في خضم الصراعات الإقليمية المتشابكة، يجد
العربي، والفلسطيني والسوري على وجه الخصوص، نفسه أمام مفارقة سياسية وأخلاقية
مؤلمة: كيف يوازن بين غضبه المشروع مما فعلته
إيران في سوريا وغيرها، وبين موقفها
المعلن في مواجهة الولايات المتحدة والكيان المحتل، ودعمها قوى المقاومة
الفلسطينية؟
ليست هذه مجرد حيرة سياسية عابرة، ولا سؤالا
نظريّا تمكن الإجابة عنه بالشعارات الجاهزة، بل هي أزمة عميقة تمزق الوعي العربي
بين ذاكرة مثقلة بالجراح، وواقع إقليمي لا يتيح خيارات نقية أو مريحة؛ فالعربي
الذي يرفض المشروع الإيراني التوسعي يجد نفسه، في الوقت ذاته، عاجزا عن تجاهل
الدور الإيراني في دعم قوى تقاوم الاحتلال الالكيان المحتلي، في ظل انكفاء عربي
رسمي بلغ، في بعض حالاته، حد التواطؤ أو التطبيع..
ولا يستطيع سوري، أو عربي مطّلع على ما جرى
في سوريا، أن يتجاوز الدور الإيراني المدمر هناك. فقد انتقلت طهران من موقع الحليف
الاستراتيجي للنظام السوري إلى قوة تدخل مباشر، وأسهمت في إدخال ميليشيات مذهبية
عابرة للحدود، وفي تحويل سوريا إلى ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية والدولية. كما
شاركت في إفراغ الصراع من مضمونه الوطني، ودفعه إلى أتون الاستقطاب الطائفي، بما
أحدث تصدعات عميقة في النسيج الاجتماعي السوري، لن يكون ترميمها يسيرا أو قريبا.
لا يستطيع سوري، أو عربي مطّلع على ما جرى في سوريا، أن يتجاوز الدور الإيراني المدمر هناك. فقد انتقلت طهران من موقع الحليف الاستراتيجي للنظام السوري إلى قوة تدخل مباشر، وأسهمت في إدخال ميليشيات مذهبية عابرة للحدود، وفي تحويل سوريا إلى ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية والدولية.
لقد دفعت سوريا ثمنا بشريّا وحضاريا
واجتماعيّا باهظا؛ لأن إيران نظرت إلى بقاء النظام بوصفه ضرورة جيوسياسية لحماية
نفوذها الإقليمي وممراتها العسكرية، لا بوصفه مسألة مرتبطة بحق السوريين في الحياة
والحرية والكرامة. وفي مثل هذه الحسابات، تحولت الدولة السورية إلى ورقة نفوذ،
وغدا الشعب السوري تفصيلا ثانويّا في معركة تتجاوز إرادته ومصالحه.
وهذا الجرح ليس مجرد مادة للتحليل السياسي،
بل هو ألم إنساني عاشه ملايين السوريين الذين فقدوا أهلهم وبيوتهم ومدنهم، كما
مسَّ الفلسطينيين في سوريا الذين وجدوا أنفسهم عالقين بين نظام يقمع معارضيه،
وجماعات مسلحة وميليشيات تتنازع الأرض والسلطة والولاء.
لكن الصورة لا تقف عند هذا الحد. فإيران
تقدم نفسها، في المقابل، باعتبارها القوة الإقليمية الأشد عداء للكيان المحتل
والولايات المتحدة، وتتبنى خطابا ثوريّا مقاوما يجد صداه لدى قطاعات واسعة من
العرب الذين أنهكتهم الهيمنة الأميركية، وأوجعهم العجز الرسمي العربي أمام
الاحتلال وحرب الإبادة والتهجير. كما لا يمكن إنكار ما قدمته طهران من دعم وتسليح
وتمويل لقوى المقاومة الفلسطينية، في وقت تراجعت فيه عواصم عربية كثيرة عن أبسط
التزاماتها تجاه فلسطين.
غير أن السؤال الجوهري يظل قائما: هل يمحو
العداء المشترك لأميركا والكيان المحتل ما فعلته إيران في سوريا وغيرها؟ وهل يكفي
دعم المقاومة الفلسطينية لمنح النظام الإيراني صك براءة من سياساته وجرائمه في
الإقليم؟
الإجابة الأخلاقية والعقلانية هي: لا..
فالوقوف في وجه الكيان المحتل لا يبرئ أحدا من دماء السوريين، كما أن إدانة الدور
الإيراني في سوريا لا تفرض على العربي أن يقف في خندق أميركا والكيان المحتل. ولا
يجوز أن تتحول المقاومة إلى غطاء يبيح انتهاك حقوق شعوب أخرى، أو أن يصبح العداء
للمشروع الصهيوني شهادة دائمة بحسن السلوك السياسي والأخلاق؛ فالقضايا العادلة لا
تمنح حصانة مفتوحة لمن يتبناها، ولا تسقط حق الضحايا في الذاكرة والمساءلة.
هنا تتجسد معضلة الفلسطيني والسوري والعربي
عموما. فالفلسطيني المنصف يرى في إيران داعما مهمّا للمقاومة، ويقدر هذا الدور،
لكنه لا يستطيع أن ينسى ما ارتكبته سياساتها وميليشياتها في سوريا التي كانت لعقود
ملاذا لمئات الآلاف من الفلسطينيين. والسوري يحمل جروحا غائرة من التدخل الإيراني،
لكنه، ربما يرى، في الوقت نفسه، أن إيران ما تزال من القوى الإقليمية القليلة
المستعدة لمواجهة الكيان المحتل ودفع أثمان سياسية وعسكرية في سبيل ذلك..
غير أن الإنصاف لا يعني المساواة بين
الأدوار، كما لا يعني خلط الملفات بعضها ببعض. فمن حق الفلسطيني أن يشكر من دعمه
في مقاومة الاحتلال، ومن حق السوري أن يدين من شارك في قتل شعبه وتدمير بلده. وليس
مطلوبا من أحدهما أن يتنازل عن جرحه كي يعترف بجرح الآخر، ولا أن يصمت عن جريمة
هنا حتى يكون مخلصا لقضية عادلة هناك..
فالسياسة ليست مباراة بين فريقين يُطلب من
العربي أن يشجع أحدهما بلا شروط، وليست امتحان ولاء يفرض عليه أن يقبل الحزمة
كاملة: إما إيران بكل سياساتها، وإما أميركا والكيان المحتل بكل مشاريعهما. هذا
منطق الاصطفاف الذي صادر العقل العربي طويلا، وجعله تابعا للمحاور، بدل أن يكون
صاحب موقف مستقل..
لقد دفعت سوريا ثمنا بشريّا وحضاريا واجتماعيّا باهظا؛ لأن إيران نظرت إلى بقاء النظام بوصفه ضرورة جيوسياسية لحماية نفوذها الإقليمي وممراتها العسكرية، لا بوصفه مسألة مرتبطة بحق السوريين في الحياة والحرية والكرامة. وفي مثل هذه الحسابات، تحولت الدولة السورية إلى ورقة نفوذ، وغدا الشعب السوري تفصيلا ثانويّا في معركة تتجاوز إرادته ومصالحه.
إن الموقف الناضج لا يقوم على سؤال: هل نحب
إيران أم نكرهها؟ بل على سؤال أكثر دقة: أين أصابت إيران، وأين أخطأت، ومتى دعمت
حقّا مشروعا، ومتى تحولت إلى قوة هيمنة وانتهاك؟ فدعمها المقاومة الفلسطينية موقف
يُقدَّر، أما تدخلها في سوريا والعراق ولبنان واليمن، واستعمالها الانقسامات
المذهبية لتوسيع نفوذها، فمواقف وسياسات ينبغي نقدها ورفضها.. الاعتراف بالأول لا
يلغي الثاني، وإدانة الثاني لا تفرض إنكار الأول..
إن الخروج من هذه المعضلة يتطلب شجاعة فكرية
ترفض الانتقائية في تطبيق المبادئ، وتقوم على مجموعة من الأسس الواضحة.
أولها ـ رفض جميع أشكال التدخل والهيمنة على
الشعوب العربية، سواء جاءت من إيران أو الولايات المتحدة أو الكيان المحتل أو أي
قوة أخرى. فالاحتلال لا يصبح مقبولا لأن رايته مختلفة، والتبعية لا تتحول إلى
استقلال لمجرد أنها جاءت تحت شعار المقاومة.
