرار التوغل الإسرائيلي في
الأراضي السورية يعمل على زعزعة الاستقرار الذي يعيشه السوريون ويدفع سكان القرى
للرد على
التوغلات باستخدام الحجارة، في ظل حكومة ترغب بتجنب التصعيد مع تل أبيب.
وأشارت الصحيفة إلى أنه "حينما
حاولت القوات الإسرائيلية في حزيران/ يونيو دخول بلدة عابدين الصغيرة، كان سكانها
بالانتظار مسلحين بالحجارة".
وبحسب شهود عيان استطلعت
صحيفة "صاندي تايمز" آراءهم، حاول القرويون، ومن بينهم عشرات الأطفال في
البداية إيقاف التقدم الإسرائيلي بسحب صخور ضخمة إلى الطريق. ثم بدأ الرجال برشق
الحجارة على المركبات المصفحة والمتطورة المقتربة، غاضبين من تعامل إسرائيل مع
قريتهم كمركز عسكري وبعد ذلك، توقف إطلاق النار التحذيري.
وقال خالد الدخلالة، 32
عاما، أحد سكان عابدين، والذي كان من بين الذين رشقوا الحجارة ذلك اليوم:
"سمعت الضابط المسؤول يصدر الأمر بإطلاق النار وتفريق الحشود، صرخنا قائلين:
إن قتلوا أحدا منا، فلن يخرجوا من هنا أبدا".
وتعلق الصحيفة أن مشاهد
كهذه، يشن فيها الجيش الإسرائيلي توغلات غير قانونية ويشتبك مع المدنيين، باتت
مشاهد أسبوعية في
سوريا.
وتضيف الصحيفة أن الحملات
الإسرائيلية المتكررة في جنوب سوريا تهدد بتقويض الاستقرار الذي شهدته البلاد
حديثا، في ظلّ معاناة دمشق من تحديات أمنية داخلية كبيرة، من بينها تصاعد أعمال
العنف الطائفي والجماعات المسلحة بعد سقوط الدكتاتور بشار الأسد. وأشارت إلى تحذيرات محللين من احتمالية تطور الموقف مع ازدياد حدة
المقاومة المحلية ضد إسرائيل.
اظهار أخبار متعلقة
يقول حايد حايد، الباحث في
برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في تشاتام هاوس: "ما رأيناه في عابدين هو
مؤشر على أن السكان المحليين، سواء أدركوا ذلك أم لا، بدأوا في المقاومة. لقد
بدأوا يشعرون بوضوح أنهم لا يستطيعون التعايش مع هذا الوضع، وهو مؤشر مقلق، ليس
فقط على سلامتهم، بل أيضا على تأثير ذلك على المفاوضات الجارية بين سوريا وإسرائيل".
وقالت الصحيفة إن إسرائيل
ليست قوة يمكن التصدي لها بالحجارة، فمنذ هجمات حماس في 7 أكتوبر 2023، قامت بالتمدد
وبشكل كبير في الدول المجاورة، بما في ذلك سوريا ولبنان، فضلا عن احتلالها للضفة
الغربية وقطاع غزة.
ففي الأيام التي أعقبت سقوط
الأسد في كانون الأول/ ديسمبر 2024، شنت إسرائيل حملة جوية مكثفة على سوريا، ما
أدى إلى تدمير ما يقدر بنحو 80% من القدرات العسكرية للبلاد.
ثم دخلت القوات الإسرائيلية
واحتلت المنطقة العازلة منزوعة السلاح التي أنشأتها الأمم المتحدة عام 1974، وأعلن
نتنياهو بطلان الاتفاقيات السابقة بشأن المنطقة مع انهيار الحكومة، وألقى خطابا من
قمة جبل الشيخ، داخل الأراضي السورية.
ومنذ ذلك الحين، واصلت
القوات الإسرائيلية شن غارات وهجمات واحتلال المزيد من الأراضي والمدن السورية.
ففي ساحة الأمويين بوسط دمشق، نصبت مظلة خضراء فوق الحفرة الكبيرة في واجهة وزارة
الدفاع السورية التي اخترقها صاروخ إسرائيلي العام الماضي.
وقالت الصحيفة إن المستوطنات الإسرائيلية موجودة في مرتفعات
الجولان المحتلة، ولكن في الربيع، بدأ المستوطنون بالتعدي على الأراضي السورية
وحاولوا إنشاء بؤر استيطانية، مطالبين الحكومة الإسرائيلية بتقنين نشاطهم. وقد دعت
منظمة العفو الدولية إلى إجراء تحقيق في جرائم الحرب فيما وصفته بأنه تدمير
إسرائيل المتعمد لمنازل المدنيين في القنيطرة، جنوب سوريا.
وتقول الصحيفة إن الحكومة
الإسرائيلية، كثيرا ما تبرر عملياتها العسكرية بأنها عملية لمكافحة الإرهاب، مدعية
أن الجيش الإسرائيلي يستهدف بشكل استباقي جماعات مرتبطة بحزب الله أو شبكات أخرى
مدعومة من إيران.
اظهار أخبار متعلقة
كما بررت بعض الهجمات، بما
فيها الضربة التي استهدفت وزارة الدفاع السورية العام الماضي، بأنها دفاع عن
الأقلية الدرزية في سوريا، التي تعتبرها امتدادا لدروز إسرائيل. وقد قتل نحو 1,700
شخصا، في أعمال عنف طائفية العام الماضي على يد قوات موالية للحكومة السورية. وقال
وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، بأن القوات الإسرائيلية ستبقى في سوريا
"إلى أجل غير مسمى".
وتعلق الصحيفة أن حكومة
دمشق ظلت عاجزة عن مواجهة احتلال إسرائيل الخفي لأراضيها، تحاصرها انقساماتها الداخلية
وموقفها الهش.
وكشف الرئيس أحمد الشرع في مقابلة مع قناة الجزيرة في 26 تموز/ يوليو، عن
محادثات تجري بين سوريا وإسرائيل من أجل اتفاق أمني وأعرب عن أمله في أن تفضي هذه
العملية إلى اتفاق سلام "شامل".
إلا أن بعض المحللين يعتقدون أن التوغلات الإسرائيلية
هي جزء من محاولة للسيطرة على المفاوضات، لأن المزيد من الأراضي يعني مزيدا من
النفوذ. وفي يوم الثلاثاء من شهر حزيران/ يونيو، وبينما كان الإسرائيليون يستعدون
للانسحاب من عابدين، حاول السكان منعهم. ثم بدأ الإسرائيليون بقصف أطراف القرية، ما
أجبر مئات العائلات على الفرار في حالة من الرعب. وقال الدخلالة إن "عددا لا
يحصى من المسيرات هاجمتهم وظهرت طائرة مروحية وبدأت تطلق النار وأجبرت الجميع على
الفرار".
ونقلت الصحيفة عن جمال
الإبراهيم، رئيس مجلس قروي، عابدين، أن نصف سكان القرية فروا بسبب حالة الذعر التي
أعقبت الحادثة وحاولوا العثور على ملجأ في القرى المجاورة. ورغم أن الحادثة أثارت
إدانة دولية، إلا أن رد فعل الحكومة السورية كان محدودا.
وعلق حايد، من تشاتام هاوس،
بأن أحداثا كهذه التي وقعت في عابدين تعد جزءا من نمط متكرر. وأضاف: "يختبر
الإسرائيليون حدود سيطرتهم ويواصلون توسيع نفوذهم على المنطقة التي يسيطرون عليها
فعليا، ويقيمون نقاط مراقبة أو نقاط تفتيش جديدة في مناطق مختلفة لتعزيز سيطرتهم
على الأرض".
وقال حايد إن الرئيس الشرع
في موقف حرج، وأن استمرار الضغط الإسرائيلي في المنطقة يصب في مصلحة نتنياهو.
واختتم قائلا: "لا تملك الحكومة السورية الكثير من الخيارات"، فالمواجهة
الشاملة مستبعدة تماما والورقة الوحيدة المتاحة أمام سوريا هي التفاوض وهي تسعى
جاهدة في هذا الاتجاه. وتحاول استغلال علاقاتها الجيدة مع دونالد ترامب لإظهار
استعدادها للتعاون، في محاولة لتهدئة الوضع.
ويتمتع الشرع بعلاقة جيدة مع الرئيس الأمريكي منذ توليه
منصبه، حتى أنه لبى دعوة لزيارة البيت الأبيض العام الماضي. ولكن، على الرغم من
جهود ترامب لحث سوريا على الانضمام إلى الحرب ضد إيران، أصر الشرع على ضرورة بقاء
بلاده خارج الصراع في الشرق الأوسط ما لم تستهدف بشكل مباشر.
ورغم عدم وقوع إصابات في
عابدين، إلا أن العديد من الغارات الإسرائيلية في سوريا كانت مميتة. ففي 28 تشرين
الثاني/ نوفمبر 2025، شن الجيش الإسرائيلي غارة في الفجر على قرية بيت جن، جنوب
غرب سوريا. وتظهر مقاطع فيديو جنودا إسرائيليين يعتقلون عددا من الرجال، الذين
ادعى الجيش الإسرائيلي لاحقًا أنهم مسلحون.
اظهار أخبار متعلقة
وفي بيت جن، قاوم القرويون
أيضا، حيث حاصر السكان الغاضبون سيارة عسكرية من طراز همفي. وردت إسرائيل بغارات
جوية وقصف مدفعي، ما أسفر عن مقتل 13 شخصًا على الأقل، بينهم طفلان، وإصابة 25
آخرين. وأدانت وزارة الخارجية السورية الهجوم ووصفته بجريمة حرب.
وقال قاسم حمادة، البالغ من
العمر 85 عاما إن خمسة من أفراد عائلته
قتلوا في الهجوم من بينهم ابنيه محمد وعبد
الرحمن وزوجة ابنه وحفيديه الصغيرين ودمر منزل العائلة بالكامل.
ووصف حمادة ما حدث للصحيفة
قائلا: "قتلوا وهم نائمون، ما زلت مصدوما، لقد فقدت حياتي كلها". وانتقل
منذ ذلك الحين إلى سكن مؤقت على بعد 20 ميلا شمال شرق بيت جن في أرتوز، حيث يعيش
مع حفيديه اليتيمين. ولم تكن هذه المرة الأولى في التاريخ التي تهاجم فيها إسرائيل
القرية.
ففي عام 1973، احتلت
إسرائيل بيت جن لعدة أشهر. وعلى الرغم من هدوء الوضع في القرية، إلا أن العداء
تجاه إسرائيل يتزايد. فقد واصل الجيش الإسرائيلي إغلاق الطرق المؤدية إلى القرية
والخارجة منها، وشن المزيد من المداهمات والاعتقالات، وأقام نقاط تفتيش في المنطقة
المحيطة.
وقال حمادة: "من
المرجح أن يثور الناس قريبا ضد القوات الإسرائيلية. منذ أن كنت في الثالثة عشرة من
عمري، وأنا أعرف أساليبهم، فلن يتوقفوا عند أي شيء، لا حدود لهم ولا يلتزمون بأي
مبادئ. إنهم يقتحمون القرى من كل الجهات".