رغم
كل ما كُتب عن
المثقفين وأزماتهم وأدوارهم وخياناتهم وولاءاتهم.. إلا أنني أعتبر
أن أفضل ما كتب في نقد المثقفين هو كتاب "المُبتَسرون" للراحلة أروى
صالح، التي فضحت فيه أسوأ جيل سياسي وفكري شهدته مصر الحديثة من كل التيارات والأيديولوجيات.
والكتاب على أهميته القصوى يتم تجاهله بإصرار وترصد، ليس فقط لأن معظم أبناء هذا
الجيل أحياء، وفي سبعينيات عمرهم، ولا يفعلون شيئا سوى الدفاع عن أوهامهم القديمة
وأخطائهم القديمة وآثامهم القديمة.. ولكن لأنهم لا يريدون للدرس أن يصل، ولا
للعبرة أن تكون، ويريدون للأجيال التالية أن تدور في نفس "الساقية" التي
داروا فيها باستمتاع ولؤم.. وهذه هي طبيعة الأشياء؛ في أن "المتسخ" لا
يريد أن يرى "نظيفا" حوله يذكره باتساخه.
* * *
من
أوائل الكتاب الذين تناولوا مشكلة المثقفين وأدوارهم في مجتمعاتهم الأديب والناقد الفرنسي
جوليان باندا الذي كتب سنة 1927م كتابه الشهير "خيانة المثقفين".. وتحدث
فيه عن المثقفين كما يرون أنفسهم في مرتبة تفوق مرتبة البشر العاديين، ويؤكد
الكاتب على دورهم الهام، في فضح وتعرية الفساد، ومناصرة الضعفاء.. وهذه هي أهم
أدوارهم في الحياة.
يلفت نظرنا أن هناك تيارا يحاول باستمرار أن يحدد وزن "المثقف" من خلال قربه أو بعده من "الإسلام"، وكلما كان بعيدا، كان محلا للترحاب والاحتفاء.. والعكس صحيح
الكتاب
أُعيد طبعه بعد الحرب العالمية الثانية (سنة 1946م) ليفضح أكثر وأكثر المثقفين
الذين تعاونوا مع الاحتلال النازي لفرنسا!!
ومنذ
صدور ذاك الكتاب، صار مصطلح "خيانة المثقفين" يرمز إلى تخلي المثقفين عن
استقامتهم
الفكرية وقبولهم بمغريات السلطة، والانحياز لمصالحهم السياسية والنفعية
والشخصية، على حساب دورهم ومسؤولياتهم الأخلاقية أمام مجتمعاتهم.
* * *
وحين
يكون الحديث عن "
المصالح السياسية والنفعية" على حساب الدور والمسؤولية الأخلاقية،
سيكون علينا أن نقف وقفة قصيرة عند الكتاب المجهول للأستاذ هيكل "أزمة
المثقفين"، والذي كان نتاج حوارات طويلة دارت في أوساط المثقفين المصريين عام
1961 م، حول تعريف المثقف، ومعرفة دوره في ذلك الوقت، حيث كان"الحاكم"
وقتها لا يتسامح مع أي نقد ينال منه شخصيا أو ينال من سياساته، وهو أصلا قد بدأ
مبكرا في سياسة نشر الرعب منه في قلوب الجميع.. وهو ما سيصفه بعد ذلك أتباعه
بالهيبة والكاريزما!!
في
تلك الفترة تحديدا بدأ تطبيق سياسة "حظيرة المثقفين" التي أتقنها لاحقا وزير
الثقافة الأسبق فاروق حسنى. على أنه لم يأت بالتائه كما يقولون.. فهذا النهج كان
قد استقر في العلاقة بين الدولة القابضة على كل شيء والمثقف الذي تنكر سريعا لمبادئه،
وعاش حياته يبرر للدولة ما تفعله بالحق والباطل..
* * *
الكاتب
المغربي الشهير عبد الله العروي (92 سنة) كتب أيضا عمله المعروف حول نفس الموضوع "أزمة
المثقفين العرب"، وهو يرى أن المثقف العربي على طول الخط تقاعس عن قول
الحقيقة..!!
ولأني
ضعيف أمام المفكر الكبير د. إدوارد سعيد فلا يمكن أن نغفل كتابه الأخير، الذي صدر
قبل رحيله عام 2003م، "خيانة المثقفين"، الذي يحدثنا فيه عن المثقف الذي
يرفض ويصادم ويحتك ويتفاعل ويتطور ولا يستجيب لحالة السكون، ويكون "صوت نفسه"
لا بوقا لأحد، ويعبر عن تصوراته قبل كل شيء، ولا يكون مجرد موظف كفء.
* * *
على
أن كتاب "المثقفون الزائفون" له أهميته الخاصة في هذا الموضوع، ليس فقط
لأهمية كاتبه (باسكال بونيفاس- 70 عاما) الذي يعد من أهم المفكرين السياسيين في
فرنسا حاليا، وأحد الأصوات القوية ضد "المشروع الصهيوني"، ولكن لأن
الكتاب يقوم بعملية تشريح كاملة لهذا النوع من المثقفين الذي يتسم حضورهم العام وأقوالهم
في الإعلام بأنها زيفا في زيف.. وهرجا في هرج.. قد يكونوا من أصحاب المواهب كما
يقول الكاتب، بيد أنهم أضاعوا مواهبهم في سيل جارف من "الكذب والهراء".
***
سيلفت
نظرنا أن هناك تيارا يحاول باستمرار أن يحدد وزن "المثقف" من خلال قربه
أو بعده من "الإسلام"، وكلما كان بعيدا، كان محلا للترحاب والاحتفاء..
والعكس صحيح.. وقد انتبه الأستاذ العقاد رحمه الله، لهذه الظاهرة حين فوجئ بالهجوم
عليه عندما بدأ في كتابة إسلامياته الشهيرة، وبالطبع رد عليهم الهجوم أضعافا
مضاعفة.
المثقف حين يصفى له "ضميره" سيجد نفسه تلقائيا يميل إلى ثقافة أمته ومجتمعه، أما حين يتكدر هذا الضمير بالمصالح والأهواء، سيكون موقفه معاكس تماما لثقافة أمته ومجتمعه
وظاهرة
اهتمام المثقفين بالإسلام في الأربعينيات من القرن الماضي ظاهرة ملفتة، على الرغم
من انتشار أفكار التيار اليساري والتيار الليبرالي، وكان هناك أيضا تيار ديني واسع.
* * *
الحاصل
أن المثقف حين يصفى له "ضميره" سيجد نفسه تلقائيا يميل إلى ثقافة أمته
ومجتمعه، أما حين يتكدر هذا الضمير بالمصالح والأهواء، سيكون موقفه معاكس تماما
لثقافة أمته ومجتمعه، وللأسف يتجرأ هذا النوع من المثقفين أكثر وأكثر حين يكون
هناك صدام بين الدولة وبين التيار الإصلاحي.
وهو
ما حذر منه العلامة د. حامد ربيع (ت: 1989م) رحمه الله، في السبعينيات والثمانينات
الماضية، في دراسته الشهيرة "نحو ثورة القرن الحادي والعشرين: الإسلام والقوى
الدولية". وقال نصا: "القوى الدولية الكبرى والصهيونية العالمية تسعى
جاهدة لدراسة تفاعلات التيار الديني ودفعه نحو التطرف والصِدام الداخلي، لتفتيت
الأمن القومي العربي، وتحويل الصراع من صراع خارجي مع العدو، إلى صراع داخلي.."!!
وللأسف
الشديد لم ينتبه أحد وقتها لهذه التوقع الخطير.. وانجرف الجميع نحو الصدام. وهو ما
سيستفيد منه كل أعداء الأمة.. على أن ذلك لن يستمر طويلا.. إذ لا يصح إلا الصحيح..
فقوة الأمة في دينها ووحدتها.. و"المثقف الأمين" هو من يكون أول
المبشرين بذلك.
x.com/helhamamy
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.