في السابع
والعشرين من تشرين الأول/ أكتوبر المقبل لن يذهب
الإسرائيليون إلى صناديق الاقتراع
لاختيار رئيس حكومة بصورة مباشرة، بل لانتخاب 120 عضوا في الكنيست قبل أن تبدأ
لعبة الائتلافات البرلمانية التي تحدد صاحب القدرة على اجتياز عتبة الواحد والستين
مقعدا. غير أن هذه الآلية الدستورية تخفي وراءها سؤالا أكثر عمقا: هل يستطيع
بنيامين
نتنياهو أن يعيد إنتاج معجزة البقاء السياسي التي أتقنها طوال عقود، أم أن
صناديق الاقتراع ستتحول هذه المرة إلى مرآة تعكس ما راكمته سنوات حكمه من أزمات
وتصدعات؟
نتنياهو
لا يخوض
انتخابات عادية، فهو يدخلها محملا بإرث سياسي وأمني بالغ الثقل. فالرجل
الذي شيّد شرعيته على أطروحة مفادها أنه الأقدر على إدارة المخاطر الوجودية التي
تحيط بإسرائيل؛ يجد نفسه اليوم مضطرا للدفاع عن حصيلة تلك العقيدة ذاتها. فالحرب
التي كان يفترض أن تعيد إنتاج الردع الإسرائيلي وتستعيد معادلة الأمن تبدو وقد
فتحت في المقابل أسئلة عميقة حول جدوى القوة وحدودها، وحول الكلفة الاستراتيجية
لحرب مفتوحة الأفق.
الحرب التي كان يفترض أن تعيد إنتاج الردع الإسرائيلي وتستعيد معادلة الأمن تبدو وقد فتحت في المقابل أسئلة عميقة حول جدوى القوة وحدودها، وحول الكلفة الاستراتيجية لحرب مفتوحة الأفق
وتقول
استطلاعات الرأي إن الليكود لا يزال يحتفظ بوزنه المركزي، لكنه لم يعد يمتلك
التفوق المريح الذي يسمح لنتنياهو بالتعامل مع الانتخابات باعتبارها إجراء شكليا
لتجديد التفويض. وبعض الاستطلاعات تمنح الحزب ما بين 21 و23 مقعدا، بينما تتقدم
قوى منافسة بقيادة غادي آيزنكوت في بعض السيناريوهات إلى مستويات مماثلة أو أعلى. أما
خارطة الكتل فتبدو أكثر اضطرابا إذ لا يستطيع معسكر نتنياهو ولا خصومه حتى الآن
إنتاج أغلبية مستقرة بصورة تلقائية.
وهنا
تحديدا تكمن المفارقة، فنتنياهو الذي بنى صورته على امتلاك فائض الخبرة السياسية
يجد نفسه أمام نظام حزبي شديد السيولة، وأمام مجتمع إسرائيلي تتنازعه روايات
متعارضة حول
الحرب والأمن والدولة ومستقبل الصراع مع الفلسطينيين. لقد تحولت كلمة
الأمن من ورقة انتخابية رابحة إلى ملف مساءلة مفتوح، فلم يعد السؤال الإسرائيلي
مقتصرا على كيفية مواجهة التهديدات بل امتد إلى سؤال أكثر إحراجا: ماذا كانت حصيلة
كل هذه القوة العسكرية؟ وهل استطاعت إسرائيل أن تنتج أمنا مستداما، أم أنها دخلت
في حلقة استراتيجية مغلقة تعيد إنتاج الحرب دون أن تنتج تسوية؟
وهذه
المعضلة تضع نتنياهو أمام مأزق مزدوج، فالتنازل في غزة قد يهدد تماسك ائتلافه مع
اليمين الأكثر تشددا، بينما الإصرار على شروط قصوى قد يفاقم التباعد مع واشنطن
ويضع إسرائيل أمام استنزاف دبلوماسي متزايد، وبين هذين الخيارين يتحرك نتنياهو في
مساحة ضيقة لا تسمح له بالانتصار الكامل ولا بالانسحاب الكامل. والأكثر دلالة أن
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم يمنح نتنياهو حتى الآن شيكا سياسيا مفتوحا في
معركته الانتخابية، وهذه ليست مسألة بروتوكولية، إذ يدرك نتنياهو أن العلاقة مع
واشنطن تشكل أحد أعمدة منظومة الشرعية الاستراتيجية الإسرائيلية وأن أي تصدع فيها
يمكن أن يتحول إلى مادة انتخابية داخلية شديدة التأثير.
وفي الضفة
الغربية تتكرر المعادلة ذاتها بصورة أكثر تعقيدا، فالحكومة مطالبة من قاعدتها
اليمينية بتوسيع هامش الحركة أمام المستوطنين وتعزيز القبضة الأمنية، بينما تجد
نفسها أمام ضغوط أمريكية ودولية متزايدة. وحين تضطر واشنطن إلى مطالبة الحكومة
الإسرائيلية باتخاذ موقف واضح من اعتداءات المستوطنين فإن المسألة تتجاوز الحادثة
نفسها؛ لتصبح مؤشرا على التوتر بين الاعتبارات الائتلافية الداخلية ومتطلبات
العلاقة مع الحليف الأمريكي.
لكن قراءة
المشهد بوصفه مسارا حتميا لسقوط نتنياهو ستكون تبسيطا مفرطا، فالرجل لم يصل إلى
هذه المرحلة من حياته السياسية لأنه سياسي تقليدي؛ إنه يمتلك قدرة استثنائية على
إعادة تدوير الأزمات وتحويلها من عبء إلى أداة سياسية، وقد أثبت مرارا أن الخوف في
السياسة الإسرائيلية ليس مجرد شعور جماعي بل قوة انتخابية يمكن توجيهها نحو صندوق
الاقتراع. ثم إن خصومه لم ينجحوا بعد في إنتاج البديل الذي يحول رفضه إلى مشروع
حكم متماسك، فالمعارضة تستطيع أن تتقدم في الاستطلاعات لكنها لا تزال تواجه معضلة
تركيبية تتعلق بتباين مكوناتها وبقدرتها على بناء ائتلاف يمتلك الحد الأدنى من
التجانس السياسي والأيديولوجي.
وهكذا
تصبح الانتخابات المقبلة اختبارا مزدوجا: هل فقد نتنياهو قدرته على إدارة الخوف
الإسرائيلي أم أن خصومه عاجزون عن تحويل السخط عليه إلى تفويض لصالحهم؟ وهذه هي
المفارقة التي قد تحدد مستقبل الرجل، فهو لا يحتاج بالضرورة إلى أن يكون محبوب
الجماهير كي يفوز وإنما يحتاج إلى أن يبدو البديل عنه أكثر خطرا في عين الناخب
الإسرائيلي. لقد عاش نتنياهو سياسيا على حافة الأزمات
لا تعود الانتخابات مجرد منافسة بين الليكود وخصومه، وإنما تصبح امتحانا لقدرة المؤسسة السياسية الإسرائيلية على إعادة إنتاج شرعيتها في ظل مجتمع مستنزف ومشهد إقليمي شديد السيولة
وربما كان جزء من قوته أنه
استطاع دائما إقناع الجمهور بأن العالم الخارجي أكثر خطرا من أخطاء الداخل، لكن
الحرب الأخيرة أعادت ترتيب الأسئلة وصار المواطن الإسرائيلي يسأل عن الجيش، وعن
الأسرى، وعن مستقبل الدولة، وعن العلاقة مع الولايات المتحدة، وعن الكلفة
الاقتصادية والدبلوماسية للحرب، وعن قدرة القيادة السياسية على تقديم أفق يتجاوز
إدارة الصراع. وهنا لا تعود الانتخابات مجرد منافسة بين الليكود وخصومه، وإنما
تصبح امتحانا لقدرة المؤسسة السياسية الإسرائيلية على إعادة إنتاج شرعيتها في ظل
مجتمع مستنزف ومشهد إقليمي شديد السيولة.
لذلك فإن
انتخابات تشرين الأول/أكتوبر قد تكون أكثر من تنافس حزبي على مقاعد الكنيست، إنها
اختبار لإعادة تعريف العقد السياسي الإسرائيلي نفسه، فإذا نجح نتنياهو في استعادة
الأغلبية فسوف يثبت مرة أخرى أن منظومة الخوف والردع والاستقطاب ما زالت قادرة على
إنتاج الشرعية السياسية، أما إذا عجز عن ذلك فقد تكون النتيجة بداية انتقال من
مرحلة نتنياهو بوصفه رجل الدولة الذي لا بديل عنه إلى مرحلة يصبح فيها نتنياهو
نفسه جزءا من السؤال الذي يبحث الإسرائيليون عن إجابة له، وعندها لن يكون السؤال
الحقيقي من سيحكم إسرائيل بعد الانتخابات، بل أي إسرائيل ستخرج من هذه الانتخابات:
إسرائيل التي تعيد إنتاج منطق الحرب بوصفه عقيدة سياسية، أم إسرائيل تبحث عن مخرج
من الحلقة المغلقة التي جعلت الأمن ذريعة دائمة لتأجيل الأسئلة الكبرى؟
وعند هذه
النقطة تحديدا ستتجاوز صناديق الاقتراع وظيفتها الانتخابية لتصبح مرآة سياسية لجيل
كامل من الإسرائيليين يسأل للمرة الأولى ربما ليس فقط عمن يستطيع أن يحكم، بل عما
إذا كانت الخيارات التي حكمت إسرائيل طوال السنوات الماضية ما زالت قادرة على
إقناعهم بأنها تقود إلى مستقبل قابل للحياة.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.