العقل المخطوف..!

هشام الحمامي
"فكرة التلاعب بعقول الناس وخطفها، بل وأسرها، ليكون الإنسان موجودا في الاطار الذي يريدونه له ولا يخرج عنه"- جيتي
"فكرة التلاعب بعقول الناس وخطفها، بل وأسرها، ليكون الإنسان موجودا في الاطار الذي يريدونه له ولا يخرج عنه"- جيتي
شارك الخبر
يعتبر أهل العلم والإيمان أن نعمة العقل، من أعظم نعم الله سبحانه وتعالى على (الإنسان).. وعلى أساس هذه النعمة كان التكليف من الله سبحانه وتعالى للإنسان للقيام بدوره المطلوب على الأرض كما أراد سبحانه، وسيلفت نظرنا أن هناك مفارقة تشير إلى طبيعة هذا الدور كما ينبغي أن يكون، وهي أن أول صفة من صفات عباد الله المتقين هي الإيمان بـ"الغيب" الموجود، ولا تدركه حواس الإنسان الطبيعية، ومنها بالطبع "العقل".. الذي سيفسح المجال هنا للقلب أو للروح أو للفؤاد، وسنفهم في رحلة الوجود، أن العقل ذاته هو الذي سيأخذنا إلى حقيقة الغيب والإيمان به..

وسننتبه إلى أن كل الإشارات إلى "العقل" في الوحي كانت إشارات تشغيل وتطبيق، إذ لم يرد العقل بوصفه المجرد قط.. والناس الطيبون دائما ما يذكّرون أنفسهم بأننا عرفنا الله عن طريق "العقل"، ويكثرون من ترديد جملة "ربنا عرفوه بالعقل".. وبعدها سيعرف الإنسان أنه لن يكون، ولن تقوم له قائمة، إلا بتوظيف العقل في المعرفة الكاملة، لينطلق عبره إلى معرفة الوجود في وجهيه، الغائب والمشهود..

* * *
أمام الترديد المتكرر لمقولات بعينها، لا يجد الجمهور فسحة للتأمل والتفكير والتحليل، ويقدم إليه الوعي "جاهزا".. وعي مبرمج ومعد سابق، وباتجاه واحد مرسوم.. على أن يتم ذلك كله بدهاء، وتحت غطاء من "الديمقراطية" والحياد

لكن المسألة سيعترضها الكثير من العوارض، منها ما يتصل بالإنسان في حاله "الخاص" وهو ينمو ويكبر ويعيش كـ"فرد".. ومنها ما يتصل به في حاله "العام" وهو يجتمع ويشارك ويتعاون كـ"مجتمع"..

وهو في الحالة الثانية سيتعرض لهجوم كثير على "عقله"..!! نعم.. ومن من جهات كثيرة لا جهة واحدة، وكلها تعمل على "استعباده" والسيطرة عليه عن طريق السيطرة على عقله.. ستكون هناك بطبيعة الحال أدوات أخرى لإحكام هذا الاستعباد وهذه السيطرة، لكن أخطرها على الإطلاق ما يكون عبر تعطيل عقله، وخطفه، ليعمل في اتجاه آخر ضد مصلحته..

* * *

وكنتُ قد كتبتُ كثيرا من قبل عن فكرة التلاعب بعقول الناس وخطفها، بل وأسرها، ليكون الإنسان موجودا في الاطار الذي يريدونه له ولا يخرج عنه..!!

ولعل أشهر كتاب كُتب عن هذا الموضوع الخطير، هو كتاب د. هربرت شيللر (ت: 2000م)، الأستاذ السابق في جامعة كولومبيا الأمريكية، "المتلاعبون بالعقول".. تُرجم الى العربية بعنوان "مديرو العقول"، وصدر في سلسلة عالم المعرفة الكويتية العريقة (عدد 106) بترجمة الأستاذ عبد السلام رضوان.

الفكرة العامة للكتاب تدور حول فرضية تقول: إنه أمام الترديد المتكرر لمقولات بعينها، لا يجد الجمهور فسحة للتأمل والتفكير والتحليل، ويقدم إليه الوعي "جاهزا".. وعي مبرمج ومعد سابق، وباتجاه واحد مرسوم.. على أن يتم ذلك كله بدهاء، وتحت غطاء من "الديمقراطية" والحياد..!

وقد رأينا مثلا قبل "طوفان الأقصى" كيف كان يرى العالم الدولة الصهيونية في أروع صورة، من "تكرار" ترديد معلومات خاطئة عن حقيقة هذه الدولة.. ثم كان الطوفان وكان الوعي بالحقيقة..

* * *

يرى شيللر أن تضليل وبرمجة "عقول البشر" يهدف إلى تطويع الجماهير للأهداف والسياسات السائدة، حتى يتم ضمان تأييد النظام القائم والسلطة التي تديره، بغض النظر إذا ما كان هذا النظام يعمل للمصلحة العامة أو ضد الصالح العام للشعب!!

في الخمسينيات والستينيات مثلا رأينا ذلك في مصر، عبر الإكثار الرهيب من ترديد اسم الحاكم وإنجازاته في الأغاني والأناشيد والمقالات والكتابات، إلى أن فاجأنا الأستاذ توفيق الحكيم (ت: 1987م) رحمه الله، بعد فوات الأوان بكتابه الصدمة "عودة الوعي"..!

وفي مسرحية "عدو الشعب" للكاتب النرويجى الشهير هنريك إبسن (ت: 1906م)، سنرى شخصية الدكتور "ستوكمان" الرجل الطيب، الذي حاول كشف الفساد في المدينة، ومن خلال الإعلام المضلل سيتم تحويله في "عقول" الشعب إلى عدو الشعب !!

* * *

يحاول شيللر أيضا في كتابه كشف "الأيديولوجيات المستترة" عبر الأفكار، والتنظيمات ذات الطبيعة العقائدية، وكذلك الرسالة الإخبارية التي تبدو "محايدة" وهي ليست كذلك، وحتى "المعلومة" التي تبدو للمتلقي مجرد معلومة مجردة، سنجدها مصاغة ومركبة على نحو "خبيث"، والهدف الأساسي وراء كل ذلك -كما يذكر- هو الإبقاء على مقاليد "الثروة والسلطة والقوة" والاحتفاظ بها وتكريس وضع من فيها.

* * *

الفيلسوف الفرنسي آلان باديو (89 عاما) مؤلف الكتاب الشهير "شرّنا يأتي مما هو أبعد".. أكد أن هناك عصابة تتحكم في العالم، تكونت من الهيمنة على رأس مال ضخم جدا، والذي تجاوز أفق الدولة..! هذه العصابة هي في حقيقة الأمر شركات ومؤسسات وبنوك وأندية رياضية وبيوت أزياء.. الخ، وتدير الأمور كلها بطريقة "إجرامية" تامة تستخدم كل أدوات الإجرام التقليدية.. من الرشوة الظاهرة والخفية، الى القتل المتعمد والخطأ..!! ثم يقول: لقد أصبحت الجماهير منقادة ومقيدة بـ"الإلحاح الإعلامي" ورسائل التضليل المتنوعة، وهكذا يبقى الجمهور في دوامة من الأحداث، والتدفق الإعلامي والإغراق في "التفاهات".

نشر جمعيات التثقيف والتوعية، والعمل اليومي للارتقاء بمستوى النقاش العمومي بين الناس، وفي تنمية مستوى "الذكاء الشعبي" والارتقاء بالرأي العام، والذوق العام، وتوسيع دائرة التنوير العام.. هي الفريضة الاجتماعية الغائبة، والفضيلة الإصلاحية المفقودة: "الأخلاق والتعليم"

وعندما يجد البعض فرصة للتساؤل والمعرفة، فإنهم يتحولون إلى مجرد "مجموعات ضالة" تفكر عكس التيار، وتخالف المجموع العام، ويبدون مغفلين، ومجانين، ولا يفهمون، بل وأشرار وخونة ويكرهون بلادهم.

ما الحل أمام تلك المعضلة العضيلة العاضلة؟..

* * *

إنها "مدارس الشعب" كما سماها الزعيمان مصطفي كامل (ت: 1908م) ومحمد فريد (ت: 1919م) رحمهما الله، وفي وقت مبكر من القرن الماضي، أو "السلطة المضادة" كما سماها شيللر في كتابه.

ونشر جمعيات التثقيف والتوعية، والعمل اليومي للارتقاء بمستوى النقاش العمومي بين الناس، وفي تنمية مستوى "الذكاء الشعبي" والارتقاء بالرأي العام، والذوق العام، وتوسيع دائرة التنوير العام.. هي الفريضة الاجتماعية الغائبة، والفضيلة الإصلاحية المفقودة: "الأخلاق والتعليم".

د. المسيري (ت: 2008م) رحمه الله، كان ينصح "الإصلاحيين" دائما بعدم السعي للسلطة، ولكن محاصرتها بالوعي الشعبي الذي سيتراكم عبر الزمن وينتشر، ويتحول الى قوة تأثيرية فاعلة.

هذا هو الاختيار الصحيح لميدان "المعركة الحقيقي" ومواجهة الأعداء الحقيقيين، لا الاندماج في لعبة الخداع والتضليل، والدخول في خلاّط "الزيطة" حيث الزمر والطبل العام.

نحن مطالبون بمعرفة وفهم كلام شيللر وباديو وغيرهم من المفكرين الأمناء في الغرب أكثر من غيرنا، لأنهم لا يمتلكون الاستعداد والقابلية "الإيمانية"، كما يمتلكها الإنسان في الشرق المسلم، "المُكلف" شرعا أن يتفكر ويتدبر ويفهم ويفقه ويعرف.

لكنه للأسف الشديد "غفل" الإصلاحيون عن إدراك ذلك.. ذهبوا إلى المستحيل، وما لا يمكن الوصول اليه، وتركوا ما يمكن إدراكه بسهوله..!!

x.com/helhamamy


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل