من حق الناس في الشرق المسلم أن يسعدوا باتفاق استراتيجي
بين ثلاث من أكبر الدول الإسلامية يحمل اسم "اتفاقية مكة".. وهي سعادة
تختلف كثيرا عما كان يعلن من قبل من اتفاقات، لأسباب كثيرة من أهمها أن
تركيا
وباكستان اتخذتا مسارا خلال السنوات الأخيرة يركز على كل ما هو "جوهري وعملي"،
وطبيعي ومتوقع أن يكون هذا الاتفاق جوهريا وعمليا، وفي إطار الضرورة التي فرضت
نفسها من خلال التوقيت الذي جاء فيه الإعلان عن هذا الاتفاق، رغم أن فكرته كانت
تدور في رأس من سعى إليه منذ أكثر من عامين كما قال وزير الخارجية التركي حقان فيدان.
وقد أقر فيدان بأن تحويل هذه الرؤية إلى واقع عملي لن
يكون مهمة سهلة، "وندرك حجم التحديات (السياسية والأمنية) التي قد تواجه هذا
المسار، والبدء في بناء مؤسسات إقليمية مشتركة يمثل خطوة ضرورية على هذا الطريق..
وسيكون في يوم ما مثل الناتو، يمتلك قيادة عسكرية موحدة، وهيكلا مؤسسيا متكاملا،
وخطط عمليات وقوات جاهزة للتدخل"..
تركيا الحالية أثبتت أن "التأني وعدم التعجل"
من أهم أدواتها الاستراتيجية..
* * *
الأمر في هذا الاتفاق يختلف كثيرا عما كان يُعلن عنه من قبل، من تجمعات شكلية جوهرها إعلامي ودعائي أكثر منه عملي وتنفيذي كما سبق، كما أن البعد الإسلامي حاضر فيه بقوة من خلال باكستان وتركيا، واحتضان السعودية له في أراضيها وفي "أم القرى"
التوقيت في أي شيء هو أهم ما في هذا الشيء، ونحن نعلم
ذلك من "الثقافة الإسلامية" كإحدى أهم السنن الكونية التي خلق الله
عليها الكون كله، وليس الدنيا والناس فقط..
كل شيء يتصل بالفهم الصحيح ستجده يتصل اتصالا وثيقا
بالوقت الصحيح، ولعل فكرة الصلوات الخمس على مدار اليوم تلقى في النفس إحساسا حادا
بفكرة "التوقيت".. ناهيك عما قدمه لنا النص القرآني في قصص الرسل والأنبياء،
وقصة الخلق الكبرى، والتي تحوي خلق كل شيء وفي القلب منه "خلق الإنسان" خلقا
من بعد خلق.
* * *
عاشت المنطقة العربية طويلا على أوهام الوحدة، وقام بهذا
الوهم كل من كان يكره فكرة "الوحدة العربية" سواء كراهية مباشرة
بالأصالة عن نفسه، أو كراهية غير مباشرة بالأصالة عن القوى الدولية..
وقد كانت عملية فصل السودان عن مصر في مطلع الخمسينيات
نذير شؤم كريه بعدم حدوث هذه الوحدة، رغم أن من قام بهذا "الفصل" ظل طوال
حكمه يتغنى بفكرة "الوحدة العربية". والمفارقة أنه كان كذلك في كل ما
نادى به من أوجه الإصلاح الأخرى، ولم ينتبه أحد من هول الكارثة الذي تركها خلفة ومات..
وبكى الناس كثيرا يوم موته على "حالهم" الذي تركهم عليه.
* * *
لكن الأمر في هذا الاتفاق يختلف كثيرا عما كان يُعلن عنه
من قبل، من تجمعات شكلية جوهرها إعلامي ودعائي أكثر منه عملي وتنفيذي كما سبق، كما
أن البعد الإسلامي حاضر فيه بقوة من خلال
باكستان وتركيا، واحتضان
السعودية له في
أراضيها وفي "أم القرى" مكة، لا في العاصمة السياسية الرياض..
علاقة باكستان والسعودية التاريخية والعسكرية قديمة،
وكان من الممكن أن تكتفي بها الدولتان لو كان كافيا، الجديد هو الحضور التركي
القادم من "أقصى المدينة"..!! من عند الناتو وأمريكا وروسيا، وهو حضور
فرضته ضرورة الوقت كما قلنا..
* * *
ليس فقط مرحلة "ما بعد الحرب على إيران"، وهي
مرحلة تتطلب إعادة ضبط التوازن في المنطقة.. باكستان كان لها حضورها الفعال في
الوساطة، وبدرجة ما تركيا، والدولتان لهما علاقات متميزة مع أمريكا.
وواضح طبعا أن تركيا أقنعت أمريكا بهذا الاتفاق، بعد
التأكد من أن الاعتماد على القوى الكبرى القادمة من خارج المنطقة لم ينجح في
معالجة أزماتها المزمنة، بل أدى في كثير من الأحيان إلى زيادة تعقيدها ورفع كلفتها
السياسية والاقتصادية، وبالتالي كان سهلا على باكستان والسعودية الدخول فيه، خاصة
وأن هناك حديثا قويا عن محور
تحالف بين الهند وإسرائيل ودولة خليجية..
الهند العدو الاستراتيجي لباكستان وإسرائيل عدو للمنطقة
كلها.. وواضح أن "اتفاقات أبراهام" التي كانت تحلم بها إسرائيل واللوبي
الداعم لها في أمريكا أصبحت حديث من الماضي، لا أكثر..
* * *
الحضور التركي والباكستاني في قلب الشرق الأوسط سيتجاوز
دوره كحالة تحالف
دفاعي.. وسيمنح الدول الثلاث مزايا عملية وصناعية ودبلوماسية،
كما سيتيح فرصا واسعة أمام الصناعات الدفاعية التركية ويعزز موقع تركيا في شبكات
التجارة والطاقة الدولية.
وهناك أيضا مشروع الخط الحديدي الذي سيربط تركيا وسوريا
والأردن والسعودية، والمتوقع البدء بتنفيذه العام المقبل (2027م) ليصل إلى المدينة
المنورة وإلى شواطئ الخليج، ضمن هدف أوسع لربط آسيا عبر طريق الحرير بأوروبا عبر
سوريا..
وعدم دخول سوريا التي تتمتع باحتضان سعودي تركي في هذا
التحالف من "أصول اللعبة" التي أصبح يجيد التعامل معها الطرف التركي، فذلك
من شأنه أن يدفع إسرائيل لاستفزاز الجميع بضرب سوريا، وتشتعل المنطقة بحرب في
توقيت غير صحيح.
واتفاق الدولتين سيتيح لهما تنسيق ضغوطهما على الأطراف
القريبة ذات الدور السلبي في سوريا (إيران وإسرائيل)، وعلى الأطراف البعيدة أيضا
التي لها دور في سوريا (أمريكا وروسيا).
* * *
أحد أهم أهداف هذا الحضور الإقليمي الجديد (تحالف مكة) هو عزل إسرائيل عن محيطها، وبالتالي عزلها دوليا، فأحد أهم عوامل نشأتها هو حماية المصالح الغربية في المنطقة، ولن تكون كذلك!! وستصبح عبئا ثقيلا خلال السنوات القادمة
سنعرف أن أحد أهم أهداف هذا الحضور الإقليمي الجديد
(تحالف مكة) هو عزل إسرائيل عن محيطها، وبالتالي عزلها دوليا، فأحد أهم عوامل
نشأتها هو حماية المصالح الغربية في المنطقة، ولن تكون كذلك!! وستصبح عبئا ثقيلا
خلال السنوات القادمة.. وهي بالفعل باتت عبئا على العالم الغربي الذي أنشأها وما زال
يمدها بالحبل السُري.
ولنا أن نعلم أن عاملا مهما من عوامل نجاح عبد الرحمن
السيد في الانتخابات التمهيدية الأخيرة في أمريكا أنه جعل القضية الفلسطينية محورا
انتخابيا له، ولم يتعامل مع إسرائيل وغزة باعتبارهما ملفا ثانويا، بل جعلهما جزءا
أساسيا من هويته السياسية كما قالت نيويورك تايمز..
* * *
وهذا ما كان يقصده "الطوفان" وتحقق منه جزء
كبير، والقادم أهم وأعظم.. وسيكون صحيحا حين نقول إن هذا "التحريك" الذي
حدث في المنطقة كلها.. بدأ من يوم 7 أكتوبر، كما قال بايدن وترامب بالحرف الواحد.
لكن هذا ليس كل شيء.. الحاصل الآن، أن لدينا في المنطقة
العربية تحالفا دفاعيا قويا، يحمل اسما غاليا وكبيرا وتاريخيا، أوجدته حالة
الضرورة، وفرضة حق الوقت، ويحمل من عوامل البقاء، والتوسع في عدد أعضائه، وفي
مساره الاستراتيجي الكثير والكثير..
وصدق من قال:
إذا هـبَّت رياحك فاغتنمها فما تدري السكون متى يكون؟
بل وكيف يكون؟!
x.com/helhamamy
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.