كيف يستفيد المسلمون من الصراعات العالمية اليوم في ظل سنة التدافع وقوانين التاريخ؟

إسحاق جمالي
جيتي
جيتي
شارك الخبر
يُعد مفهوم "سنة التدافع الكونية" في الإسلام تفسيرا قرآنيا عميقا لغاية الخلق البشري وتطور التاريخ، كما يوضحه الدكتور عماد الدين خليل (رحمه الله) في دروسه التفسيرية، مستندا إلى قوله تعالى: "أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ" (العنكبوت: 2). هذه الآية تكشف أن الله سبحانه لم يخلقنا لنعيش في سكينة كاملة أو استكانة، بل لنُفتن في ميدان الابتلاء حيث يصطدم الحق بالباطل، فيتميز الطيب من الخبيث كما في قوله تعالى: "لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىٰ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ" (الأنفال: 37). الغاية الكبرى "لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا" (الملك: 2)، فالدنيا دار جهاد وارتقاء، لا راحة دائمة؛ يُبتلى الغني بماله ليُظهر كرمه وإنفاقه في سبيل الله، والفقير بصبره ليُثبت إيمانه وتوكله، والقوي بحكمته ليُبيّن عدله وعدوانه على الظالمين.

يؤكد الدكتور عماد الدين أن الانتصار في هذا التدافع يكمن في التمسك بالقرآن كسلاح أساسي، والصبر الجميل، والإيمان بالله، مع الدعوة بحكمة لا هروبا من الصراع، فمن يلتزم يرتفع بإذن الله، ومن يستسلم يهلك، والآخرة جزاء هذا الابتلاء كله.

بدأت هذه السنة منذ الخلق الأول نفسه، كسجود الملائكة لآدم عليه السلام ورفض إبليس: "وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ" (البقرة: 34)، ثم امتدت إلى الأنبياء والأمم والشعوب: فرعون يُعادي موسى عليه السلام، أبو لهب وقريش يتصدون للنبي محمد ﷺ، والكفار يُحاربون المسلمين في كل عصر. هذا التصادم سنة كونية ثابتة تُبني التاريخ البشري على التمحيص، كما يُثبت قوله تعالى: "وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ" (البقرة: 251)، فالتدافع يحفظ التوازن الكوني، يُظهر الأصلح، ويُخرج الخبيث ليُهلك، مُظهرا عباد الله الصالحين كما بنى الله التاريخ على ذلك.

ما يجري اليوم بين البشرية من صراع ونفوذ على سلطة العالم ليس شيئا جديدا، بل هو "وَلَذَلِكَ خَلَقَهُمْ"، أي السبب الأساسي لخلقنا، والخلاف لا يزال موجودا كسنة إلهية. التناقضات الدولية على مستوى العالم والقارات والمناطق، كالخلاف الجذري بين الصين والولايات المتحدة اقتصاديا وعسكريا، وروسيا وأوروبا في أوكرانيا، وإسرائيل ودول المنطقة، وباكستان والهند في كشمير؛ هي هبة إلهية للمسلمين ليستفيدوا منها بالذكاء والتكاتف مع بعضهم.

مثال حي وواضح هو سوريا لو لم تكن سنة التدافع، ولم تتورط روسيا في أوكرانيا، لما انشغلت عن دعم نظام البعث الأسدي البائد، ولما تم تحريرها بفضل الله ثم هذه التناقضات، مُثبتا أن الله يدفع الناس بعضهم ببعض ليحيي الأرض بعد موتها ويُمكّن الصالحين.

أما الولايات المتحدة، فتشعر بقوى صاعدة تنافس قواها العالمية على مستوى الاقتصاد كالصين، والعسكري كروسيا، والتكتيك والتكنولوجيا كغيرها، لذا تسعى لخروجها من حلف الناتو جزئيا أو إعادة ترتيبه، بشكل مشابه لحيادها في الحرب العالمية الثانية، حيث استنزفت قوى العالم في حروب هتلر وأُنهكت الدول كلها وخسرت ما خسرت، ثم دخلت أمريكا في آخر اللحظات لتنتصر وتُشكّل النظام العالمي. اليوم، تريد صداما روسيا أوروبيا ليضعفوا أكثر وأكثر، مع استخدام أوراق ضغط مثل السيطرة على مضيق هرمز وقناة السويس لخنق الصين اقتصاديا، ضامنة بذلك قيادتها السياسية والاقتصادية على العالم لمئة سنة أخرى.

لذا، يجب على المسلمين التخلي عن اجتماعات مثل منظمة الدول الإسلامية وجامعة الدول العربية، والسير نحو حلف حقيقي في الجوانب العسكرية للدفاع المشترك، والأمنية لمكافحة التهديدات، والاقتصادية لبناء على منطق رابح-رابح، لاستغلال التناقضات وترقية الأمة كلها. التمسك بالقرآن والصبر الجميل يضمن الارتقاء والنصر بإذن الله.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل