في البداية
يجب أن نفهم قانونا تاريخيا ثابتا، لا يتغير بتغير الزمان أو المكان: الإمبراطوريات
لا تسقط من الخارج فقط بفعل أعدائها، بل تتعفن من الداخل أولا ثم تأتي الضربات الخارجية
لتُنهي ما تبقى. وسقوط روما، والدولة العثمانية، والاتحاد السوفييتي، وحتى الأندلس،
كلها شواهد على أن
الانهيار يبدأ عندما يفسد النظام القيمي ويختل التوازن
الأخلاقي.
وأول وأوضح
علامات هذا العفن الداخلي هو البذخ والتبذير اللذان يتحولان من ممارسة نادرة إلى ثقافة
يومية، ومن ثم إلى صناعة كاملة تستهلك موارد الأمة وتُعمي بصيرتها.
يصبح الفساد
والتبذير الممنهج نظاما، مثلما يجري اليوم في أوروبا وأمريكا، وليس مجرد فساد مالي
هنا أو هناك، بل هو تبذير ممنهج على مستوى الدولة والمجتمع، يشمل الأخلاق والمال والنظام
القيمي بأكمله.
لنتأمل بعض
الأرقام الصادمة في هذا المجال، مثل رواتب الرياضيين، حيث يتقاضى لاعب كرة قدم أكثر
من 400 مليون دولار سنويا، هذا الرقم يفوق الناتج المحلي الإجمالي لدول بأكملها مثل
دومينيكا أو جزر مارشال.. وصناعة الإباحية إذ تبلغ قيمة سوق المواد الإباحية العالمية
أكثر من 100 مليار دولار سنويا، وهو رقم يفوق إيرادات كبرى شركات التكنولوجيا. ممثل
واحد في هذا المجال قد يجني أكثر من 10 ملايين دولار في السنة، بينما يعمل في ظل صناعة
تدوس على كل معنى للكرامة الإنسانية والأخلاق.
وكذلك الإنفاق
العسكري الترفي، حيث تنفق عليه أمريكا وحدها أكثر من 900 مليار دولار سنويا على جيشها،
وهو ما يفوق إنفاق الـ11 دولة التالية لها مجتمعة. لكن هذا الإنفاق لا يذهب لحماية
حقيقية، بل لحروب استنزاف لا نهاية لها، ولأسلحة باهظة الثمن تنتهي في الصحراء أو لدى
الذي يسمونهم "الإرهابيين" الذين كانوا يقاتلونهم.
في المقابل،
نرى مشاهد لا توصف، مثل أطفال غزة يموتون تحت القصف بلا ماء ولا دواء ولا غذاء، بمعدل
طفل كل 15 دقيقة في فترات التصعيد، وأطفال أفريقيا يموتون جوعا بمعدل طفل واحد كل 10
ثوانٍ في مناطق الساحل والصومال والسودان.
ملايين البشر
في آسيا وأمريكا اللاتينية يعيشون على أقل من دولارين في اليوم، بينما تُحرق المليارات
في "عروض" نصف نهائي كأس العالم وحفلات نصف الوقت.
هذا الخلل
الصارخ ليس خطأ في التوزيع كما يحلو للمحللين الليبراليين أن يصفوه، هو نظام قيمي مفلس
بالكامل، نظام يعبد المتعة والاستعراض والجسد، ويكفر بالرحمة والعدل والتكافل. إنه
نظام يدفع الملايين لمن يهدم الأخلاق، ويمنع القروش عمن يحاول بناء مستقبل.
أمريكا صارت
القوة التكنولوجية بلا ذرة أخلاق، ولا يمكن إنكار أن أمريكا استفادت من هيمنتها التكنولوجية
والعسكرية بأفضل شكل ممكن على الإطلاق. سيطرت على النظام المالي العالمي عبر هيمنة
الدولار، والإنترنت والبيانات عبر شركاتها العملاقة (Google,
Meta, Amazon, Microsoft)، والأقمار الاصطناعية والتجسس
عبر نظام "إيكالون" و"بريزم" ووكالة الأمن القومي، والأسلحة الذكية
والطائرات بدون طيار التي تبيعها بأبخس الأثمان لمن يدفع، ثم تستخدمها لاحقا لابتزازه.
لكنها فعلت
ذلك دون ذرة واحدة من الأخلاق. استخدمت الدولار كسلاح لتجويع الدول التي تعصي أوامرها،
استخدمت التجسس كأداة لمراقبة حتى حلفائها حين تنصتت على ميركل وعلى الرئيس الفرنسي
وعلى كبار المسؤولين الأتراك، استخدمت القنابل "الذكية" لتدمير مدن بأكملها
في العراق وأفغانستان وليبيا وسوريا، ثم قالت "خطأ في الاستخبارات".
والتاريخ يعلمنا
أن القوة بلا أخلاق، مهما بلغت، محكومة بالفناء. قال تعالى في محكم كتابه: "وَتِلْكَ
الْقُرَىٰ أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدا"
(الكهف: 59). فالظلم يزيل البركة، والبغي مصرعه الخراب.
هنالك اعتراف
صادم من ترامب يعلن فيه الخسارة لهذا السياق الطويل من التبذير والفساد الأخلاقي والخيانة
المنهجية، جاء الاعتراف الصادم من رجل يُعرف بعدم ارتدائه "القفازات الدبلوماسية"، عندما قال: "يبدو أننا
كأمريكا قد خسرنا روسيا والهند لصالح الصين".
فهذا ليس مجرد
زلة لسان، بل إقرار علني بتحول جيوساسي عميق، وهو نتيجة طبيعية لفساد أخلاقي وتبذير
استراتيجي طويل الأمد، فحتى ترامب وهو ليس فيلسوفا أخلاقيا أدرك أن العصا وحدها لم
تعد كافية.
ثلاثة مليارات
نسمة في المحور الجديد!
نجحت الصين
في جذب أكبر كتلة سكانية في التاريخ نحو مدارها الاقتصادي والسياسي: الهند: 1.4 مليار
نسمة (الأولى عالميا)، الصين: 1.4 مليار نسمة (الثانية)، روسيا: 146 مليون نسمة (التاسعة
عالميا، لكنها الأكبر مساحة).
هذا التقارب
غير الرسمي (بكين– نيودلهي- موسكو) يمثل نحو ثلاثة مليارات إنسان، ومساحة جغرافية تصل
إلى حوالي 40 مليون كيلومتر مربع، أي أكبر من مساحة قارة أفريقيا بأكملها (30 مليون
كم) وأكبر من مساحة أمريكا الشمالية (24 مليون كم). ومع إضافة العضوية الكاملة لمنظمة
شنغهاي للتعاون، التي تضم أيضا إيران وباكستان وأربع دول أخرى في آسيا الوسطى، يتشكل
كيان اقتصادي وعسكري لا يمكن تجاهله.
هذا المحور،
حتى لو لم يتحول بعد إلى تحالف رسمي كامل، يمثل قوة هائلة في موازين الطاقة والغذاء
والسلاح والنقد الأجنبي.
والسبب الأول
في هذه الخسارات هو تآكل الثقة الدولية قبالة أمريكا. أطلقت أمريكا "الحرب على
الإرهاب" بشكل انتقائي، فحاربت من سمّتهم "إرهابيين" عندما كانوا ضد
مصالحها، ودعمتهم عندما كانوا معها. ثم حولت العقوبات الاقتصادية إلى أداة يومية؛ عقوبات
على إيران، روسيا، الصين، تركيا، باكستان، فنزويلا، كوريا الشمالية.. وحتى حلفاؤها
التقليديون أدركوا أن الاعتماد على الدولار ونظام "SWIFT" قد يصبح سلاحا موجها ضدهم يوما ما.
نتيجة لذلك
تسارعت جهات عديدة لتقليل الاعتماد على الدولار؛ روسيا باعت معظم احتياطيها بالدولار،
والصين وقّعت عقود نفط باليوان مع السعودية وإيران، والهند بدأت تستخدم الروبية في
تجارتها مع روسيا.
والسبب الثاني
في ذلك هو خلل "العصا والجزرة". أمريكا
أتقنت العقاب (العصا): العقوبات، القصف، الانقلابات، التهديد، لكنها أهملت تقديم المنافع
الاقتصادية الحقيقية (الجزرة) بشكل مقنع ومستدام.
تتدخل عسكريا
في أفغانستان والعراق وليبيا، ثم تنسحب فجأة تاركة فوضى ومجازر دون ترك حلول مستقرة،
تفرض عقوبات تؤذي الشعوب أكثر من النخب الحاكمة، مما يولد كراهية شعبية لا حدود لها.
في المقابل،
قد تقدم الصين نموذجا مختلفا مع أنها ليست نموذجية: استثمارات ضخمة في البنية التحتية
عبر "مبادرة الحزام والطريق" تجاوزت تريليون دولار، صفقات تجارية عادلة نسبيا
دون شروط سياسية مستحيلة، دعم سياسي وعسكري دون محاضرات أخلاقية مستمرة.
الدولة الهندية
والروسية ليستا ساذجتين؛ لقد رأتا عبر العقود كيف خان الغرب حلفاءه ثم استخدمهم ثم
تخلص منهم واليك الأمثلة:
- أفغانستان:
استخدمت أمريكا المجاهدين ضد السوفييت، ثم تركتهم، ثم حاربتهم، ثم انسحبت بشكل فوضوي
في 2021 تاركة أسلحة بمليارات الدولارات لطالبان.
- ليبيا: أقنعت
أوروبا وأمريكا دولا أفريقية وعربية بدعم الثوار ضد القذافي، ثم تركت ليبيا تغرق في
الفوضى والحرب الأهلية والعبودية الحديثة.
- أوكرانيا:
دُفعت نحو "الميدان" في 2014، ثم تُركت تواجه روسيا وحدها نسبيا، ثم عاد
الغرب لتسليحها فقط عندما بدأت الحرب المفتوحة. وفي كل الأحوال، أوكرانيا تدفع الثمن
بأراضيها وأرواح شعبها.
- كردستان:
استخدمت أمريكا الأكراد في سوريا ضد داعش، ثم تخلت عنهم مرارا أمام الهجمات.
رأت الهند
وروسيا هذا كله، رأتا كيف "حلَب" الغرب موارد كثير من الدول ثم لم يُعلِفها،
أي استنزفها ثم لم يقدم لها حتى الحد الأدنى من العون الحقيقي. لذلك، أي عاقل سيعمل
أن هذا الغرب سيخونه حتما إذا تغيرت المصالح، وربما بدأ بضربه من قبل أن يُضرَب.
في عصرنا الحالي،
لم تعد القيادة العالمية تعتمد فقط على التفوق العسكري أو الخطاب الأخلاقي المزدوج،
إنها تحتاج إلى مزيج من الردع الحازم، المنافع الملموسة، والحد الأدنى من المصداقية
الأخلاقية.
أمريكا أتقنت
"الأخذ" والعقاب والتجسس والتبذير في الرفاهية والحروب، لكنها أهملت "الإعطاء"
المقنع والعادل. هذا الخلل الاستراتيجي والأخلاقي هو ما دفع قوى كبرى مثل روسيا والهند
نحو الصين.
فنحن في بداية
عهد ما بعد الهيمنة الأمريكية وهي لم تعد احتمالا، بل واقعا يتشكل أمام أعيننا، ولن
توقفه صواريخ أو قواعد عسكرية. الإمبراطوريات التي تنسى الأخلاق، وتبذّر في الشهوات،
وتخون أقرب حلفائها، تكون قد وقّعت سند انهيارها بيدها، قبل أن يوقعه عدوها. كما قال
الشاعر العربي:
إذا أراد الله
هدم ملكٍ أتى في أهله بذنوب ذنب
يُذل به أعزهم
فيُردى وينقل ملكهم من بعد قرب
والله من وراء
القصد، وهو المستعان على ما يصفون.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.