وثانيها ـ التمييز بين الشعوب والأنظمة؛
فنقد النظام الإيراني وسياساته لا يعني العداء للشعب الإيراني، وهو شعب تربطه
بالعرب صلات حضارية وإنسانية عميقة. كما أن مقاومة الكيان المحتل لا تعني تأييد كل
نظام يرفع شعارها، ولا تبرير ممارساته الداخلية أو الإقليمية.
وثالثها ـ بناء موقف عربي مستقل، ينطلق من
مصالح الشعوب العربية وحقوقها، لا من ردود الفعل العاطفية أو العصبيات المذهبية
والاصطفافات الأيديولوجية الجامدة. فالعربي ليس ملزما بالانتقال من التبعية
لواشنطن إلى التبعية لطهران، ولا من الخوف من المشروع الإيراني إلى الاحتماء
بالمشروع الأميركي أو الكيان المحتل.
أما الأساس الرابع فهو الاعتراف بأن المأساة
الحقيقية تكمن في غياب المشروع العربي القادر على حماية مصالح المنطقة وقضاياه؛
فلولا الفراغ العربي لما استطاعت القوى الإقليمية والدولية أن تحول بلاد العرب إلى
ساحات لتصفية حساباتها. وإيران لم تصنع هذا الفراغ وحدها، لكنها استفادت منه، كما
استفادت منه تركيا والكيان المحتل والولايات المتحدة وروسيا وغيرها.
لقد اعتادت بعض النخب العربية اختزال كل
أزمة في سؤال: مع من نقف؟ مع إيران أم ضدها؟ مع أميركا أم في مواجهتها؟ بينما
السؤال الأجدر هو: أين يقف الحق العربي، وأين توجد مصلحة الشعوب وكرامتها
واستقلالها؟ فالمواقف لا تُقاس بهوية الفاعل، بل بطبيعة الفعل ونتائجه. وما يكون
عدلا في فلسطين لا يمكن أن يصبح ظلما مشروعا في سوريا، وما ندينه من أميركا
والكيان المحتل لا يجوز أن نقبله من إيران بحجة اختلاف الشعارات.
إن العربي اليوم مدعو إلى تجاوز ثنائية
الاختيار بين شرين: إما الاصطفاف الأعمى مع إيران، وإما القبول بالهيمنة الأميركية
والكيان المحتل، فهناك طريق ثالث، وإن كان أشق وأقل إغراء: طريق الاستقلال الفكري
والسياسي، والنقد المتوازن، والتمسك بالمبادئ بعيدا عن غواية المحاور.
ينبغي أن تظل مأساة التدخل الإيراني في
سوريا حاضرة في الذاكرة العربية، لا بغرض تأجيج الأحقاد المذهبية، بل لحماية
المستقبل من تكرارها، وللتأكيد على أن دماء الشعوب ليست أوراقا تفاوضية في مشاريع
الدول. وفي الوقت نفسه، ينبغي أن يبقى رفض الاحتلال والهيمنة الأميركية موقفا
عربيّا ثابتا، لا تابعا لموقف إيران ولا مرهونا بها؛ لأن فلسطين قضية عربية
وإنسانية عادلة قبل الثورة الإيرانية، وستظل كذلك بصرف النظر عن سياسات طهران
وتحالفاتها.
ليست إيران ملاكا لمجرد أنها تعادي الكيان
المحتل، وليست الكيان المحتل أو أمريكا أقل خطرا لمجرد أننا نرفض المشروع
الإيراني. والمقاومة ليست صك براءة، كما أن الخصومة مع أمريكا ليست شهادة عدالة.
ومن حق العربي، بل من واجبه، أن يقول لإيران: نقف معك حين تقفين مع حق الشعب
الفلسطيني، ونقف ضدك حين تنتهكين أي حق من حقوق الشعب العربي..!
هذا التوازن ليس ضعفا ولا ترددا، بل هو ذروة
الاتساق الأخلاقي والسياسي. وهو يحتاج إلى شجاعة مضاعفة: شجاعة الاعتراف بالفضل
حين يكون الاعتراف واجبا، وشجاعة إدانة الجريمة مهما كانت هوية مرتكبها.
وأخيرا، فمن العار أن نسمح لعدوّ بأن يختار
لنا حلفاءنا،ومن العار أت نترك لحليف أن يحدد لنا ما يجوز أن نتذكره وما ينبغي أن
ننساه..!
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.