بين الشرع والرفاعي.. نصٌّ للتفاهم لا للفتنة

علاء الدين آل رشي
العقل السياسي الذي يسمع، ثم يراجع، ثم يبدل بعض أدواته حين يرى الأوسع والأصلح، أقدر على إدارة المراحل من عقل يجعل رأيه الأول قدره الأخير.. سانا
العقل السياسي الذي يسمع، ثم يراجع، ثم يبدل بعض أدواته حين يرى الأوسع والأصلح، أقدر على إدارة المراحل من عقل يجعل رأيه الأول قدره الأخير.. سانا
شارك الخبر
تابعتُ التسجيل  المسرَّب للحوار العفوي والمصور الذي دار بين سماحة الشيخ الإمام أسامة الرفاعي والوفد الإندونيسي. ورأيتُ في بعض ما كُتب حوله استعجالًا في الحكم، وشهوةً في الخصومة، وحرصًا على استخراج الفتنة من موضع التفاهم. والكلمة إذا خرجت من سياقها تغيّر وجهها، والنص إذا قُطّع صار في يد قارئه أكثر مما هو في لسان قائله. ومن أراد فهم كلام الرجل، فليجمع أوله إلى آخره؛ فإن أول الطريق قد يكون خصومة، وآخره مصالحة، وبينهما من التحولات ما لا تدركه القراءة العجلى.

والشام موضع نظر المسلمين، وعلماؤها جزء من صورتها في العالم الإسلامي. وحين يأتي وفد من إندونيسيا يسأل عن منهج علماء الشام، فهو يحمل سؤالًا يتجاوز الأشخاص إلى صورة سوريا، وموقع علمائها، ومستقبل مرجعيتها الدينية.

ولهذا جاء جواب الشيخ في سياق تاريخ كامل. ذكر مرحلة الخلاف، ثم مرحلة التحول، ثم اللقاء، ثم الحوار، ثم التفاهم. ومن عرف المراحل أحسن فهم المواقف.

يقول الشيخ: "الحكومة القائمة، والإخوة الذين قاموا بهذه الحركة، هم من المذهب الوهابي، بل كانوا منذ سنوات من المتشددين، بل كانوا من التكفيريين، وكانت هناك خصومة بيننا وبينهم". هكذا تحدث عن مرحلة مضت. والصدق مع التاريخ باب من أبواب الصدق مع الحاضر. فالمصالحة التي تحتمل ذكر الخلاف أرسخ قدمًا؛ لأن الذاكرة إذا صلحت حملت الناس إلى العبرة، وإذا فسدت حملتهم إلى الثأر.

التحول في حياة الرجال باب من أبواب النضج؛ فالثبات محمود حيث يكون الحق ثابتًا، والمراجعة محمودة حيث تنكشف للإنسان وجوه جديدة من المصلحة والمعرفة. والعقل السياسي الذي يسمع، ثم يراجع، ثم يبدل بعض أدواته حين يرى الأوسع والأصلح، أقدر على إدارة المراحل من عقل يجعل رأيه الأول قدره الأخير.
ثم يقول: "أنا كنت في تركيا، وكانت الوسائط كثيرة للاجتماع معهم، وأنا كنت أرفض الاجتماع معهم طالما أنهم على هذا المذهب؛ أنا لا ألتقي بهم".

ويقول: "وتوسّط لديّ الأتراك للقاء بهم، والحكومة التركية توسّطت. قلت: لا ألتقي بهم. وبقيت على هذا إلى قبيل الفتح بقليل".

في هذه الكلمات تظهر شدة الخلاف القديم، وتظهر معها خيوط التواصل. فالخصومة كانت قائمة، والوساطة كانت قائمة معها. وكم من تحول بدأ بخيط، ثم صار الخيط بابًا، وصار الباب لقاءً، وصار اللقاء معرفة، وصارت المعرفة تفاهمًا.

ثم يقول الشيخ: "قبيل الفتح بقليل، هو، الشرع، أعلن أنه ترك موضوع التشدد والنصرة والوهابية وكذا، وأنه مع أهل السنة والجماعة والأشاعرة، ومدح الأشاعرة وأثنى عليهم وكذا".

وهنا بيت مهم من بيوت الحديث. فالشيخ يضع أمام سامعه تحولًا معلنًا في مسار أحمد الشرع، وينقله من صورة مرحلة إلى صورة مرحلة أخرى. ومن قرأ هذه العبارة مع ما بعدها، وجد أن الشيخ لا يسجل تحولًا في علاقته بالشرع وحدها، بل يسجل تحولًا في خطاب الشرع وموقعه وطريقة مقاربته للوسط الديني الذي كان بينه وبينه خلاف.

والتحول في حياة الرجال باب من أبواب النضج؛ فالثبات محمود حيث يكون الحق ثابتًا، والمراجعة محمودة حيث تنكشف للإنسان وجوه جديدة من المصلحة والمعرفة. والعقل السياسي الذي يسمع، ثم يراجع، ثم يبدل بعض أدواته حين يرى الأوسع والأصلح، أقدر على إدارة المراحل من عقل يجعل رأيه الأول قدره الأخير.

وهنا يمكن فهم كلام الشيخ بوصفه تسجيلًا لهذه المرونة عند الرئيس أحمد الشرع. فالرجل، كما يروي الشيخ، انتقل من مرحلة كان فيها الخلاف شديدًا إلى مرحلة أعلن فيها موقفًا آخر، ثم فتح باب اللقاء، ثم دخل في حوار مباشر، ثم قبل مناقشة قضايا تتصل ببنية المؤسسة الدينية نفسها. وهذا التحول لا يرويه خصم من بعيد، بل يرويه رجل عاش الخلاف ثم عاش اللقاء.

ومن لطائف هذا السياق أن الشيخ لم يجعل التحول كلمةً تُقال، بل ربطه بعد ذلك بأثره: تواصل، ثم اجتماع، ثم جلسات، ثم تفاهم. والأقوال تعرف بثمارها، والتحولات تعرف بما تفتح من أبواب. ولهذا جاءت كلمته الجامعة: "نحن لنا الظاهر، والله يتولى السرائر". وما أثقل هذه الكلمة في ميزان الحكمة. فالظاهر ميدان التعامل، والسرائر ميدان الرب. ومن اشتغل بما ظهر من الأقوال والأعمال أبصر طريقه، ومن جعل القلوب ميدان حكمه دخل بابًا لا ساحل له.

ثم يقول الشيخ: "واتصل بي الرئيس الشرع، وقال: أنا وضعي كذا وكذا، وأنا من أهل السنة والجماعة، لا أصطنع خلافًا بيني وبينكم، والبلد بلدكم". ثم: "وطلب إليّ أن ألتقي به، فالتقيت به، وصارت عدة جلسات بيني وبينه".

وهنا تنتقل القصة من الوساطة إلى اللقاء. وحين تتحول الرسائل إلى مجالس، والمسافات إلى حوار، يبدأ طور جديد من المعرفة. و"عدة جلسات" تحمل في معناها أكثر من مجاملة عابرة؛ إنها مساحة للنقاش، ولعرض الرأي، ولسماع الرأي الآخر. ثم يصل الحديث إلى مؤسسة الإفتاء.

يقول الشيخ: "كان سابقًا يرى أنه لا ينبغي أن يكون لسوريا مفتٍ، مو ضروري المفتي؛ لأنه يعلم أن المفتي سيكون من أهل السنة والجماعة، وكان يقول بذلك".

وهنا يظهر وجه آخر من وجوه التحول. فالرئيس، بحسب رواية الشيخ، كانت له رؤية في مسألة المفتي، ثم جرى الحوار حولها.

ثم يقول الشيخ: "لكن لما اجتمعنا، قلت له: أنا مفتي المعارضة السورية، انتخبني المجلس الإسلامي السوري ومجلس الإفتاء السوري، وهم يشكّلون علماء سوريا قاطبة، في سوريا وفي المهجر كله".

ثم: "وقلت للرئيس: أنا رضيت أن أكون مفتيًا رغمًا عني، وهذا كان وأنا ألقيت هذه المهمة على غيري، وقلت: فلان، ورشحت فلانًا وفلانًا، ولكنهم لم يقبلوا".

ثم تأتي العبارة التي تكشف جوهر النقاش: "ثم قلت للرئيس: أنا لا أريد هذا المنصب، لكن لا ينبغي أن تستغني عن منصب المفتي". هنا فرق بين طالب المنصب وطالب المؤسسة. فالمنصب يضيق بالشخص، والمؤسسة تتسع للأمة. والأشخاص يمضون، أما ما تحتاجه البلاد من مرجعيات فيبقى بعدهم. ولهذا قال الشيخ: "هل في بلد من بلاد العالم الإسلامي ما فيها مفتي أو شيخ الإسلام أو رئيس الشؤون الدينية؟"

السلطة التي تجعل كل مراجعة هزيمة تضيق بالرأي، أما القيادة التي تسمع من أهل الاختصاص، ثم توسع تصورها عند ظهور وجه آخر للمصلحة، فإنها تجعل الحوار جزءًا من صناعة القرار.
ثم: "وأنا هذه لا أريدها".. ثم بلغ في التجرد أن قال: "أنا أرشح لك أربعة أو خمسة أسماء من علماء دمشق، هم أكفأ مني وأفضل مني بكثير. ولا تفعل كما فعل بشار الأسد؛ ألغى نظام الفتوى كله، ألغاه نهائيًا". ثم: "لتكن قدوتك دول العالم الإسلامي كلها"..

ثم تأتي عبارة قصيرة، لكنها تستحق طول الوقوف: "فرد الرئيس: هذا صحيح".. كم في هذه الكلمة من معنى إذا وضعت في سياقها. رأي كان قائمًا، ثم جاءت حجة، ثم جرى حوار، ثم وجد صاحب القرار في الحجة وجهًا يستحق القبول.

تظهر مرونة الرئيس أحمد الشرع في رواية الشيخ نفسها. فالسلطة التي تجعل كل مراجعة هزيمة تضيق بالرأي، أما القيادة التي تسمع من أهل الاختصاص، ثم توسع تصورها عند ظهور وجه آخر للمصلحة، فإنها تجعل الحوار جزءًا من صناعة القرار.

