الضفة تكسر "حاجز الخوف"

هشام الحمامي
"التحرك نحو مواجهة شعبية واسعة مع الاستيطان والمستوطنين"- الأناضول
"التحرك نحو مواجهة شعبية واسعة مع الاستيطان والمستوطنين"- الأناضول
شارك الخبر
صعّدت الدولة الصهيونية شراستها وعدوانيتها على غزة والضفة الأيام الماضية بطريقة ملفتة، فهل فعلت ذلك في هذا التوقيت بالذات، لتذكر العرب في 23 يوليو بأكثر الأحداث خطورة في تاريخ الحركة المباركة؟.. حرب 1967م التي ضاعت فيها غزة والضفة والقدس والجولان السوري في أيام ستة؟!

صحيح أن إسرائيل معروفة باستدعائها الدائم للتاريخ والأحداث البارزة فيه، لكني لا أتوقع أن يكونوا بهذا القدر من الخفة..

صحيح أيضا أن أكثر من كان ينادي (صوتا) بتحرير فلسطين، والقضاء على إسرائيل في الميكروفونات كان حاكم مصر في الستينيات، وأنه لهذا، ولهذا فقط، ضاع كل ما ضاع وعلى رأسه القدس والأقصى.. واستشرت في الشرق "خيبة الأمل العامة" بشكل مدهش بشأن ما كان يقوله من أقوال تتراوح بين الوهم والكابوس.

* * *
لن نغفل أن تحوّل الدولة الصهيونية إلى "عبء" على الاستعمار الغربي هي علامة من علامات قرب النهاية، كما قال د. المسيري، وهي بحق أصبحت عبئا على التاريخ كله، وليست فقط عبئا على الغرب الاستعماري الذي صنعها، ولن أذهب بعيدا إذا قلت إنها أصبحت عبئا على نفسها

فما بال من ينادي (فعلا) بالعمل على التحرير والعمل الجاد على تحجيم وردع هذا العدو المتوحش، وما زالت ذكرى العمل العسكري المبتكر في "طوفان الأقصى" تؤكد أن الدولة الصهيونية ليست بكل هذه المبالغة في تصوير قوتها العسكرية والاستخبارية..

وحتى لو كان ذلك كذلك، فلماذا في هذه الأيام التي يتصاعد فيها التوتر الإقليمي وتحوم حول المنطقة عودة الحرب الواسعة مع إيران، وإسرائيل حاضرة بقوة في هذه الحرب.. كانت ولا زالت..؟

قد يكون هناك بالفعل سبب قوي خلف هذا التصعيد، يتجاوز كل هذه الفرضيات، ويمر فوق الحسابات المحدودة داخل التكوين الإسرائيلي في مسألة الانتخابات، واليمين واليمين المتطرف وزيادة الاستيطان وما إلى ذلك..

* * *

إسرائيل من بعد حرب 1967م وهي تعربد في المنطقة، وإذا انعطفنا انعطافه جانبية عن حرب 1973م إلى اتفاقية السلام (كامب ديفيد)، فسنرى أن خروج مصر من صميم الصراع (العربي الصهيوني) بمقتضى الاتفاقية كان هدفا استعماريا قديما، أراده الغرب إبان الحروب الصليبية، وأراده في ترسيخ وجوده الحالي في المنطقة من خلال الدولة الصهيونية..

والحالة الصهيونية هي حالة متقدمة من الحالة الاستعمارية، كما كان يقول لنا العلامة د. عبد الوهاب المسيري رحمه الله، وما تابعناه من تصريحات نائب الرئيس الأمريكي الأسبوع الماضي عن اللوبي الصهيوني داخل الولايات المتحدة، لم يزد عن كونه ملاحظة أدركها الرجل، وسجلها لتكون في جانبه مستقبلا (كمرشح محتمل)، باعتبار أن أكثر من 70 في المئة من الشعب الأمريكي يرفضون تلك الحرب.

* * *

ولن نغفل أن تحوّل الدولة الصهيونية إلى "عبء" على الاستعمار الغربي هي علامة من علامات قرب النهاية، كما قال د. المسيري، وهي بحق أصبحت عبئا على التاريخ كله، وليست فقط عبئا على الغرب الاستعماري الذي صنعها، ولن أذهب بعيدا إذا قلت إنها أصبحت عبئا على نفسها.. فهي حالة مرفوضة "يهوديا" كما نعلم..

وبالتالي فوجودها فعلا حالة مؤقتة.. حتى من خلال نبوءاتهم التاريخية، وهم يحاولون من خلال اتفاقات أبراهام إلى تمديد أنفسهم في عموم المنطقة، وربط النخب المتحكمة فيها بمصالح معها..

* * *

لكن هذا لن يحدث، باعتبار ما سيكون عليه الشرق الأوسط، بعد انتهاء المواجهة الحالية بين إيران.. وأمريكا وإسرائيل..

فصعب للغاية أن تسارع دول الخليج إلى مثل هذه الخطوة بعد كل ما جرى.. وستخرج إيران من هذه الحرب وهي تحمل ثأرا تاريخيا مع إسرائيل يتجاوز الأطروحات القديمة حول الاحتلال لمناطق عربية واحتلالها للقدس. نحن الآن أمام ثأر خاص بعد مقتل مرشد الثورة السيد على خامنئي والصف الأول من قيادات عسكرية وسياسية مهمة..

* * *

لكن أمامنا الآن "حدث أخطر" جرى خلال مواجهات الأيام الماضية وجعل نتناهو يعقد اجتماعا فوريا مع وزير الدفاع ورئيس الأركان ورئيس الشاباك.. هل خوفا من أن تنتفض الضفة الغربية وتبدأ في التحرك نحو مواجهة شعبية واسعة مع الاستيطان والمستوطنين؟ ذلك مسألة وقت لا أكثر.. والمنظومة الأمنية لديها دائما ما تحذر من قرب حدوث ذلك.

هل خوفا من أن تستقيل السلطة الوطنية وتعلن حل نفسها وإلغاء اتفاقية أوسلو..؟ فهذا هو المحال بأم عينه، خاصة حين يكون الراعي خروفا..! وعلى فكرة، هي قررت أن لا ترد حتى لا تعطى الاحتلال ذريعة للتوغل والتصعيد.. باعتبار أن ما يفعله الآن وطوال السنين الماضية ليس توغلا وليس تصعيدا..!

هل خوفا من موقف مختلف لأمين عام الجامعة العربية الجديد، خاصة أن من كان قبله لم يفعل مثقال ذرة خير للقضية، وعمل على تسطيح التاريخ والحقائق..؟! محتمل، ولكن ليس إلى حد الخطورة التي يتطلبها اجتماع رفيع بهذا المستوى من الخطورة.

* * *

ما حدث واستدعى انعقادا أمنيا برئاسة رئيس الوزراء نفسه، هو ما فعله الشهيد فاروق رمضان من انتزاع سلاح أحد أفراد الأمن الإسرائيليين، ثم استخدمه في إطلاق النار على الإسرائيليين الموجودين في موقع هجوم المستوطنين على قرية تل المحروسين بالجيش.. فقتل قائد وحدة برتبة رائد ورقيب أول، واستشهد فاروق وثلاثة من أفراد أسرته في المواجهة.

في مدن وقرى وبلدات الضفة العشرات من "الفاروق"، بالإضافة إلى ما لا يتوقعه أحد من تصاعد حدة الصراع في المنطقة، مضافا إلى تزايد نفور الرأي العام العالمي من تلك العربدة الشريرة الشرسة

وفورا أصدر نتنياهو وكاتس بيانا مشتركا أعلنا فيه: هدم منزل فاروق، وتنفيذ عمليات قوية داخل القرية، وجمع الأسلحة منها، وسحب تصاريح العمل، وتعزيز قوات الجيش في أنحاء الضفة، وإقامة مزيد من الحواجز والبؤر الاستيطانية.

* * *

كل هذه الإجراءات معتادة عند الفلسطينيين.. لكن "حاجز الخوف" الذي حطمه الشهيد فاروق كان هو سبب الاجتماع الخطير الذي عقده نتنياهو.. نعم.. هذا هو السر الكامن خلف هذا الاجتماع ويبدو أن الشاباك لديه معلومات أكثر.

فبعد يومين فقط حاول فلسطيني في قرية أخرى جنوب الخليل تكرار نفس الحدث، ولكن لم يكتمل، انتزع السلاح بالفعل لكنه ألقاه بعيدا أثناء هروبه..

* * *

في مدن وقرى وبلدات الضفة العشرات من "الفاروق"، بالإضافة إلى ما لا يتوقعه أحد من تصاعد حدة الصراع في المنطقة، مضافا إلى تزايد نفور الرأي العام العالمي من تلك العربدة الشريرة الشرسة.. علينا إذن أن ننتظر فرجا قريبا..


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)