لماذا لا تخاف تركيا من إسرائيل مع أنها تمتلك ترسانة من الأسلحة النووية؟

إسحاق جمالي
"تركيا تمتلك كل عناصر القوة"- الأناضول
"تركيا تمتلك كل عناصر القوة"- الأناضول
شارك الخبر
لكي نفهم لماذا لا تخاف تركيا من إسرائيل رغم الترسانة النووية الإسرائيلية، علينا أن ننظر إلى الصورة كاملة بعيداً عن الترهيب الإعلامي. صحيح أن إسرائيل تمتلك أسلحة نووية، لكن القوة الحقيقية لا تقاس بعدد الرؤوس فقط، بل بقدرة الدولة على حماية نفسها، وعلى الرد، وعلى تحويل السلاح النووي للخصم إلى عبء عليه بدلاً من أن يكون رادعاً.

إذا كانت إسرائيل تمتلك القبة الحديدية لاعتراض الصواريخ قصيرة المدى، فإن تركيا أعلنت عن امتلاكها القبة الفولاذية، وهي منظومة دفاع جوي متعددة الطبقات تعتمد على الذكاء الاصطناعي وشبكة رادارات متكاملة، وقد خصصت لها ميزانية ضخمة في عام 2025 وحدها لتوفير حماية شاملة بأبعاد 360 درجة.

وإذا كانت إسرائيل تمتلك طائرات إف-35 الشبحية من الجيل الخامس، فإن تركيا تمتلك طائرتها الوطنية قآن (KAAN) الشبحية من الجيل الخامس أيضاً، والتي أقلعت تجريبياً في فبراير 2024، وهي مصممة لتحقيق التفوق الجوي وتستطيع أن تفعل ما تفعله الإف-35 بل وأكثر لأنها صنعت بحسب الاحتياجات التركية الخاصة.

وإذا كانت إسرائيل تمتلك مخابرات قوية مثل الموساد، فإن تركيا تمتلك جهاز استخبارات قوياً جداً، والأهم من ذلك أنه يعمل بتناغم وتشارك كامل مع جهاز الاستخبارات الباكستاني المشهور بقوته ونفوذه العميق وهذا التعاون الاستخباراتي يعني أن المعلومات الحساسة عن المواقع النووية الإسرائيلية في صحراء النقب لم تعد سراً، بل هي نقاط مرسومة بدقة.

وعلاوة على ذلك، فإن تركيا بدأت الاستثمار الكبير في صناعة الرقائق الإلكترونية محلياً، وهو ما منحها استقلالاً تكنولوجياً نادراً، فهي الآن تعيد إنتاج الطائرات التي اشترتها من الغرب قبل سنوات بعد أن تغير رقائقها الإلكترونية بأخرى محلية الصنع، مما يمنحها السيطرة الكاملة عليها دون أي قيود أو أبواب خلفية قد يفرضها المُصنع الأصلي.

ثم يأتي صاروخ يلدرم خان التركي العابر للقارات بمدى يصل إلى 6000 كيلومتر، وهذا الصاروخ وإن لم يحمل رؤوسا نووية، إلا أن حجم الدمار التقليدي الذي يقدر عليه يقترب بشكل كبير من حجم أسلحة الدمار الشامل، فهو يحمل رأساً حربياً تقليدياً بوزن يصل إلى ثلاثة أطنان، وينطلق بسرعة هائلة تجعله قادراً على تدمير المواقع المحصنة تحت الأرض، والأهم من كل ذلك أن هذا الصاروخ يتمتع باستقلال رقاقي وتطور تكنولوجي هائل لا يمكن مقارنته بالصواريخ العشوائية التي تمتلكها هذه الدولة أو تلك في منطقة الشرق الأوسط.

إسرائيل اليوم أكثر عزلة من أي وقت مضى، وأن أي تهديد باستخدام السلاح النووي سيجعلها منبوذة دولياً، بل سيجعل الرد عليها مشروعاً ومقبولاً

وأما بالنسبة للسلاح النووي نفسه، فتركيا لم تعلن رسمياً أنها اشترته أو صنعته، لكن الجميع يدرك أن التعاون العسكري الشامل مع باكستان التي تمتلك 170 رأساً نووياً يعني أن تركيا تستطيع أن تمتلك هذا السلاح متى أرادت، وباكستان لم تصنع هذه الرؤوس لتدمير العالم، بل لضمان علاقة ندية مع حلفائها على منطق رابح رابح، وعشر رؤوس نووية فقط قادرة على مسح دول بأكملها، فهل يعقل أن تبقى هذه الترسانة بعيدة عن الشريك التركي؟ طبعاً لا. ولكن الأهم من كل ما سبق هو حقيقة جغرافية قاسية لإسرائيل مساحتها لا تتجاوز 22 ألف كيلومتر مربع، أي أنها لا تساوي حتى محافظة قيصري في تركيا أو محافظة كرمانشاه في إيران، هذه المساحة الصغيرة تشبه غرفة ضيقة مليئة بالأسلحة النووية، وأي انفجار لإحدى هذه الرؤوس نتيجة قصف مباشر أو خطأ فني سيلف البلاد كلها بالإشعاع ولن يبقى مكان آمن، ولذلك يدرك الموساد جيداً أن عدم تحقيق مشروع إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات وأرض الميعاد يعني نهاية إسرائيل، لأن الرؤوس النووية التي جمعتها أصبحت هدفاً عكسياً لا رادعاً.

ففي حال نشوب حرب لا سمح الله، فإن مصر وتركيا بفضل أجهزتها الاستخباراتية القوية وبفضل صواريخ يلدرم خان الدقيقة وطائرات قآن الشبحية القادرة على ضرب النقاط على حروفها، تستطيع أن توجه ضربات جراحية إلى مفاعل ديمونة النووي وإلى مخازن الرؤوس النووية في مواقع مثل تل نوف وإيلابون، وانفجار هذه الرؤوس داخل إسرائيل سيمحو كل شيء ولن يبقى في تلك الجغرافيا الصغيرة إسرائيلي واحد، وهذا ليس كلاماً عاطفياً بل هو معادلة استراتيجية مفهومة.

وأخيراً، لا يمكن تجاهل الوضع الدولي الحالي أمريكا اليوم بحاجة ماسة إلى تركيا في مواجهة الصين وتطورات تايوان، ولا يمكنها أن تخسر حليفاً استراتيجياً بهذا الحجم من أجل مغامرة إسرائيلية، وأوروبا منشغلة بتعقيدات الحرب في أوكرانيا ولا تملك القوة أو الرغبة لفتح جبهة جديدة في الشرق الأوسط، وهذا يعني أن إسرائيل اليوم أكثر عزلة من أي وقت مضى، وأن أي تهديد باستخدام السلاح النووي سيجعلها منبوذة دولياً، بل سيجعل الرد عليها مشروعاً ومقبولاً.

باختصار، تركيا لا تخاف لأنها تمتلك كل عناصر القوة: دفاع القبة الفولاذية، وهجوم بطائرة قآن، وصاروخ يلدرم خان، واستخبارات بالتعاون مع باكستان، واستقلال تكنولوجي بالرقائق المحلية، وشراكة نووية مع باكستان، وأخيراً جغرافية إسرائيل الصغيرة التي تجعل أي سلاح نووي هناك مجرد قنبلة على صدر صاحبها، فإسرائيل تستطيع أن تهدد بالسلاح النووي لكن تنفيذ هذا التهديد سيكون انتحاراً، وهذا هو السر الحقيقي الذي يجعل تركيا تنام بلا خوف.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل