هذا السُعار الصهيوني وذاك الخُمود العربي

نزار السهلي
"المستوطنون الذين أمضوا سنوات في تهجير الفلسطينيين من ديارهم في الضفة الغربية، ينظرون الآن إلى غزة بالنية نفسها"- جيتي
"المستوطنون الذين أمضوا سنوات في تهجير الفلسطينيين من ديارهم في الضفة الغربية، ينظرون الآن إلى غزة بالنية نفسها"- جيتي
شارك الخبر
تتكثف الغشاوة على بصيرة من يدعي أن خنوعه أمام إسرائيل سيمكنه من العيش بسلام وأمن واستقرار في المنطقة العربية، ويمنحه طوق نجاة من فاشية إسرائيلية بددتها دلائل وحقائق أكثر من كافية كل يوم، ومنذ أول رجفة يد عربية وقعت صك استسلامها، وعقل ملتوٍ آمن بأن التطبيع مع كيان استعماري إحلالي سيأتي بحل جذري للمنطقة وشعوبها من قلق وأعباء قضية فلسطين. تآكل تفاؤل "السلام" بسرعة الاستيطان والعدوان والجرائم المستمرة التي تطغى على كل العوامل الأخرى المفترض أن تكون أكثر انكشافاً أمام سياسة عربية وفلسطينية، كان مؤشر انهيارها أمام محددات المشروع الصهيوني كارثيا بضخها مفاعيل سلبية عن قضية فلسطين ومقاومة شعبها لمضاعفة الصعوبات أمامه.

بالرغم من خطورة كل شيء يتعلق بالفلسطينيين سواء بوجودهم المادي أو المتعلق بمصير أرضهم، وتبديد مساحة حلمهم بالخلاص من الاحتلال وقيام كيانهم المنشود عليها، ما زال نزيف السلوك المهين يتدفق أمام معاناتهم، وما تزال السياسة العربية ومواقفها تقدم كل أسباب تعطيل مواجهة السياسة الاستعمارية الصهيونية على الفلسطينيين وعلى العرب أنفسهم. فالأسبوع الماضي أطلق الوزير الفاشي بن غفير دعوته لقتل 40 فلسطينياً كل ليلة، لأنهم لا يستحقون الحياة وليسوا بشراً، وكرر هذا المأفون الفاشي الدعوة لطرد جميع سكان غزة لأنها ملك لإسرائيل. وعلى الجانب الآخر أقرت حكومة إسرائيل مشروع استيطاني المسمى "E1" لفصل شمال الضفة عن جنوبها، والقضاء نهائياً على أمل إقامة دولة فلسطينية.

هل فعلاً يريد النظام العربي والدولي ردع إسرائيل عن ارتكاب الجرائم ومنعها تقويض الحقوق الفلسطينية، والحفاظ على أمن المنطقة العربية؟ لو أرادوا ذلك، لقاموا بخطوات قطع العلاقات الدبلوماسية معها وسحبوا سفرائهم وطردوا سفراء الإبادة والجرائم من عواصمهم

دعوة بن غفير لقتل الفلسطينيين وطردهم من أرضهم، كما تصريحات وخطط سموتريتش ونتنياهو وقادة المستعمرات والحاخامات والسياسيين، ليس كلاماً عابراً وعشوائيا أو دعوات من أشخاص متطرفين يطلقون العنان لأفكارهم، بل هو يصدر عن مسئولين من أعلى المستويات في الحكومة الإسرائيلية إلى قادة العصابات الاستيطانية المحمية من ذات المؤسسة؛ التي تمنحهم الثقة التامة المبررة بكلمات بن غفير؛ بأن دعوته تحظى بتأييد واسع من الإسرائيليين، وأنّها لن تُواجَه بأيّ عواقب من المجتمع الدولي، لأنّها لم تُواجَه قط، وهو يعلم أنّها لن تُواجَه أبداً.

وقد استُشهد بتصريحاتٍ مماثلةٍ لبن غفير ومسئولين إسرائيليين آخرين في محكمة العدل الدولية كدليلٍ على نيّة الإبادة الجماعية، هو يُدرك ذلك، لكنّه لا يُبالي، ولماذا يُبالي؟ فالأسلحة لا تزال تصل، من ألمانيا ومن الولايات المتحدة ومن بريطانيا، والاتفاقيات التجارية لا تزال سارية، والسفراء لا يزالون في مناصبهم في عواصم عربية، والحكومات الغربية التي تدّعي فزعها ممّا يقوله تُواصل ضمان عدم مواجهة أيّ شيءٍ يقوله بأيّ شيءٍ قد يُسبّب له أيّ إزعاجٍ حقيقيّ.

مهزلة الفزع

ما الذي تعنيه للإنسان العربي متابعة مشاهد وأخبار جرائم الحرب والإبادة في غزة والضفة وفي الداخل الفلسطيني المحتل عام 48، وحصار مدن وبلدات فلسطينية وحرقها وطرد سكانها وقتلهم عل الهواء، وسماعه استغاثات ضحايا فاشية صهيونية لا تتوقف عند تحويل خيام النازحين على بيوتهم المدمرة إلى أكوام من جثث بعد ضربها بصواريخ طائرات؟ تعدى الأمر كله إلى صراحة وشهية منفلتة في الإبادة والسحق يتبارى فيها سُعار بن غفير وسموتريتش مع نتنياهو وعصابات المستعمرين، بل ماذا تعني متابعة هذا النفاق الدولي كله من فاشية عرقية استيطانية استعمارية تمعن في الغطرسة، سوى تكثيف عملية تزييف الحقائق؟

ردود الأفعال العربية والدولية على السياسة الإسرائيلية العنصرية والفاشية، والتي تمثلت بالتعبير عن الفزع منها ودراسة اتخاذ الإجراءات المناسبة، تعني في مطلق الأحوال أن كل شيء تفعله إسرائيل حتى لو كان يقوض وينتهك القانون والسلم الدولي، يُنظر فيه، وكل شيء يناقش على مهل، ويحول الغضب والفزع إلى لجان، والإبادة الجماعية إلى مشاورات، وبحلول الوقت الذي تفرع فيه إسرائيل من مهمتها بإزالة فلسطين عن الخارطة، ستبقى مهزلة الفزع والتعبير عن الصدمة والإدانة دون خطوات ملموسة.

ولنكن صريحين، هل فعلاً يريد النظام العربي والدولي ردع إسرائيل عن ارتكاب الجرائم ومنعها تقويض الحقوق الفلسطينية، والحفاظ على أمن المنطقة العربية؟ لو أرادوا ذلك، لقاموا بخطوات قطع العلاقات الدبلوماسية معها وسحبوا سفرائهم وطردوا سفراء الإبادة والجرائم من عواصمهم، ولأوقف الأوروبيون فعلاً تسليح إسرائيل وألغوا الاتفاقات التجارية معها، ولنفذوا أوامر المحكمة الجنائية الدولية، وامتثلوا لأوامر محكمة العدل الدولية منذ تموز/يوليو 2024، لكنهم لم يفعلوا شيئاً، بل يدرسون حظر زيت المستوطنات للآن.

الخروج من دائرة الخطر لا يتم بذكر وإحصاء عمليات العدوان ومحطاته، ولا بشجب وتنديد أصبح مفقودا، وقد استُهلكت كل العبارات والبيانات من كثرة استخدامها. وبينما يتداول السياسيون الغربيون التعبير عن رفض تصريحات بن غفير، فإن الإبادة الجماعية لا تتوقف. وماذا يعني على أرض الواقع تداول عربي للمواقف المنخفضة لسبع دول من أصل 22 دولة تعرب عن شجبها وإدانتها للسلوك الإسرائيلي، بينما
الخروج من دائرة الخطر لا يتم بذكر وإحصاء عمليات العدوان ومحطاته، ولا بشجب وتنديد أصبح مفقودا، وقد استُهلكت كل العبارات والبيانات من كثرة استخدامها
أفاد مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بأن تحركات إسرائيل في غزة والضفة الغربية تهدف إلى إحداث تغيير ديموغرافي دائم في القطاع، وهو التعبير الرسمي لما صرّح به بن غفير بوضوح في بودكاست الأسبوع الماضي؟

فالمستوطنون الذين أمضوا سنوات في تهجير الفلسطينيين من ديارهم في الضفة الغربية، ينظرون الآن إلى غزة بالنية نفسها، وبنفس البنية التحتية من البؤر الاستعمارية وبحراسة عسكرية إسرائيلية. إن التطهير العرقي للفلسطينيين الذي يجري بأشكال مختلفة منذ ثمانين عاماً، يتسارع، وردّ الدول التي تملك القدرة الفعلية على إيقافه في الغرب، هو تكليف جهات بإعداد تقارير والنظر في حظر تصدير المستوطنات.

وعربياً، أقصى ما يُفعل هو إصدار بيانات شجب، على أمل أن يملّ العرب والفلسطينيون ويستسلموا لقدرهم، وهو ما لم يحصل، فهذا السعار الصهيوني بأشكاله وأساليبه وممارساته العميقة في العنصرية والفاشية ضد العرب و"الأغيار"؛ لا يُلجم بخمودٍ عربي كان السبب الرئيس في انفلات الوحش الصهيوني على المنطقة بوقاحة لا مثيل لها بالتاريخ.

أخيراً، لا يسر الفشل العربي والفلسطيني أحداً، ولا يتمنى العربي سوى أن يسود السلام والعدل واستعادة الحقوق وإقامة دولة فلسطينية ناجزة، غير أن الواقع والغشاوة يؤشران إلى نتائج رسمتها المقدمات، وكما يقول المثل العربي الشهير "فإن البعر يدل البعير" والأثر يدل على المسير، مع أن الغشاوة لاحقت العيار الصهيوني على باب الدار، وكما كل اتفاق وتطبيع واستسلام وسلام فإن العيار وصل للباب واقتحم البيت ونسفه.

x.com/nizar_sahli


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل