لعلنا لاحظنا خلال السنوات الماضية في
الإعلام وبرامج الفضائيات، نموذج متكرر وخبيث للأنواع من الأسئلة الفارغة من المعنى والتي لا فائدة من طرحها،
فضلا عن أن تكون لها إجابات مطلوبة وضرورية.. وواضح أن أصحاب تلك الأسئلة أصلا لا
يريدون إجابات ولا غيره، هم فقط من أصحاب الثرثرة الفارغة البائسة، ويستغلون
انصراف الناس إلى (عالم الفرجة) على الشاشات، ويملؤون الدنيا ضجيجا بكل ما هو تافه
وخبيث، مثل: لماذا لا يوجد لاعبون مسيحيون في المنتخب؟!! لماذا يحي لاعبو المنتخب
أبوتريكة..؟! ..لماذا يسجد اللاعبين في الملعب..؟!!
وكلها أسئلة كما نرى لا يطلب (العقل الرشيد)
إجابة عليها، وبالتالي فلا يصدر عنه أصلا سؤالا بهذا الشكل..
فإخواننا المسيحيين جزء من المجتمع المصرى،
الذى تقل فيه كثيرا فرصة ظهور المواهب واكتشافها للجميع، فى ظل ما يعانيه الناس ،
ولا يمتلك المجتمع أصلا أدوات اكتشافها.
في الثقافة الإسلامية هناك نهى عن (كثرة السؤال) وهو نهى جدير بالتأمل، ويحمل الكثير من الرفعة والسمو بالعقل الإنساني، أحد أهم نعم الله الكثيرة على الإنسان، ذلك أن السؤال حين يبدأ الحركة في الذهن تحوطه تلقائيا إجابات كثيرة متعددة متنوعة
وأبوتريكه لاعب يحبه زملاؤه..وسجود الشكر
معروف في الثقافة الإسلامية .. ولنا أن تتخيل كيف تتحول هذه الموضوعات إلى موضوع للسؤال والنقاش؟ وصدق
من قال أن الفراغ يستدعى ما يملؤه .. لكننا هنا أمام (خبث) في استغلال هذا الفراغ،
وملؤه بما يؤذى الناس ويثير بينهم الفتن والخلافات..
***
في الثقافة الإسلامية هناك نهى عن (كثرة
السؤال) وهو نهى جدير بالتأمل، ويحمل الكثير من الرفعة والسمو بالعقل الإنساني،
أحد أهم نعم الله الكثيرة على الإنسان، ذلك أن السؤال حين يبدأ الحركة في الذهن
تحوطه تلقائيا إجابات كثيرة متعددة متنوعة، تكاد تصل إلى (المغزى) الذي يطلبه
السؤال، وإما أن يجد له إجابة ترضيه، أو أن يقترب من الفهم الذي يطلبه الذهن من
إثارة السؤال، أو أن يجد أن السؤال لا غاية له ولا فائدة من معرفة الإجابة عنه، أو
انه أخيرا يقصد بالسؤال إثارة ضوضاء حول موضوع السؤال ، تتجاوز فكرة السؤال نفسه،
وتهدف إلى شيء أخر غير الإجابة الشافية التي تبدو من ظاهر السؤال.
وفى الأغلب يكون صاحب هذا النوع من الأسئلة
من فئة (المثقفين الزائفين) كما سماهم المفكر الفرنسي (باسكال بونيفاس/ 70 سنة)
وقد لفتت نظره تلك الظاهرة (ظاهرة الزيف) فكتب عنها كتابا هاما جدا بنفس العنوان
.. كما سنعرف لاحقا..
***
الحاصل أن الموضوع نفسه، حالة أخلاقية هامة
للغاية في المفهوم الإسلامي كما سبق، والنص القرآني أورد هذا الموضوع بوضوح وحذر
منه، وقدمه لنا تاريخيا بأنه أحد أسوا سمات (بنى إسرائيل) الذين قدمهم لنا الوحي
كنموذج متكامل الأركان للتمرد والعتو والكبر وكل ما هو سيء للأسف.
وقد كان الصحابة رضى الله عنهم يتحسبون
لموضوع السؤال، وكان سيدنا عمر رضى الله عنه شديد الانتباه للأسئلة التي تتطلب
إجابات تحمل الفرقة والخلاف ..
