كيف جعلت تركيا تجاهلها أكثر كلفة داخل الناتو؟

محمد الصاوي
"لم تكن القمة مجرد اجتماع دوري لقادة الدول الأعضاء، بقدر ما كانت فرصة لإعادة تعريف موقع تركيا داخل المنظومة الأمنية الأوروبية"- الأناضول
"لم تكن القمة مجرد اجتماع دوري لقادة الدول الأعضاء، بقدر ما كانت فرصة لإعادة تعريف موقع تركيا داخل المنظومة الأمنية الأوروبية"- الأناضول
شارك الخبر
لم يتغير موقع تركيا على الخريطة خلال يومين من اجتماعات حلف شمال الأطلسي في أنقرة، لكن الطريقة التي بدأ بها الحلف قراءة تلك الخريطة تغيرت بوضوح. فعندما غادر القادة العاصمة التركية، لم يحمل كثير منهم مجرد هدية بروتوكولية تمثلت في مسدس تركي الصنع نُقش عليه اسم صاحبه، بل حملوا رسالة سياسية صاغتها أنقرة بعناية: أن تجاهل تركيا قد أصبح أكثر كلفة من التعامل معها. لم تُكتب هذه الرسالة في البيان الختامي، لكنها كانت، على الأرجح، أكثر ما بقي في أذهان المشاركين بعد انتهاء القمة.

ولم يكن الجدل الذي أثارته الهدية، بسبب القيود القانونية المفروضة على حيازة الأسلحة في بعض الدول، سوى تفصيل جانبي في مشهد أكبر. فقيمتها لم تكمن في طبيعة الهدية نفسها، بل في قدرتها على اختزال رسالة استراتيجية كاملة داخل رمز واحد. وبينما انشغل البعض بالإجراءات البروتوكولية، كانت أنقرة تحاول توجيه الانتباه إلى حقيقة مختلفة: موقعها داخل الحلف لم يعد يُقاس بحجم الخلافات التي أثارتها خلال السنوات الماضية، بل بحجم الفراغ الذي قد يتركه تراجع دورها.

بهذا المعنى، لم تكن القمة مجرد اجتماع دوري لقادة الدول الأعضاء، بقدر ما كانت فرصة لإعادة تعريف موقع تركيا داخل المنظومة الأمنية الأوروبية. فقد ناقش الحلف مستقبل الإنفاق الدفاعي، واستمرار دعم أوكرانيا، وتسريع الإنتاج العسكري، وتعزيز الجاهزية الجماعية، وهي ملفات وضعت مسألة القدرة الفعلية على توفير الأمن في صدارة الأولويات. وفي مثل هذه البيئة، لم تعد الدول تُقيَّم فقط بما تمتلكه من قدرات، وإنما أيضاً بمدى صعوبة الاستغناء عنها عند إدارة الأزمات.

من الحليف المزعج إلى الشريك الضروري
لم يكن التحول الحقيقي في أنقرة نفسها بقدر ما كان في إدراك الآخرين لها. فالدول لا تزيد أهميتها بمجرد امتلاك عناصر القوة، وإنما عندما تتغير حسابات شركائها وخصومها بشأن كلفة الاستغناء عنها. ومن هذه النقطة تحديداً بدأ الانتقال من صورة الحليف المثير للخلاف إلى صورة الشريك الذي أصبحت الحاجة إليه أكبر من الرغبة في الاختلاف معه

طوال أكثر من عقد، ارتبط اسم تركيا داخل الناتو بالخلافات أكثر من ارتباطه بالمساهمة الجماعية. فقد ترك شراء منظومة "إس-400" الروسية، وما ترتب عليه من عقوبات أمريكية واستبعاد من برنامج "إف-35"، أثراً عميقاً في صورة أنقرة داخل الحلف، قبل أن تضيف ملفات سوريا وليبيا وشرق المتوسط والخلافات مع اليونان مزيداً من التوتر إلى العلاقة مع عدد من العواصم الغربية. ومع مرور الوقت، ترسخ انطباع بأن تركيا تمثل الشريك الأكثر استقلالاً والأكثر صعوبة في آن واحد.

