فيما مازالت رائحة الموت ورماد الحرائق
المرعبة التي مازالت تغطي مناطق من شرق
الجزائر وخاصة في ولاية جيجل المنكوبة
بتقديرات موثقة ترسم صورة كارثية عن عدد شهداء ومصابين بالمئات.. ووسط التعتيم
الإعلامي والتستر الرسمي عن العدد الحقيقي كما هو ديدن السلطة.. كان قصر الرئاسة
منشغلاً بشيء آخر تماماً: تعديل وزاري جزئي، بنفس المنطق، لنفس الغاية.
تعديل لم يعاقب وزراء ومسؤولين عن التقصير
في هذه الفواجع، وسط خطاب رسمي يكرر أسطوانة المؤامرات، وليس تحديد المسؤوليات..
تعديل وزاري آخر عنوانه "إعادة التدوير" والتخبط الواضح، تعديل
بالتقسيط، وعلى امتداد يومين في سابقة في تاريخ الجزائر، تعديل في اليوم الأول شمل
حقائب المالية والعمل والفلاحة والاتصال، وفي اليوم الموالي وزارة الصناعة وتعيين
وزيرة منتدية للجماعات المحلية.
هذه ليست إدارة أزمة، هذه إدارة للهروب إلى
الأمام من الأزمة.
"اللي معجبوش
الحال يبدل البلاد"
أبرز عناوين التعديل الأخير تكفي لتلخيص
القصة كلها. التعديل الأول هو عودة وزير الشباب والرياضة الأسبق سيد علي خالدي
(2020 ـ 2021)، صاحب المقولة الشهيرة التي لن ينساها الجزائريون "لي معجبوش
الحال يبدل البلاد"، إلى الواجهة وزيراً للفلاحة والتنمية الريفية والصيد
البحري.
ومعلومات تقول إنه إعادته للحكومة جاء
بوساطة من أحد أبناء الرئيس تبون، الذي تربطه به صداقة.
والتعديل الثاني هو عودة محمد بوسليماني إلى
وزارة الاتصال خلفاً لزهير بوعمامة. بوسليماني نفسه الذي أُقيل في منتصف الليل سنة
2023 بقرار رئاسي متسرع بعد فضيحة بث قناة تلفزيونية خاصة خبراً كاذباً عن طرد
السفير الإماراتي. بوسليماني الذي قُدّم ككبش للفضيحة حينها، بينما لم يكن هناك أي
تبعات على القناة، تؤكد قاعدة "نظام" لا ينتج نخباً جديدة، بل يُعيد
تدوير المستهلك منها.
من المؤسف والمحزن اليوم القول إن الجزائر اليوم تحترق بشكل مفجع: بنيران الغابات التي لا نعرف عدد ضحاياها بسبب التعتيم، وبنيران أوسع، نيران الرداءة التي تأكل الدولة والبلاد من الداخل. ومنظومة حكم تجاوزت مرحلة التميع كما حذر رئيس الحكومة الأسبق بن بيتور، بكل مخاطر ذلك على العباد والبلاد على الجزائر بأكملها.
التعديل الثالث هو تعيين تبون في وزارة
العمل والتشغيل والضمان الاجتماعي لمحمد حطاب.
وكان حطاب قد حُكم عليه بالسجن ضمن محاكمات
مسؤولي فترة الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، بعدما أدانته المحكمة في ديسمبر
2021 بعامين حبسا نافذا وغرامة مالية قدرها 200 ألف دينار، في قضية تعود إلى فترة
توليه منصب والي سيدي بلعباس.
وقبل إعادته للوزارة كان تبون عين حطاب
مؤخرا وسيطا للجمهورية.
كما تم تعيين محمد لمين لبو محافظ بنك
الجزائر وزيراً للمالية، خلفا عبد الكريم بوالزرد، وهو خامس وزير مالية في عهد
الرئيس تبون، الذي استهلك نحو 100 وزير خلال 6 سنوات.
في اليوم الموالي في التعديل الثاني، تم
تعيين فريد كورتل وزيراً للصناعة، وفوزية نعامة وزيرة منتدبة مكلفة بالجماعات
المحلية لدى وزير الداخلية.
نعامة كانت والية بومرداس منذ 2023، وكورتل
كان مستشاراً للرئيس للشؤون الاقتصادية منذ مارس الماضي، أستاذ اقتصاد ومدير سابق
لجامعة البليدة 2 ومفتش عام بوزارة التعليم العالي. وقد تردد أن زميله السابق في
الجامعة، وزير التجارة الخارجية الحالي كمال رزيق، كان وراؤه. ورزيق نفسه هو نموذج
صارخ للفشل والتدوير الوزاري.
سير ذاتية تكنوقراطية بامتياز، بلا أي رصيد
سياسي أو شعبي أو إشعاع وطني. هذا هو المطلوب في ما يبد بوضوح.
وفي المقابل، يستمر وزير الداخلية والنقل
سعيد سعيود في منصبه رغم الفشل المزدوج والموثق. حوادث حافلات قاتلة تتكرر كل
أسبوع، طرقات تحولت إلى مقابر جماعية، وقطاع نقل منهار، ثم حرائق تلتهم الأخضر
واليابس وتكشف عجز الجماعات المحلية والداخلية عن الإنذار والتدخل. لكن سعيود
يبقى. لأن البقاء ليس مرتبطاً بالكفاءة في "الجزائر الجديدة والمنتصرة".
8 وزراء صناعة في 6 سنوات
وفي مؤشر آخر على "العبث
الوزاري"، فمنذ وصول عبد المجيد تبون إلى الرئاسة في كانون الأول/ديسمبر 2019، في انتخابات جرت في ظل نفوذ قوي للمؤسسة العسكرية بقيادة رئيس الأركان الراحل أحمد قايد صالح، تعاقب على وزارة الصناعة 8 وزراء، بينهم رئيس الوزراء الحالي
سيفي غريب! في المقابل لا مصنع كبير واحد استعاد عافيته، ولا ملف صناعة السيارات
تطور في أغرب سوق سيارات في العالم، كما وصفتها مجلة "إيكونوميست"
البريطانية، ولا النسيج الصناعي العمومي انتُشل. الوزارة تحولت إلى محطة انتظار،
لا إلى قاطرة اقتصاد.
أما في قطاع الفلاحة، فالمشهد أكثر عبثية.
ياسين وليد، القادم من وزارة اقتصاد المعرفة والمؤسسات الناشئة، غاب عن القطاع
لأسابيع، ثم عاد يوم إقالته ليعقد اجتماعاً طارئاً حول الحرائق، صُوّر وبُثّ في
الإعلام، ثم أُقيل بعد ساعتين فقط! إقالة بطعم الإهانة العلنية.
ولم يكن غيابه بلا سبب، فقد تردد أنه أقيل
بالتزامن مع الإعلان عن الكشف عن فضيحة فساد مدوية في ملف استيراد مليون أضحية
لعيد الأضحى. بدل مواجهة الملف بشفافية، تم التخلص من الوزير وتدوير الأزمة بتعيين
خالدي، وكلاهما لا علاقة لهما بقطاع الفلاحة أصلا!
وقد وجب الإشارة كذلك هنا أنه قبل وليد كان
عبد الحق سايحي وزيرا للفلاحة ـ قبلها كان في وزيرا للصحةـ ثم نقل لوزارة العمل،
قبل إقالته واستبداله بحطاب المتابع قضائيا!
عقيد متقاعد على رأس الإذاعة
والأخطر مما يجري في الواجهة، ما يجري في
الكواليس. وزير الاتصال الجديد، أول قراراته (وبالأحرى ما أعًد له من
قرارات!) كان تعيين عقيد متقاعد من الجيش
على رأس الإذاعة الجزائرية. التعيين لم يكن إدارياً، بل بدا برسالة "سياسية
عسكرية" بامتياز، في نظام "عسكري ـ سياسي، أضعفه الحراك الشعبي، تبون
عالق فيه"، كما وصفه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وأثار الغضب الشديد في
الجزائر.
وزير الاتصال كان في حفل تنصيب العقيد
المتقاعد، مرفوقا بمدير الاتصال في الرئاسة كمال سيدي السعيد، وهو وزير الاتصال
الفعلي، المتحكم في الإعلام العام والخاص، في التوجيه والمنع والإشهار.
وقد أثار تعيين العقيد المتقاعد تساؤلات حول
عسكرة ناعمة للإعلام باسم الإصلاح والتجديد!
لماذا الرديئون؟
"نظرية البقاء في السلطة"
هنا نصل إلى لبّ المسألة، وربما تفسير هذا
المشهد نجده في تحليل "بسيكو ـ سياسي" للصحافي والمحلل السياسي أبو طالب
شبوب. لماذا يصر تبون عن قصد على تعيين الوزراء والمسؤولين الرديئين؟
الجواب ليس سوء تقدير، بل استراتيجية حكم،
حسب شبوب. تبون لا يريد كفاءات لها إشعاع، ولا شخصيات قد تبني قاعدة شعبية، ولا
وزراء يمكن أن يتحولوا إلى منافسين أو بدائل له لدى منظومة الحكم، التي أصحاب
القرار الفعليين فيها في النهاية هم العسكر. تبون يريد تكنوقراط بلا لون، بلا
خطاب، بلا طموح ظاهر، يدينون بكل شيء للرئيس الذي عيّنهم. يبقى هو وحده في المشهد،
النجم الأوحد، والمُنقذ الأوحد، والخطيب الأوحد.
أجد في تحليل شبوب كثيرا من العمق والدلالة
وأضيف له ما طرحه المفكر الكندي آلان دينو في كتابه الشهير La Médiocratie الذي تُرجم
إلى العربية بعنوان "حكم التفاهة"، وإن أًفضل لوصف الحالة الجزائرية
عنوان "الرداء-قراطية" أو حكم الرداءة، وفيه الرديء يبحث عن الأردأ منه
ليحيط نفسه به، حتى لا يُكشف، وحتى يعمّم الرداءة كمعيار. عندما يكون الجميع
رديئاً، يصبح الرديء هو العادي، ولا أحد يُحاسب.