وهذا موطن إشادة ضمنية في حديث الشيخ بتحول الرئيس؛ لأن الشيخ لا يروي  قبول شخص به، وإنما يروي انتقالًا في تصور الرئيس نفسه لمسألة ذات شأن في البناء الديني للدولة. والمرونة  أوسع من قضية منصب المفتي. فهي تلتقي مع ما رواه الشيخ قبلها من تحول في الخطاب، ثم مع ما سيرويه بعدها من تفاهم في قضايا الدين والعلم. فتتجمع الحلقات: تحول معلن في الخطاب، ثم لقاء بعد خصومة، ثم قبول للحوار، ثم مراجعة في شأن مؤسسة الإفتاء. ثم تفاهم مستمر في القضايا الدينية. وهكذا تصبح صورة التحول في كلام الشيخ متدرجة، لا حادثة عابرة.

ثم يقول الشيخ: "ثم طلب مني مرة أخرى اللقاء. نحن رأينا الإخوة الذين اقترحت أسماءهم، رفضوا أن يكونوا في هذا المنصب، وقالوا: أسامة الرفاعي موجود".

ثم: "وعرضنا على عدد آخر، كذلك الأمر، وقالوا نفس الكلام: فلا بد أن تكون أنت المفتي". وهنا تلتقي مرونتان: مرونة عالم جعل المؤسسة أوسع من شخصه، فرشح غيره. ومرونة رئيس ترك لرأي العلماء ومداولاتهم مساحة في بناء هذه المؤسسة. وحين يخف تعلق الإنسان بذاته، ويخف تعلق صاحب القرار برأيه الأول، تتسع الطريق لمؤسسة أبقى من الجميع.

ثم تأتي خاتمة الحديث، وفيها مفتاحه الثاني بعد قوله: "نحن لنا الظاهر".. يقول الشيخ: "الرئيس الشرع والطبقة الكبرى من جماعته متفاهمون معنا تمامًا، وكل أمر نطرحه في قضايا الدين وقضايا علمية يؤيدوننا، ولا يتمسكون بقضايا جزئية".

وهذه عبارة ينبغي أن تقرأ على مهل. فالشيخ الذي روى الخصومة هو نفسه الذي يروي التفاهم. والذي وصف الماضي بلسان الماضي، يصف الحاضر بلسان الحاضر.

وقوله: "متفاهمون معنا تمامًا"،  هو ثمرة المسار الذي رواه من أوله. ولهذا يمكن أن يُقرأ كلام الشيخ أيضًا بوصفه شهادة على أن التحول الذي سبق أن أشار إليه صار، في تجربته المباشرة، تفاهمًا في العمل والتعامل.

ثم يقول: "هو من قلوبهم أم بسياسة؟ الله أعلم".. فعاد إلى ميزانه الأول. ظاهر يشهد له بما رأى، وسريرة يرد علمها إلى الله، وفي هذا من الإنصاف ما يحفظ للطرفين قدرهما. فالشيخ يثبت التحول من حيث ظهر أثره، ويثبت التفاهم من حيث عاشه، ويترك دوافع القلوب إلى علام الغيوب.

وقد يكون في التحول فكر وسياسة وتجربة ومراجعة ومصلحة، وقد تجتمع هذه كلها في النفس الواحدة.

وفي الوقت نفسه أعطى التحول حقه، وذكر التفاهم باسمه، وأثبت أن ما يطرحه العلماء في قضايا الدين والعلم يجد، بحسب تجربته، تأييدًا واستجابة لدى الرئيس والطبقة الكبرى من جماعته. وهذه في ذاتها دلالة مهمة. فالحديث هنا يبلغ مسافة أبعد من المصالحة الشخصية. إنه حديث عن نمط من العلاقة بين القيادة السياسية والمرجعية الدينية: العلماء يطرحون، والقيادة تسمع، ويجري التفاهم، وتتراجع الجزئيات أمام ما يرونه من كليات.

وهذا هو الموضع الذي ينبغي أن يُقرأ فيه تحول الرئيس أحمد الشرع ومرونته. فالرجل الذي يصفه الشيخ في أول السرد بصورة مرحلة سابقة، هو نفسه الذي يصفه في آخره شريكًا في تفاهم قائم. وبين الصورتين طريق من المراجعة والحوار.

ومن الظلم للنص أن يثبت القارئ الصورة الأولى ويطمس الثانية. ومن الظلم كذلك أن يمحو الأولى من أجل الثانية. العدل أن يقال: كان هذا، ثم جرى هذا، ثم صار الأمر إلى هذا. فالحكمة تنصف المراحل كلها. ومن جعل صورة الأمس سجنًا لصاحبها، سد باب التحول على الناس. ومن جعل تحول اليوم ذريعة لمحو الأمس، أضاع العبرة. والرشد بينهما: ذاكرة تحفظ، وعقل يراجع، وحاضر يُحكم عليه بما ظهر منه.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)