غير أن البيئة الاستراتيجية التي أنتجت تلك الصورة لم تعد كما كانت، فقد أعادت الحرب في أوكرانيا الاعتبار لعناصر ظل كثيرون يعتقدون أن أهميتها تراجعت بعد الحرب الباردة؛ فعادت الجغرافيا إلى قلب الحسابات الأمنية، وأصبح الإنتاج العسكري قضية استراتيجية لا تقل أهمية عن الخطط العملياتية، وبرزت الحاجة إلى ممرات الطاقة وسلاسل الإمداد والقدرة على التصنيع السريع بوصفها عناصر أساسية في معادلة الردع. ونتيجة لذلك، بدأت أولويات الحلف تتغير، ومعها تغيرت الطريقة التي يُنظر بها إلى تركيا.

لم تختفِ الخلافات السياسية، لكنها فقدت احتكارها لتفسير العلاقة بين أنقرة والحلف. فالموقع الجغرافي الذي يربط أوروبا بالبحر الأسود والشرق الأوسط، وقنوات الاتصال التي حافظت عليها تركيا مع موسكو، واستقلالية قرارها السياسي، وهي عناصر كانت تُقدَّم سابقاً بوصفها مصادر إزعاج، أصبحت في البيئة الأمنية الجديدة تمثل أوراقاً يصعب تجاهل قيمتها العملية. وهكذا لم تعد تركيا تُقرأ باعتبارها المشكلة التي ينبغي احتواؤها، بل باعتبارها جزءاً من الحل الذي يبحث عنه الحلف.

لهذا لم يكن التحول الحقيقي في أنقرة نفسها بقدر ما كان في إدراك الآخرين لها. فالدول لا تزيد أهميتها بمجرد امتلاك عناصر القوة، وإنما عندما تتغير حسابات شركائها وخصومها بشأن كلفة الاستغناء عنها. ومن هذه النقطة تحديداً بدأ الانتقال من صورة الحليف المثير للخلاف إلى صورة الشريك الذي أصبحت الحاجة إليه أكبر من الرغبة في الاختلاف معه.

حيث تتحول المصانع إلى سياسة

لم يكن أكثر ما كشفته قمة أنقرة مرتبطاً بعدد البيانات الصادرة عنها، بل بطبيعة اللغة التي سيطرت على نقاشاتها. فقد انتقل الحديث داخل الحلف من سؤال يتعلق بحجم الترسانات العسكرية إلى سؤال أكثر إلحاحاً: من يملك القدرة على إنتاج القوة بالسرعة التي تفرضها البيئة الأمنية الجديدة؟

ولهذا اكتسبت الفعاليات الدفاعية التي سبقت القمة أهمية خاصة، بعدما شهدت الإعلان عن مشروعات واتفاقات في مجالات الدفاع الجوي، والأنظمة غير المأهولة، والقدرات الصاروخية والفضائية. ولم تكن قيمة هذه الإعلانات في عدد العقود الموقعة، وإنما في الرسالة التي حملتها: لم يعد الردع يعتمد فقط على امتلاك السلاح، بل على امتلاك قاعدة صناعية قادرة على إنتاجه وتطويره وتعويضه عند الحاجة.

وفي السياق نفسه، أكد الحلف عزمه مواصلة تقديم ما لا يقل عن 70 مليار يورو من المساعدات العسكرية لأوكرانيا خلال عام 2026، مع الحفاظ على مستوى مماثل في العام التالي. لم يكن الرقم، في حد ذاته، هو الرسالة الأهم، بل ما كشف عنه من تحول في أولويات الناتو؛ إذ لم تعد المشكلة الأساسية نقص الإرادة السياسية، وإنما اتساع الفجوة بين الالتزامات العسكرية والقدرة الصناعية على تلبيتها.

في هذه اللحظة تحديداً، ظهرت تركيا بصورة مختلفة. فالصناعة الدفاعية التركية لم تعد مشروعاً وطنياً يهدف إلى توسيع الصادرات أو تقليل الاعتماد على الخارج، بل أصبحت جزءاً من النقاش الأوروبي حول كيفية سد فجوة الإنتاج العسكري. ومع اقتراب صادرات الصناعات الدفاعية والطيران التركية من عشرة مليارات دولار، واتساع حضور منتجاتها في الأسواق الأوروبية والغربية، لم تعد أنقرة تُقدَّم بوصفها مستهلكاً للأمن الجماعي، بل بوصفها دولة تسهم بصورة متزايدة في إنتاجه. ولم تكن هذه الأرقام كافية لوضع تركيا في مصاف القوى الصناعية الكبرى، لكنها كانت كافية لتغيير الطريقة التي يُنظر بها إلى دورها داخل منظومة الدفاع الأطلسية.

عندما تصبح القيود على تركيا عبئاً على الحلف

في هذا السياق، لم تعد القضية بالنسبة إلى أنقرة تقتصر على الدفاع عن صناعاتها العسكرية أو المطالبة برفع القيود المفروضة عليها، بل أصبحت محاولة لإعادة تعريف المشكلة نفسها. فقد سعى الرئيس رجب طيب أردوغان إلى تقديم هذه القيود، لا باعتبارها عقبة أمام تركيا وحدها، وإنما باعتبارها عبئاً يحد من قدرة الحلف على تسريع إنتاجه الدفاعي في لحظة تتزايد فيها التحديات الأمنية.

ليست هذه المطالبة جديدة، لكن البيئة التي طُرحت فيها تغيرت جذرياً. فأوروبا التي تبحث اليوم عن مزيد من الذخائر، وأنظمة الدفاع الجوي، والطائرات المسيّرة، لم تعد تستطيع النظر إلى استبعاد الشركات التركية باعتباره مجرد أداة ضغط سياسي. ومع ازدياد الحاجة إلى توسيع القاعدة الصناعية الدفاعية، بدأ السؤال يفرض نفسه بصورة مختلفة: هل يخدم استمرار هذه القيود أمن الحلف، أم أنه أصبح يحد من قدرته على الاستجابة السريعة؟

ومن هنا انتقل النقاش من تقييم السلوك التركي إلى تقييم كلفة استمرار السياسات القديمة. ففي العلاقات الدولية، لا يبدأ التحول الحقيقي عندما يتغير القرار، بل عندما يصبح الدفاع عن القرار السابق أكثر صعوبة من مراجعته.

وجاء الإعلان عن مشروع "القبة الفولاذية" ليعزز هذه الرسالة، فالمشروع لم يُقدَّم باعتباره برنامجاً وطنياً لتطوير الدفاع الجوي فحسب، بل باعتباره دليلاً على استعداد تركيا لتحمل نصيب أكبر من أعباء الأمن الجماعي. كما أن إعلان تخصيص نحو 24 مليار دولار إضافية لتطوير المنظومة، مع التأكيد على السعي إلى بلوغ معيار الإنفاق الدفاعي الجديد قبل المواعيد المقررة، وجّه رسالة واضحة إلى واشنطن والعواصم الأوروبية مفادها أن أنقرة لا تطالب بمعاملة استثنائية، بل بإعادة تقييم وزنها الفعلي داخل المعادلة الدفاعية للحلف.

عندما تتحول الجغرافيا إلى نفوذ

كثيراً ما توصف تركيا بأنها دولة تتمتع بجغرافيا استثنائية، لكن الجغرافيا لا تمنح النفوذ تلقائياً، وإلا لامتلكته كل دولة تقع عند تقاطع الأقاليم. فقيمة الموقع لا تُقاس بما يظهر على الخرائط، وإنما بقدرة الدولة على تحويله إلى خيارات استراتيجية تؤثر في حسابات الآخرين.

وهذا ما حاولت أنقرة ترسيخه خلال السنوات الأخيرة. فهي تتحكم في المضائق التي تربط البحر الأسود بالبحر المتوسط، وتقع على تماس مباشر مع روسيا وأوكرانيا والقوقاز والشرق الأوسط، وتستضيف منشآت حيوية للحلف، وفي الوقت نفسه تحافظ على قنوات اتصال مع أطراف متنافسة. غير أن أهمية هذه العناصر لا تكمن في كل منها على حدة، بل في قدرتها على العمل ضمن معادلة واحدة تربط أمن أوروبا باستقرار البحر الأسود، والتعاون الدفاعي بملفات الطاقة، والتوازن مع روسيا بمتطلبات الأمن الأطلسي.

ومن هنا يتجاوز النفوذ التركي حجم القدرات العسكرية أو المؤشرات الاقتصادية وحدها. فالقوة، في كثير من الأحيان، لا تُقاس بما تمتلكه الدولة، بل بما يخسره الآخرون إذا قرروا استبعادها من ترتيبات الأمن أو الاقتصاد أو إدارة الأزمات. وعندما تصبح كلفة التجاهل أعلى من كلفة الشراكة، تكون الدولة قد نجحت في إعادة تعريف موقعها داخل النظام الذي تنتمي إليه.

ما تكشفه التجربة التركية

قد يكون من السهل النظر إلى قمة أنقرة بوصفها نجاحاً دبلوماسياً حققته الدولة المضيفة، لكن هذا التفسير، على أهميته، لا يلتقط التحول الأعمق الذي كشفت عنه القمة. فما بدا على السطح إعادة تموضع سياسي، يعكس في جوهره تغيراً في الطريقة التي تُمارس بها القوة داخل النظام الدولي. فمع تزايد الترابط بين الأمن والصناعة والجغرافيا وسلاسل الإمداد، لم تعد الدول تعزز مكانتها فقط عبر امتلاك قدرات أكبر، بل عبر إعادة تشكيل إدراك الآخرين لقيمة تلك القدرات.

ومن هذه الزاوية، تبدو التجربة التركية أكثر من مجرد حالة وطنية. فهي توضح كيف يمكن لدولة أن ترفع وزنها الاستراتيجي، ليس لأنها غيرت موازين القوى المادية بصورة جذرية، بل لأنها نجحت في تغيير الطريقة التي يحسب بها الآخرون كلفة تهميشها. فالتحول الحقيقي لم يكن في الجغرافيا التركية، ولا في حجم الجيش أو الصناعات الدفاعية وحدها، وإنما في انتقال هذه العناصر من كونها مزايا تمتلكها الدولة إلى عناصر أعادت صياغة حسابات شركائها.

ولهذا أقترح توصيف هذا النمط باسم "الردع الإدراكي"، ويقصد به قدرة الدولة على إعادة تشكيل إدراك الأطراف الأخرى لقيمتها الاستراتيجية، بحيث يصبح استبعادها من ترتيبات الأمن أو الاقتصاد أو السياسة أكثر كلفة من إشراكها، حتى من دون تغير جوهري في ميزان القوة المادية.

ويختلف هذا النمط عن الردع التقليدي، الذي يقوم على التهديد باستخدام القوة أو احتمال اللجوء إليها، كما يختلف عن القوة الناعمة التي تعتمد على الجاذبية والإقناع. فالردع الإدراكي لا يسعى إلى إخافة الآخرين ولا إلى كسب إعجابهم، بل إلى إعادة تشكيل حساباتهم الاستراتيجية، بحيث يصبح إدماج الدولة في ترتيباتهم خياراً أقل كلفة وأكثر عقلانية من تهميشها.

ومن هذا المنظور، لم تكن الرسالة التي وجهتها تركيا إلى حلفائها أنها قادرة على فرض إرادتها، بل أنها أصبحت جزءاً من معادلة يصعب تحقيق أهداف الحلف من دونها بالدرجة نفسها من الكفاءة والسرعة. فحين ترتبط القدرات الصناعية بالموقع الجغرافي، وتتداخل خطوط الإمداد مع متطلبات الردع، وتصبح قنوات الاتصال عنصراً في إدارة الأزمات، فإن قيمة الدولة لا تُقاس فقط بما تملكه، بل أيضاً بما يخسره الآخرون إذا غابت عن المعادلة.

وفي المقابل، حملت الرسالة بعداً آخر لا يقل أهمية بالنسبة إلى موسكو. فتركيا لم تكن بحاجة إلى تصعيد خطابها أو التلويح بخيارات عسكرية جديدة، إذ كان مجرد إظهار استعدادها لتعميق تعاونها الدفاعي مع الحلف كافياً لتأكيد أن هامش حركتها الاستراتيجية ما يزال واسعاً، وأن خياراتها لا يمكن افتراضها مسبقاً من أي طرف.

أهمية التجربة التركية لا تكمن في خصوصيتها وحدها، بل في أنها قد تكشف عن نمط جديد في ممارسة القوة. فقد تجد قوى صاعدة، مثل الصين والهند، أو حتى الاتحاد الأوروبي في بعض الملفات، أن تعظيم النفوذ لا يتحقق دائماً عبر زيادة القدرات العسكرية أو الاقتصادية، بل عبر جعل استبعادها من ترتيبات الأمن والاقتصاد والسياسة خياراً أكثر كلفة من إشراكها

ومع ذلك، ينبغي تجنب المبالغة في استخلاص النتائج. فالصور الرمزية، مهما كانت مؤثرة، لا تتحول تلقائياً إلى نفوذ دائم. وما تزال تداعيات أزمة "إس-400" تلقي بظلالها على العلاقات التركية الغربية، كما لا تزال قطاعات من الصناعات الدفاعية التركية تعتمد على التكنولوجيا الغربية وسلاسل الإمداد والأسواق الأوروبية والأمريكية. ولهذا سيظل نجاح هذا التحول مرهوناً بقدرته على إنتاج نتائج ملموسة، سواء من خلال توسيع التعاون الصناعي، أو تخفيف القيود المفروضة على الشركات التركية، أو زيادة اندماجها في برامج الإنتاج الدفاعي المشتركة.

الدولة التي غيّرت السؤال

لم تُنهِ قمة أنقرة الخلافات بين تركيا وشركائها، ولم تجعلها الدولة التي لا يمكن الاستغناء عنها في جميع ملفات الحلف. غير أن أهم ما حققته ربما كان أكثر عمقاً من ذلك كله؛ إذ أعادت صياغة السؤال الذي يحكم النظر إلى موقعها داخل الناتو.

قبل سنوات، انصب النقاش في كثير من العواصم الغربية على ما إذا كانت تركيا أصبحت مشكلة داخل الحلف. أما اليوم، فقد أصبح السؤال مختلفاً: ما الذي سيخسره الحلف إذا لم يتعامل معها بوصفها شريكاً لا غنى عنه في عدد متزايد من الملفات الأمنية والصناعية والجيوسياسية؟ وبين السؤالين مسافة لا تقاس بالكيلومترات ولا بحجم الإنفاق العسكري، بل بطريقة إدراك القيمة الاستراتيجية للدول.

وربما لن يتذكر كثيرون بعد سنوات تفاصيل الهدية البروتوكولية التي قُدمت لقادة الناتو، لكنهم قد يتذكرون أن قمة أنقرة كانت لحظة تغيرت فيها طريقة التفكير في موقع تركيا داخل الحلف. فالقيمة التي سعت أنقرة إلى ترسيخها لم تكن أنها أصبحت بلا خلافات، بل أن كلفة استبعادها باتت أعلى من ذي قبل.

وإذا صح هذا التفسير، فإن أهمية التجربة التركية لا تكمن في خصوصيتها وحدها، بل في أنها قد تكشف عن نمط جديد في ممارسة القوة. فقد تجد قوى صاعدة، مثل الصين والهند، أو حتى الاتحاد الأوروبي في بعض الملفات، أن تعظيم النفوذ لا يتحقق دائماً عبر زيادة القدرات العسكرية أو الاقتصادية، بل عبر جعل استبعادها من ترتيبات الأمن والاقتصاد والسياسة خياراً أكثر كلفة من إشراكها. وإذا ثبتت قابلية هذا النمط للتكرار، فلن يكون "الردع الإدراكي" مجرد وصف لحالة تركية، بل إطاراً تحليلياً يمكن اختباره على حالات أخرى في العلاقات الدولية.

وعندها لن يصبح السؤال الأهم: كيف تبني الدول القوة؟ بل كيف تدفع الآخرين إلى إعادة تقييم كلفة غيابها.

إذا كانت الدول في القرن العشرين تتنافس على تعظيم قدراتها، فهل سيكون التحدي الأكبر في القرن الحادي والعشرين هو تعظيم كلفة تجاهلها؟

ملحوظة هامة: مفهوم "الردع الإدراكي" (Perceptual Deterrence) هو مفهوم تحليلي مقترح من الكاتب، مستلهم من أدبيات الردع والإدراك الاستراتيجي، وليس مصطلحاً متداولاً في الأدبيات الحالية.

[email protected]


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)