ومن المهم الإشارة إلى أن
التعديلات
الوزارية جاءت بعد شهرين فقط من انتخابات تشريعية في 2 يوليو الماضي، وكان من
المفترض "سياسيا ودستوريا" أن تستقيل
الحكومة.
منذ وصول عبد المجيد تبون إلى الرئاسة في كانون الأول/ديسمبر 2019، في انتخابات جرت في ظل نفوذ قوي للمؤسسة العسكرية بقيادة رئيس الأركان الراحل أحمد قايد صالح، تعاقب على وزارة الصناعة 8 وزراء، بينهم رئيس الوزراء الحالي سيفي غريب!
طبعا الانتخابات شهدت مقاطعة شعبية كبيرة
بنحو 80 بالمئة. ولكن ذلك لا يبدو أنه يهم الرئيس تبون الذي صرح سابقا أنه لا تهمه
نسبة المشاركة، هو الذي لديه أغلبية ـ (أقلية ساحقة شعبيا في الحقيقة!) ـ موالية
مريحة ويملك كل مفاتيح التشريع والحكومة. ومع ذلك، لا مشروع، لا رؤية، لا قفزة
نوعية، منذ أكثر من 6 سنوات فقط تدوير وإعادة تدوير وزاري، وقمع وغلق سياسي وحقوقي
وإعلامي، يحركه هاجس واحد هو البقاء في السلطة.
هاجس العهدة الثالثة والخوف من مغادرة
السلطة
هذه هي الحقيقة الأعمق التي لا تُقال في
بيانات الرئاسة، ولا يجرؤ الإعلام المسيج في الجزائر أن يفكر فيها حتى. الدستور
الجزائري ينص بوضوح على عهدتين فقط. العهدة الثانية لتبون تنتهي نظرياً في 2029.
تبون من مواليد 1945، سيبلغ في نوفمبر القادم 81 عاماً، وفي نهاية عهدته الثانية
سيكون في الرابعة والثمانين. إذا مضى تبون بــ"تخريجة أو بالأحرى تلاعب أو
تحايل دستوري" ما لعهدة ثالثة - والأعمار بيد الله - سيكون على مشارف التسعين
وهو لا يزال يحكم بلداً أكثر من ثلثي سكانه دون الثلاثين!
لماذا هذا الإصرار على البقاء رغم السن ورغم
الدستور ورغم الاحتراق الشامل للقطاعات؟
لأن مغادرة السلطة في الجزائر لم تعد
تقاعداً آمناً، بل مخاطرة وجودية. الذاكرة قريبة جداً. رؤساء حكومات في السجن،
وزراء في السجن، ومئات الضباط الكبار، بينهم أكثر من أربعين جنرالاً، ورجال أعمال
كانوا يوصفون بأنهم هم "الدولة العميقة" يقبعون اليوم خلف القضبان. كل
زمرة حكمت انتهت إلى السجن على يد الزمرة التي خلفتها.
تبون ومحيطه يقرأون هذا التاريخ جيداً، ولكن
دروس دورانه مثل "الناعورة". هم يخشون المغادرة لأنهم يعلمون أن
منظومة الحكم التي بنوها على الولاء الشخصي، والقمع والتدوير والغلق الإعلامي
والتستر على الحرائق والكوارث، لا تحمي من يغادرها. الضمانة الوحيدة للبقاء خارج
السجن، هي البقاء في القصر الرئاسي!
لهذا يتم تفريغ الحكومة من أي وزن سياسي.
ولهذا يُبقى على وزير فاشل في النقل، ليتم مكافأته بإضافة حقيبة وزارة الداخلية
له، ويُعاد وزيراً أُقيل في فضيحة، ويأتي بآخر شعارُه "بدّل البلاد".
لأن الوزير القوي قد يصبح شاهداً، أو منافساً، أو بديلاً يُسوّق للخارج والداخل
عند الحاجة.
هذا ليس تعديلاً وزارياً، بل تثبيت لنظام
"حكم تبوني" يريد أن يبقى عبر تعميم الرداءة، حتى لا يبقى في المشهد إلا
هو، وحتى يصبح رحيله مستحيلاً، لأن بديله ـ بفضل هندسة الرداءة ـ غير موجود. وهنا
مكمن الخطر على البلاد والعباد.
من المؤسف والمحزن اليوم القول إن الجزائر
اليوم تحترق بشكل مفجع: بنيران الغابات التي لا نعرف عدد ضحاياها بسبب التعتيم،
وبنيران أوسع، نيران الرداءة التي تأكل الدولة والبلاد من الداخل. ومنظومة حكم
تجاوزت مرحلة التميع كما حذر رئيس الحكومة الأسبق بن بيتور، بكل مخاطر ذلك على
العباد والبلاد على الجزائر بأكملها.
وأليس بدلا من هكذا سيناريو مخيف المضي نحو
تدارك الوضع بمؤشراته الخطيرة على كافة الأصعدة عبر إصلاح وتغيير توافقي حقيقي
يليق بالجزائر وبمكانتها وإمكانياتها ورأسمالها التاريخي.
*كاتب جزائري مقيم في لندن
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.