أوروبا وإسرائيل.. حين تجتمع المصالح على طاولةٍ واحدة

أمين أبو راشد
بعد سنوات لن يتذكر العالم عدد البيانات التي أصدرتها الحكومات الأوروبية. سيتذكر ما فعلته عندما كانت غزة تحت القصف وعندما كان الفلسطينيون يُهجّرون وعندما كانت صور الدمار والضحايا تملأ شاشات العالم.. الأناضول
بعد سنوات لن يتذكر العالم عدد البيانات التي أصدرتها الحكومات الأوروبية. سيتذكر ما فعلته عندما كانت غزة تحت القصف وعندما كان الفلسطينيون يُهجّرون وعندما كانت صور الدمار والضحايا تملأ شاشات العالم.. الأناضول
شارك الخبر
في بروكسل وفي الوقت الذي لا تزال فيه غزة تعيش آثار حرب مدمرة جلست مفوضة الاتحاد الأوروبي إيكاترينا زاهاريفا إلى طاولة واحدة مع رئيسة وكالة الفضاء الإسرائيلية شيمريت مامان لبحث التعاون في مجالات الذكاء الاصطناعي والروبوتات والفضاء والتكنولوجيا ذات الاستخدامات العسكرية.

قد يبدو المشهد للوهلة الأولى اجتماعًا تقنيًا عاديًا بين مسؤولين لكن توقيته وسياقه يطرحان سؤالًا أكبر بكثير من موضوع الاجتماع نفسه: كيف يمكن للاتحاد الأوروبي أن يواصل تعميق تعاونه التكنولوجي والعسكري مع إسرائيل بينما تتحدث المؤسسات الأوروبية في الوقت ذاته عن حقوق الإنسان والقانون الدولي وفيما تواجه إسرائيل اتهامات خطيرة بارتكاب انتهاكات جسيمة في غزة والضفة الغربية؟

ففي غزة لا تزال آثار الحرب والدمار والنزوح حاضرة فيما تواجه إسرائيل دعوى أمام محكمة العدل الدولية تتعلق بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية وقد أصدرت المحكمة تدابير مؤقتة في القضية دون أن يكون ذلك حكمًا نهائيًا بشأن وقوع الإبادة الجماعية.

وفي الضفة الغربية تتواصل سياسات الاستيطان ومصادرة الأراضي والتهجير إلى جانب تصاعد اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين وقد خلصت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري لعام 2024 إلى أن استمرار الوجود الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة غير قانوني وأن المستوطنات الإسرائيلية في هذه الأراضي مخالفة للقانون الدولي.

لطالما قدم الاتحاد الأوروبي نفسه باعتباره مدافعًا عن حقوق الإنسان والقانون الدولي والنظام العالمي القائم على القواعد. وهذه مبادئ لا خلاف على أهميتها. لكن المبادئ لا تكون مبادئ حقيقية إذا أصبحت انتقائية تُطبّق عندما يكون تطبيقها مريحًا وتتراجع عندما تتعارض مع المصالح السياسية والاستراتيجية.
ومع ذلك، تبدو بروكسل مستمرة في مسار آخر: التعاون والشراكات، والتكنولوجيا، والدفاع.

ولم يتوقف الأمر عند الاجتماع بين ايكاترينا زاهارييفا وشيمريت مامان  إذ يتواصل التعاون الأوروبي الإسرائيلي في مجالات التكنولوجيا والدفاع بينما تتجه "رافائيل" الشركة الإسرائيلية الحكومية للتكنولوجيا العسكرية إلى إنتاج منظومة "القبة الحديدية" في ألمانيا في وقت أبرمت فيه اليونان صفقة دفاعية مع إسرائيل بقيمة 3 مليارات يورو. وهنا تحديدًا تبدأ المشكلة.

أوروبا تتحدث عن حقوق الإنسان لكنها تتعاون مع إسرائيل

لطالما قدم الاتحاد الأوروبي نفسه باعتباره مدافعًا عن حقوق الإنسان والقانون الدولي والنظام العالمي القائم على القواعد. وهذه مبادئ لا خلاف على أهميتها. لكن المبادئ لا تكون مبادئ حقيقية إذا أصبحت انتقائية تُطبّق عندما يكون تطبيقها مريحًا وتتراجع عندما تتعارض مع المصالح السياسية والاستراتيجية.

فكيف يمكن لأوروبا أن تطالب دولًا أخرى باحترام القانون الدولي وأن تفرض عليها عقوبات وتدابير سياسية واقتصادية بينما تستمر علاقاتها مع إسرائيل في مجالات حساسة رغم حجم الاتهامات والانتهاكات المرتبطة بالحرب في غزة والاحتلال والاستيطان في الضفة الغربية؟

هل تتغير قيمة القانون الدولي بتغير هوية الدولة المتهمة بالانتهاك؟ وهل تصبح حماية المدنيين أقل أهمية عندما تكون الدولة المعنية حليفًا سياسيًا وأمنيًا؟

هذه الأسئلة لم تعد فلسطينية فقط بل أصبحت أسئلة تتعلق بمصداقية أوروبا نفسها.

غزة ليست مجرد أزمة إنسانية

ما يجري في غزة لا يمكن اختزاله في أرقام الضحايا أو حجم الدمار. وراء كل رقم إنسان ووراء كل منزل مدمّر عائلة ووراء كل طفل فقد حياته مستقبل لم يبدأ. وعندما تكون هناك اتهامات بارتكاب جرائم دولية بهذا الحجم فإن مسؤولية المجتمع الدولي لا ينبغي أن تقتصر على إصدار بيانات القلق والتعبير عن الأسف.

المطلوب هو المساءلة والتحقيق والضغط السياسي واستخدام أدوات النفوذ المتاحة لمنع استمرار الانتهاكات وحماية المدنيين.

لكن المفارقة أن أوروبا بدل أن تستخدم كامل نفوذها في هذا الاتجاه تستمر في تعزيز علاقاتها مع إسرائيل في مجالات تكنولوجية ودفاعية.

وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: أين تنتهي المصالح الأوروبية وأين تبدأ المسؤولية الأخلاقية؟

الضفة الغربية.. الوجه الآخر للمأساة

لا ينبغي أن تختزل القضية الفلسطينية في غزة وحدها. فالضفة الغربية تشهد منذ سنوات توسعًا استيطانيًا ومصادرة للأراضي وعمليات هدم وإخلاء وتهجير، إلى جانب اعتداءات متزايدة من المستوطنين.

وقد أكدت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري لعام 2024 أن المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة أقيمت وتُحافظ عليها بما يخالف القانون الدول وأن استمرار الوجود الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة غير قانوني. ومع ذلك، تستمر العلاقات الأوروبية الإسرائيلية وكأن هذه التطورات يمكن فصلها عن طبيعة العلاقة السياسية والاقتصادية والعسكرية بين الطرفين.

لكن لا يمكن فصل السياسة عن نتائجها. ولا يمكن الحديث عن السلام بينما تتواصل على الأرض سياسات تقوض مقوماته.

التكنولوجيا ليست دائمًا مدنية

قد يقول البعض إن التعاون في الذكاء الاصطناعي أو الروبوتات أو الفضاء تعاون علمي وتكنولوجي ولا ينبغي ربطه بالسياسة. لكن العالم تغير. الكثير من التقنيات الحديثة أصبحت ذات استخدام مزدوج أي يمكن استخدامها في المجالات المدنية والعسكرية في الوقت نفسه.

ما يجري في غزة لا يمكن اختزاله في أرقام الضحايا أو حجم الدمار. وراء كل رقم إنسان ووراء كل منزل مدمّر عائلة ووراء كل طفل فقد حياته مستقبل لم يبدأ. وعندما تكون هناك اتهامات بارتكاب جرائم دولية بهذا الحجم فإن مسؤولية المجتمع الدولي لا ينبغي أن تقتصر على إصدار بيانات القلق والتعبير عن الأسف.
وعندما يتعلق الأمر بإسرائيل وهي دولة تمتلك واحدة من أكثر الصناعات العسكرية والتكنولوجية تطورًا فإن التعاون في التقنيات المتقدمة يطرح بالضرورة أسئلة عن الاستخدام النهائي لهذه التكنولوجيا.

هل يجوز استمرار التعاون غير المشروط عندما تكون هناك مخاوف جدية من استخدام القدرات والتكنولوجيا في سياق عمليات عسكرية متهمة بانتهاك القانون الدولي؟ إن تجاهل هذا السؤال ليس حيادًا.

المشكلة ليست في إسرائيل وحدها

من الطبيعي أن تتحمل إسرائيل مسؤولية أفعالها وسياساتها وقراراتها. لكن المسؤولية السياسية والأخلاقية لا تتوقف عند الطرف الذي يملك القوة العسكرية. فالدول التي تمتلك النفوذ السياسي والاقتصادي والعسكري تستطيع أن تستخدمه للضغط من أجل احترام القانون الدولي وحماية المدنيين.

ولهذا فإن استمرار العلاقات والتعاون دون مراجعة جادة يمكن أن يطرح سؤالًا مؤلمًا: هل تستخدم أوروبا نفوذها لتغيير الواقع، أم أنها تكتفي بمراقبته وإصدار بيانات بشأنه؟ فالصمت في بعض الظروف موقف. والاستمرار في التعاون في ظروف معينة يمكن أن يكون موقفًا أيضًا.

ازدواجية المعايير تقتل المصداقية

أخطر ما يمكن أن يحدث للقانون الدولي ليس فقط أن تنتهكه دولة بل أن يشعر العالم بأن تطبيقه يعتمد على هوية الدولة التي تنتهكه. إذا كان القانون الدولي قاعدة، فيجب أن يكون قانونًا للجميع. وإذا كانت حقوق الإنسان قيمة عالمية فلا ينبغي أن تكون هناك شعوب تستحق الحماية أكثر من شعوب أخرى.

وإذا كان قتل المدنيين وتهجيرهم واستهداف البنية المدنية أمرًا يستدعي العقوبات والمحاسبة عندما يحدث في مكان ما، فيجب أن تكون المعايير نفسها عندما يحدث في فلسطين. لا يمكن أن تكون هناك حقوق إنسان غربية وحقوق إنسان فلسطينية. ولا يمكن أن يكون هناك قانون دولي للحلفاء وقانون دولي للخصوم.

أوروبا أمام اختبار تاريخي

ربما لا تكون القضية اليوم هي ما إذا كانت أوروبا تؤيد إسرائيل أو تؤيد الفلسطينيين. القضية أعمق من ذلك: هل تؤيد أوروبا مبادئها التي تقول إنها تدافع عنها؟ إذا كانت الإجابة نعم، فعليها أن تُثبت ذلك عندما تكون كلفة الموقف مرتفعة. أما الاكتفاء بالبيانات بالتوازي مع استمرار التعاون العسكري والتكنولوجي والاقتصادي فإنه يخلق فجوة متزايدة بين الخطاب والممارسة.

وأوروبا التي تستضيف مؤسسات قضائية دولية وتقدم نفسها باعتبارها من حماة النظام الدولي القائم على القواعد مطالبة اليوم بأن تكون أكثر من مجرد متحدث باسم هذه المبادئ. عليها أن تطبقها.

في النهاية ماذا ستقول أوروبا للتاريخ؟

بعد سنوات لن يتذكر العالم عدد البيانات التي أصدرتها الحكومات الأوروبية. سيتذكر ما فعلته عندما كانت غزة تحت القصف وعندما كان الفلسطينيون يُهجّرون وعندما كانت صور الدمار والضحايا تملأ شاشات العالم.

سيتذكر ما إذا كانت أوروبا استخدمت نفوذها لحماية المدنيين والدفع نحو المساءلة أم أنها حافظت على مصالحها وشراكاتها واكتفت بالحديث عن القلق والأسف. التاريخ لا يحاسب الدول على ما تقوله فقط بل على ما تفعله عندما يصبح الصمت مكلفًا.

والمسألة في النهاية ليست فلسطين وحدها. إنها صورة النظام الدولي كله. فإذا كان القانون الدولي يحمي الأقوياء فقط فقد فقد معناه. وإذا كانت حقوق الإنسان تُطبّق وفق المصالح فقد فقدت عالميتها. وإذا كانت أوروبا تريد أن تُصدَّق عندما تتحدث عن القيم فعليها أن تثبت أن هذه القيم *ليست قابلة للتجزئة ولا تتغير بتغير الحلفاء.. فالسؤال الذي ستواجهه أوروبا ليس: ماذا قالت عن غزة؟ بل: ماذا فعلت عندما كانت غزة بحاجة إلى أفعال لا إلى بيانات؟


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)