نحن هنا أمام نموذج مثالي للعقل الرشيد، وفي
شخصية صاحب العقل نفسه، الذى يعلم كيف يستفيد من هذا العقل ويضعه في موضعه الصحيح..
ورغم ذلك كلنا نعلم عن سيدنا عمر أنه كان
صاحب المواقف الكبيرة، التي قامت كلها من خلال حركة العقل الذى انعم الله عليه به ..
***
في كتابه (المثقفون الزائفون) يذكر لنا
المفكر الفرنسي باسكال بونيفاس فى مقدمة الكتاب: (شغلتني فكرة هذا الكتاب منذ وقت
طويل، فكم من مرة دهشت وانتابني شعور بالغضب أو الضيق عندما كنت اكتشف أثناء جدال
عام أن خبيراً نطق بكذبة، وأن هذه الكذبة قد مرت مرور رسالة في البريد ..
ويضيف: لا أتكلم هنا عن خطأ، بل عن (كذب
متعمد)، يتحمل مؤلفة مسؤوليته في هذه الحالة، والخبير المدعو لإيضاح الأمور
للجمهور يخون هذا الجمهور ولا يقوم بمهمته..
ويستطرد: أنا الذي طالما خشيت من ألا أكون
واضحاً أو دقيقاً بما فيه الكفاية، أو من ارتكاب خطأ، والذي طالما عاقبت نفسي إذا
حدث لي ذلك، يذهلني كل أولئك ، الذين لا يتورعون عن اللجوء إلى حجج مخادعة، وعن
إطلاق الأكاذيب من أجل حصد التأييد، وتبدو وقاحتهم وانعدام ذمتهم بلا حدود، وتشكل
ورقة رابحة، وبدلاً من مقابلتهم بالاستهجان العام، يقابلون بمزيد من التهليل..
يقسم باسكال هذا النوع من المثقفين إلى مزيفين ومرتزقة. المزيفون الذين يؤمنون بقضية ما لكنهم يعمدون إلى وسائل غير شريفة للدفاع عنها ونصرتها. والمرتزقة وهم الأسوأ، لأنهم لا يؤمنون بغير مصالحهم، ولذا يتظاهرون بالانتساب لقضية ما ليس من باب القناعة بها ولكن لارتفاع مردودها عليهم.
الكذب الحقيقي يسير على أحسن ما يرام ..
***
ثم يضيف: مرة أخرى لا أتكلم هنا عن أخطاء
يمكن لأي من كان أن يرتكبها، غير أن البعض يراكمها دون أن يؤثر ذلك بالهالة التي
تحيط بهم، الرياضي الذي يسجل أداء سيئاً مرة تلو المرة، قد يستبعد من التصفيات أما
المثقف الخبير فقد ينتقل من خطأ إلى آخر دون أن تتوقف دعوته إلى المنصات، ويقسم
باسكال هذا النوع من المثقفين إلى مزيفين ومرتزقة. المزيفون الذين يؤمنون بقضية ما لكنهم
يعمدون إلى وسائل غير شريفة للدفاع عنها ونصرتها. والمرتزقة وهم الأسوأ، لأنهم لا يؤمنون بغير
مصالحهم، ولذا يتظاهرون بالانتساب لقضية ما ليس من باب القناعة بها ولكن لارتفاع
مردودها عليهم.
ويحاول معرفة سبب جرأة هذين الصنفين على
(الكذب) فيقول: قول (الحقيقة)، يتطلب مجهوداً كبيراً من البحث والتحري، أما الكذب
فيحسم الجدل لصالحهم سريعاً، ولا يحتاج إلا إلى الحبكة والجرأة.. فما أجرأهم وأغلظ
وجوههم..!!
***
هذا الصنف من الناس الذين وضعتهم خصائصهم
السيئة في مكان لا يجب أن يكونوا فيه ..لابد من تعرية (وجوههم الغليظة) وكشفهم
أمام
الرأي العام، ولا يجب أبدا النظر اليهم والاستماع لهم في صمت ..
لأنهم داء عياء في الحياة العامة.. لا
يريدون لمجتمعنا وبلادنا خيرا قط .. هم فعلا مجموعات من الكذبة والمرتزقة، يسممون
حياتنا ويشوهونها، ولا يريدون للمجتمع أن يكون متصالحا متحابا متوافقا، موفقا في
دينه ودنياه..
هم لا يريدون لنا أن نٌحيّ دينا.. ولا أن
نعيش دنيا.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.